الرجل الذي هزّ حيفا

صورة: نضال فرحات وخلفه الصواريخ بأنواعها الأولى

صورة: نضال فرحات وخلفه الصواريخ بأنواعها الأولى

في ليلة معتدلة الطقس من ليالي نيسان من عام 1979 جلس نضال على حافة سريره يحاول تفكيك الهديّة التي حصل عليها للتو بمناسبة ذكرى ميلاده الثامنة. مع انّ أمه اخبرته أن لا يفعل ذلك إلا أنّه لم يستطع منع نفسه، ووالدته عرفت ذلك بالتأكيد لكنّها لم تجد ما سوف تخسره لو أخبرته على أيّ حال. لا تستطيع معاقبته لانها تحبّه جداً، لطالما كان نضال مثلاً لبقية أطفال العائلة. انظروا نضال المؤدب. تعلّموا من نضال المتفوّق. ركزوا في شؤونكم الخاصّة كما يفعل نضال. فهو على غير عادة الأطفال كان يحب الجلوس وحده مع ألعابه، لا تستطيع وضع قدم داخل غرفته، ويا لمصيبتك لو حاولت مساس شيء منها. كانت الألعاب بالنسبة له فرصة جديدة للإكتشاف.

***

الانتفاضة تشتعل في البلاد، كل الشوارع تلتهب في وجه العدو معلنةً أنّ العام 1987 لن يكون عاماً بارداً على جنودهم، يقرر نضال ذو ال17 عاماً الانخراط مع شباب مسجد الإصلاح- كما أوصته أُمّه – في حيّ الشجاعيّة الذي يعيش فيه. في المسجد لم يكن نضال مُجرّد رقم، يخرج الشباب في فعاليّات متعددة فيُصر على ان يكون معهم. بعد فترة وجيزة يصبح نضال الوجه الأبرز بين شباب المسجد، روح الدعابة لديه هي احد عناصر جمال شخصيّته التي يبدو للوهلة الأولى أنها من الصعب ان ندمج بينها وبين جديّته فيما يتعلّق باهدافه ومبدائه. بسبب تميّزه انضم سريعاً لصفوف حركة “حماس” فكان أحد الأعضاء الشباب الذين بدا على وجوههم ملامح مستقبل هام.

***

لم تمر الانتفاضة بهدوء، أو هو لم يكن يريدها أن تمر كذلك. أثبت بوجوده في الصفوف الاولى للنضال لشعبي قوّته ورباطة جأشه. ميزة أخرى تظهر لنضال، رجُل وقت الشدائد، هكذا قال عنه زملاؤه في المسجد. في فترة النضوج الأولى كان من السهل لنضال الانصهار في حضن حركته حماس. حتّى أصبح بيته الملاذ الآمن لرفاقه الذين سبقوه بعدة خطوات. كان دوره يقتصر على قيادة المركبات للقادة وتوفير المأوى السرّي الآمن في منزله لهم، ولعل أبرزهم الشهيد/ عماد عقل. لم يكن عماد مجرّد قائد بل كان صديقاً مقرّبا لنضال (كلاهما وُلدا في نفس العام) لكنّ نضال لم يُعجبه حاله هكذا، وأراد المساهمة بنفسه من خلال الانضمام للكتائب لكن هذا ما رفضه عماد عقل مبرراً الأمر بـ” إن دوركم الآن يعتبر أعظم ممن ينفّذ العمل الجهادي و يجب أن تبقى حتى توفّر المكان الآمن للمجاهدين “.

***

1450880_650437568313048_2126946739_n

الشهيد عماد عقل

لم تكن ليلة الأربعاء الموافق 24 نوفمبر من العام 1993 هادئة كما توقّعها نضال. فبعد أن دعا رفيقه عماد عقل لتناول طعام الافطار في بيته عند أذان المغرب لذاك اليوم، وتحديداً بعد دخول عماد للمنزل بلحظات شعر عماد بوجود امر مريب، استطلع الأمر ليكتشف أن المنزل مُحاصر من قِبل قوات صهيونيّة خاصّة. فجأة أمسك عماد بمسدسه عيار 14 ملم الذي كان بحوزته وقتهاوأخذ يُطلق النار من كل الأماكن في المنزل، ينتقل من مكان لمكان من نافذة لأخرى حتّى أمّن خروج زملاءه الذين حضروا معه. هناك نضال يُشاهد حركة عماد ويخزّنها في عقله، هذا قدوته الذي سيقوم بدفنه قريباً في المقبرة الشرقيّة بيديه. يتوجّه عماد لنضال فيخبره “لقد حان وقت استشهادي”. يصعد للسطح ويصلّي ركعتين للشهادة، وأثناء صلاته يُصاب برصاصة في قدمه، لكنها لم تمنعه من القفز من سطح البيت ومواجهة القوّة والاشتباك المباشر معها. أطلقت القوّة القذائف المضادة للدروع على كل مكان في المنزل، أصابت عقل واحدة من تلك القذائف في رأسه واستشهد على الفور عن عمر الربيع (22 عاماً). يرى نضال المشهد بيعينيه، رأس صديقه قد اختفى تماماً. ثم اعتقله الجيش للمرة الخامسة في حياته. وحُكم عليه بالسجن 3 سنوات. خرج بعدها وتزوّج وأنجب لاحقاً 4 بنات وطفل سمّاه “عماد”.

***

الشهيد عوض سلمي

الشهيد عوض سلمي

بدأ نضال بالتحرّك وحده في زمن الانتفاضة الأولى. في إحدى الحواث عام 1993 و تحديداً بالقرب من سجن أنصار الثاني في غزّة تربّص نضال وحدهُ بجنديين كان قد راقبهما لفترة طويلة يخرجان لإلقاء القمامة كل يوم. أحضر معه مسدسه، كان هدفه واضحاً، سيقتل الجنديين بكل تأكيد. لكن الجنديين لم يخرجا يومها تحديداً.

مرة أخرى يخرج نضال لكن هذه المرة مع رفيقه “عوض سلمي” الذي رصد له الطريق الشرقي الواقع شرق الشجاعيّة بعد أن حصلوا على شاحنة. كانت الخطّة ان يدهسوا سيارة للمستوطنين أو أكثر. ركبوا الشاحنة وانطلقوا. حددوا هدفهم سيارة من نوع سوبارو. انقضوا بالشاحنة عليها لكنّ المستوطن كان يقظاً وتجنّب الشاحنة. قاموا بإلغاء العملية وعادوا لقواعدهم مرّة أخرى.

كان لنضال السبق في الانتفاضة الثانية كما الأولى، لكن هذه المرّة كقائد مجموعة في القسّام لا كفتى الحجارة القديم. شارك بعمليات اظلاق نار مباشر مع جيش العدو. انتظر سيّاراتهم وانقض عليها. راقب دباباتهم وكمن لها. لم يترك لهم مكان في غزة او بيت حانون او رفح، كان دائم الترحال وهدفه واضح: دعونا نقتل أحدهم اليوم!

***

الشهيد تيتو مسعود

الشهيد تيتو مسعود

بعد تولّيه الاشراف والتنفيذ لعمليّات ضرب قذائف الهاون التي كانت قد أعلنت كتائب القسّام عن امتلاكها. تولّى نضال مع زميله الشهيد “تيتو مسعود” التفكير والعمل على صناعة أوّل صاروخ محلّي الصنع. استولت الفكرة على عقله. كرّس لها كلّ وقته، ترك عمله مع القادة الكبار وتفرّغ تماماً لهذا الأمر. بعد رحلة شاقة استغرقت 6 أشهر توصل الى بنية الصاروخ الذي كان طوله 60 سم. بعدها واجهته معضلة تصنيع “الحشوة الدافعة” والمسؤولة عن اطلاق الصاروخ بشكل أساسي. توّصل اليها مع فريق تصنيع خاص عمل طويلاً على تشكيله وجمعه من كافة أرجاء القطاع طولاً وعرضاً. ووصل الليل بالنهار لإيجاد كل شخص يمكن له أن يفيد في هذا الامر ويُساهم في صناعة “المادّة الدافعة”. كانت المكوّنات الاساسيّة للمادة بسيطة ومتوفّرة في السوق المحلّي ورخيصة. قبل أن تكتشفها مخابرات العدو وفرضها الحظر على هذه المواد. حتّى تبدأ رحلة جديدة للبحث عن بدائل. بعد فترة وجيزة وبدعم من الشيخ أحمد ياسين توصّلوا الى أول صاروخ، أطلقوا عليه “صاروخ القسّام”. عند تجربته اكتشفوا أنّه يصل لـ 2 كيلو متر ونصف. انطلق نضال مع رفاقه وبغطاء ناري كثيف أطلق أوّل ثلاثة صواريخ باتجاه المستوطنات الاسرائيلية في غلاف غزّة. وكان هذا هو الخبر الأوّل على كل المحطات العربيّة والعالميّة. والفيديو الخاص بالعملية هو الفيديو الاول والأشهر على الاطلاق يوضح اطلاق ثلاث صواريخ من ثلاث ملثّمين وكانت العملية ناجحة تماماً.

***

chk_jschl

الشهيد محمّد فرحات

” بس تدخل اللي بيحاول يشرد طخه، أي حدا بيحاول يشرد قُصّه. طخ قد ما اتطخ يا زلمة، أهم اشي ما تلتخمش وانتا بتفك المخازن، المخزن اللي بيخلص فكه وما تحطه بجيبتك، لأ ارميه. ماتحطّش في بالك انك خلص بدك تقعد بقرنة وتتردد وتقول بدي أطوّل واقاوم، لأ، خلص، انهي، استشهد”

كانت هذه الكلمات التّي ودع فيها نضال فرحات أخيه محمد ذو ال17 عاماً ذاهباً الى مستوطنة “عتصمونا” حيث قام بعمليّة بطوليّة خلّفت تسع قتلى من المستوطنين.

***

طائرة أبابيل التابعة لكتائب القسّام

طائرة أبابيل التابعة لكتائب القسّام

عصر يوم الأحد 16/2/2003 تسلّم نضال الجزء الثاني من طائرة صغيرة ضمن استعدادات الكتائب لتطوير عملياتها ضد قوات الاحتلال و انطلق إلى منزلٍ يقع في حي الزيتون بمدينة غزة . كان الجزء الأوّل من الطائرة استلمه قبل فترة من مورّد سلاح معروف في غزّة. وعلى الرغم من تعبير نضال عن شكوكه وعدم ارتياحه للرجل الا انه الجزء الاول من الطائرة كان سليما وآمنا. وعندما تسلّم الجزء الثاني أصر على أن يفحصها هو وحده لا أحد غيره. وطلب من رفاقه الابتعاد. الا انه بعد فحصها واطمئنانه لها اقترب منه رفاقه فانفجرت بهم الطائرة فجأة. كانت هذه العملية هي عمليّة اغتيال مُدبّرة من قبل الشاباك الاسرائيلي نفّذها عبر عملاءه على الأرض الذين كان تاجر السلاح هو واحد منهم ويعرفه بعض قادة الكتائب اليوم. استشهد نضال عن عمر 32، لكنّه بقي لعمر الـ40 وأكثر بالنسبة لنا.

تقول أم الشهيد نضال فرحات إن حياة نضال في الأسبوع الأخير تغيرت كثيراً و كأنه يشعر بأن موعده مع الشهادة اقترب، و تقول إن نضال كان يبكي كثيراً و يقول (يا أمي أريد أن أضمن الجنة) ، و كرّر هذه المقولة مراراً .

فرحات، بين أوّل صاروخ سقط على تل أبيب وبين آخر صاروخ

فرحات، بين أوّل صاروخ أطلقه (كيلومتر ونصف) وبين الصاروخ الذي وصل حيفا (160 كيلو متر) (تصميم سعد الوحيدي)

:: فيديوهات لها علاقة

* فيديو أوّل عملية إطلاق صواريخ قام بها فرحات:

* فيديو لنضال فرحات يوّجه أخيه محمد قبل العمليّة:

* أُم نضال فرحات تودّع ابنها الشهيد محمد فرحات:

هنا الرواجم جاهزات، هنا القذائف والعبوات:

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s