غزّاوي في رام الله

صورة: مظاهرة في رام الله نصرة لغزّة

صورة: مظاهرة في رام الله نصرة لغزّة

إسلام السقا

نُشر في شباب السفير  بتاريخ 15 يوليو 2014

اشتعلت الحرب مجدداً. الحرب الثالثة، كما سمّيناها. أشاهد أحداثها عن بُعد، لأوّل مرّة في حياتي. في الوضع الطبيعي كنت لأجلس بجانب المذياع، في الغرفة الأكثر تحصيناً في منزلي في غزّة، وهي، بعد دراسة مفصّلة لمخططات المنزل، المطبخ. ليس فقط لأنّه الأكثر أماناً، كونه وسط المنزل، بل لأنّ الثلّاجة موجودة فيه أيضاً.

الآن، أجلس وحيداً في غرفتي، في أحد أحياء رام الله الهادئة. يكاد يقتلني هذا الهدوء. كل الضجيج على المواقع الإخبارية حول غزّة، وكل الأخبار الصاخبة التي تصل من أصدقائي هناك، لا تتناسب مع هذا الهدوء. أجلس متوتّراً كما لم أفعل من قبل. هذه الحرب أشرس من سابقاتها. كان يجب أن أكون معهم، أفكّر. وسرعان ما أستدرك نفسي: “أين ستذهب يا مسكين. ألا تدرك كم أنت عاجز؟ تعتقد أنّك ستغيّر شيئا، سواءً كنت هنا في رام الله، أو هناك في غزّة؟ اصمت. هذا ليس وقتك، ليس وقتك أبداً”.

 

محمد الذي يختنق

يسألني محمد، صديقي الغزّاوي، الذي تعرّفت عليه صدفةً هنا في رام الله: لماذا لا تستمر الانتفاضة؟ يكاد يجن. المدينة طبيعيّة جداً اليوم، بل هي أكثر طبيعيةً من الأيام العادية، هكذا يقول. هناك حرقة في قلبه، وصرخة مكتومة. كيف يلعب الأطفال في الشوارع، ونحن في حالة حرب؟ كيف؟ أيها الشياطين الصغار، يجب تلقينكم درساً في الوطنية. ابتعدوا عن طريقي، هيّا، كفاكم استهتاراً بمشاعري.

يبدو هذا تصرّفاً مبالغاً فيه من قبله. لكنّ محمد يعتبر أن الأساس في إشعال هذه الحرب هو الانتفاضة الشعبية، التي قامت في الضفة والداخل المحتلّ، قبل الحرب بأسبوعين. حتى الأصدقاء في غزّة بدأوا يبعثون له الرسائل: “هاه؟ طمّنونا؟ كيف الشوارع هناك؟ كم برجاً عسكرياً أحرقتم اليوم؟ كم كاوتشوكاً أُشعل في حيفا؟ كم طلقة مطّاطية جمعتم؟”. يتلقّى الأسئلة دون أن يُجيب، ماذا عساه أن يقول؟ بماذا يمكنه الرد؟ ثم لماذا يسألونه هو بالتحديد؟ ماذا يمكنه أن يفعل؟

لا يملك الإجابات. هو الآن يشعر فقط بالاختناق.

 

ليلى التي تتنفّس

خرجت ليلى لتزغرد في الشارع على وقع الانفجارات التي سبّبتها الصواريخ المنطلقة من غزّة. بالنسبة لها الأمر جديد، ومختلف هذه المرّة. اعتادت في السابق أن تكون متفرّجة من الجهة الأخرى، من غزّة. كانت فرحتها سابقاً تتمثّل بانطلاق الصواريخ، فتركض إلى النافذة لمشاهدة منظرها البديع. ذابت عشقاً بخط الدخان الأبيض الذي يتركه الصاروخ خلفه. قضت أوقات الحرب في مراقبة التطوّر في حياة الدخان. تقول: “في البدء كنت ألاحظ أن دخان الصاروخ متموّج وحلزوني”. كان ذلك في البدايات، عندما كانت الصواريخ أكثر بدائيةً. لكن منذ آخر حربٍ عاشتها في غزّة، صار الصاروخ ينطلق باستقامة مقبولة، راسماً ابتسامة كبيرة، يراها كل سكّان غزّة.

تخون ليلى هذه الأيّام حبّها الأول، صوت انطلاق الصاروخ وسحابة الدخان المحبّبة خلفه، مع عشيقٍ جديد تعرّفت عليه هنا في رام الله المحاطة بالمستوطنات. تقرأ خبر انطلاق الصاروخ من غزة. تنتظر دقيقةً قبل أن تبدأ بسماع صوت حبيبها الجديد، منطلقاً من المستوطنة المجاورة: صوت صفّارات الإنذار.

تجلس، تبتسم، تغلق عينيها وتتنفّس.

 

غسّان الذي يبكي

يحدث هذا معه في كل حرب. الشهداء هم نقطة ضعفه. تؤثر به صورة الشهيد، كما لا يفعل أي شيءٍ آخر. ما زال لا يستوعب أنّ شخصاً كان يعيش ويتنفّس، صار غير موجودٍ الآن. كل ما بقي منه هو حسابه الشخصي على “فايسبوك”. يستيقظ صباحاً ليبحث عن “بروفايل” شهيد، وعندما يجده يكتشف أنه ليس الوحيد الذي وصل إلى هنا. يكتب الآلاف مرثيّاتهم هنا. يقرر هو أن لا يفعل شيئا. يشاهد آخر صورة ظهر بها الشهيد، ويتأمّلها طويلاً. يحفظها، يدعها تنتقل من ذاكرته المؤقتة إلى ذاكرته الدائمة. لا تنسَ هذا الوجه، احفظ هذه الضحكة، والملامح الجميلة. لماذا كلّ الشهداء جميلون؟ هل هم جميلون حقّاً أم أنّه يتخيّل؟

يزداد عدّاد الشهداء، يوماً بعد يوم. ها هو يحتفظ بصورة جديدة، لشهيدٍ جديدٍ في ملف الحرب الجديدة.

ينسخ الصورة، يُسمّيها “الشهيد أنس قنديل”، ثم يبكي.

 

نحن الذين هنا

وردت الأخبار مساء ثالث أيّام الحرب من رام الله. احتدمت المواجهات أمام حاجز مستوطنة بيت ايل العسكري. أحاطت التظاهرات العنيفة بالحاجز من الجانبين. أكّد لنا شهود عيان أنّ صلية من الرصاص أُطلقت اتجاه البرج الإسمنتي العسكري. تداول الناس في اليوم التالي هذا الخبر، بهمس. لكنّه حقيقي، حقيقي جداً. وجدنا أخيراً ما يوحّد مشاعرنا بمشاعر الآخرين.

بدأ محمد بالتنفّس. وزاد صوت صافرات الإنذار ليلى فرحاً، وبدا لأوّل مرة شبح ابتسامة على وجه غسّان.

 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s