عن الله وهدايا العيد في غزّة

هدايا العيد الأربعة

نُشر في شباب السفير بتاريخ 22 يوليو2014

كرهت أن أدخل يوماً في متاهة التساؤل عن فائدة البكاء أو معناه، لكنّي أعتبر بكاء الرجل أمراً طبيعياً ومشروعاً، وأنّ الخجل من البكاء هو الأمر الشاذ وغير المقبول إنسانياً. إذا ما اعتبرنا الحياة تسجيلاً موسيقيّاَ، فإن البكاء هو الصوت الحفيف الذي يصدر عن المُغنّي، قبل أن ينطق بكلماته، صوت استنشاقه للهواء. هذه الحركة التي بدونها لما استطاع الغناء. كيف سيغنّي من دون أن يتنفّس؟ هذا الصوت لا يمكنك تجاوزه، رغم أنّه خافت، تسمعه جيّداً لأنه موجود، ولن يجدي تجاهلك له أبداً، ولن يغير ذلك في واقع وجوده. قد تشعر أحياناً برغبة بالبكاء، هكذا، بلا سببٍ واضح. دعك من الوظيفة المعروفة للدموع في غسل العين، فكما نعلم جميعاً: البيروقراطية نهاية الثورات، ومن المجحف التقليل من وظيفة الدموع وتقزيمها في أمر واحد. لكن ليس هذا ما نتحدّث عنه. كلنا نعرف أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبكي بسبب العاطفة. فأنت، لا بد، رأيت دموعاً في الأفراح، وفي الأحزان. رأيت دموعاً بسبب الحرمان، والاشتياق، والوداع.. أبكي أنا عند الشعور بالوحدة، وتدمع عين أقسى الناس قلباً عند ممارسة فعلٍ لا إراديٍ بسيطٍ كالتثاؤب. للبكاء أسبابٌ عديدة. تدمع العين لأي شيء، وتدمع خصوصاً لو كنتَ غزّاوياً.

***

تفضّلوا، مَن أنتم ومِن أين أتيتم؟ / نحن، يا سيّدي، الذين جئنا تعرف من أين / وكم واحد أنتم؟ / نحن أربعة يا سيّدي / وما بالُ رابعكم يبكي هناك؟ / لا ندري يا سيّدي، ربّما بسبب سيّد / ومن هو سيّد؟ هل سيّد هنا؟ / هذه هي المشكلة بحد ذاتها يا سيّدي، إنّ سيّدًا ليس معنا اليوم، على الأقل كان معنا منذ دقائق فقط / إذاً هلّا أخبرني أحدكم بالقصّة؟ تعلمون، هذه إجراءات اعتياديّة / أنا سأخبرك يا سيّدي القصّة كلها باختصار:


تقاسما أوقاتهما معاً. أمضيا طفولتهما في الأزقّة الضيقة وبين البيوت المتواضعة. شكل كلٌّ منهما خط الدفاع الأوّل للثاني، إذا ما احتاجه. رافقتهما الحياة على الدرّاجة التي ورثاها، لا يدريان مِن مَن. كانت ملكهما، هذا المهم، أو هذا ما اعتقداه. راحا بها في زيارة خاطفة، استباقيّة للعيد: “يلّا نلعب يهود وعرب”، لعبة العيد المفضّلة، لعبة العيد الأولى، لعبة العيد الأخيرة.
كُنّا كُثراً يا سيّدي، أربعة منّا فقط حالفهم الحظ وأتوا إلى هنا. لا تلم محمد على فراق أخيه الوحيد سيّد. أنا متأكّد من أن كل عائلتنا، عائلة بكر، تبكي دماً الآن، خاصةً عمّنا الذي حُرم الإنجاب 24 عاما،ً قبل أن يُرزق بطفلِ مات معنا أيضاً. سيكون العيد هذه السنة على شاطئ البحر، العيد اسمه: ميناء غزّة، العيد لونه أحمر سماوي.

***

“أين يكون اللّه خلال الحرب؟”، بدا هذا التساؤل لصديق يعيش الحرب في غزّة صادماً للجميع. كتب جملته واضطر لإزالتها بعد دقائق، إما بسبب الهجوم الهادئ والمكثّف عليه، أو لأنّه استدرك تسرّعه في طرح سؤال كهذا، أو ربّما فقط لأن الوقت غير مناسب لطرح الأسئلة عن الله!
تذكّرت ليلتها ما قاله غسّان كنفاني، كيف “أنّ الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر، وأنه لاجئ في حيث لا أدري، غير قادر على حلّ مشاكل نفسه”. تذكّرت ذلك، ثم قلت “أستغفر الله” الذي هو في كل مكان، يسمع ويرى كل شيء، بالتأكيد. هذا ما أحبُّ تصديقه على الأقل، أنّه هو الذي في فوّهة البنادق ومآذن المساجد، في الشّباك الذي لم يُكسر بعد، وفوق طائرة الاستطلاع، في البحر، في البر، على الحدود، في البث الفضائي، في المظاهرات، في خيط الدم على أرض مشرحة مستشفى الشفاء، في مخبز يعمل لوقت متأخر، في النفق بين الرجال، مع صاروخ الكورنيت في الهواء، في أزقّة المخيّم بين حبال الغسيل المنسيّة، في الأرض الخلاء التي تُستهدف كلّ يوم وتصرخ، لا يسمعها إلّا هو، في جلسة أخيرة لشباب الحي قبل أن يصبحوا أشلاءً، في منزل من ستة طوابق خرج أهله من دون أن يأخذوا معهم المفتاح هذه المرّة.

***

حاولوا قتل غزّة ثلاث مرّات في آخر ست سنوات عشناها. ودّعنا المئات، وهُدّمت بيوت المئات غيرهم. شُرّد آلاف، يستمرّون بالتنقل لاجئين من هنا إلى هناك. إنّها دورة حياة اللاجئ الذي إذا ما أصابته مصيبة قال إنّا ها هنا لاجئون. ماذا عساه يفعل؟
ننتظر وقت الحصاد الذي لم يحن بعد. وقتها قد نفتح نوافذ أعيننا، لنكتشف غزّة جديدة تملؤها الحياة والفُرص. نذهب إليها زاحفين، طالبين عطفها وعفوها عن الذين هربوا، ونعتذر لأننا لم نبق، لم نستسلم لحبّها كفاية، فسيطر علينا جشعنا وحبّنا لأنفسنا وتركناها وحدها. تركناها تذوق المر، مكتفيةً بمن حَضَر، تنظر إلينا من بعيد.
“وعلينا كان أن نشربهُ
حتّى الزجاج،
كأسنا المُرّ المُحنّى،
ونُحسّ العار،
حتّى العظم منّا..
إنّما لا بأس”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s