ما لا تعرفه عنّي السي آي إيه

كيف مات أربعة من أصدقائي؟ وكيف فقدت الإتّصال مع الخامس؟

 

جلست في غزّة مع أحد أصدقائي من المؤيّدين لحركة حماس وأخبرني عن (طفولته الفتحاويّة). كانوا يخرجون لسماع مهرجان خطابي لأحد القادة. أو لحضور مهرجان إقليمي هنا أو هناك. ثم يعودون جميعاً مشياَ على الأقدام بينما تمر بجوارهم سيّارات تابعة للسلطة تحمل بداخلها أبناء مسؤولين في السلطة الفلسطينية لا يرونهم الا في السيّارات.

يقول صديقي: “كنّا نشعر بالغيظ منهم، هم ليسوا أقوى انتماءاً منّا، لكنّهم يفضّلون الجلوس في السيّارة ويسمّون أنفسهم فتحاويون”. إبتسمت أنا لهذه الكلمات، فبداخلي شعرت انّي كنت لِأُشفق عليهم لا ان أستاء منهم. من لا يعرف المشي للمهرجان لا يعرف شيء عن حركة فتح، حركة فتح هي المشي للمهرجان أصلاً!

ودّعت صديقي بعد ان أنهينا غيبتنا للناس و عُدت وأنا أفكّر في الذي سوف تقرأونه بعد قليل. كانت المساجد – ومازالت – هي المأوى الرئيس لشباب حماس. هناك يجتمعون ومن هناك يفترقون. بالنسبة لي، كان الانتماء الحزبي مجرد صفة وراثيّة لا اهتم بشأنها كثيراً. استمريت في الذهاب للمساجد والمكتبات التي كانت تسيطر عليها لجان حماس الدعويّة. كان عمري 14 عاماً. بدأت أحداث هذه القصّة في العام 2004، وانتهت في حرب 2008. وقعت كلّها في مدينة غزّة. وانتهت هناك.

الخِتيار

في أحد أيام نوفمبر 2004 حدث أمرٌ بالغ التأثير على مجريات الأحداث القادمة للشعب الفلسطيني. كنّا وقتها نقضي شهر رمضان ونتمتّع بقصر النهار وطول الليل والأمطار الخفيفة من وقت لآخر. جدّتي تجلس أمام التلفاز وعيونها تدمع. وجّهت عيناي نحو شاشة لأجد بياناً من “رام الله” على الهواء مُباشرة. أعلنوا فيه وفاة الرئيس عرفات. مات الخِتيار. وأعلنوا عن إسم الرئيس المؤقّت للبلاد وفقاً للدستور.
ماذا كان اسمه؟ الرئيس الجديد؟ لا يهم بصراحة.

إمتلأت سماء غزّة في ذلك اليوم تحديداً بسحابة سوداء ضخمة غطّت لونها الأزرق وحجبت عنّا الشمس ولوهلة كان يمكنك أن تشعر أنها فصلتنا  أيضاً عن النجوم وطائرات الاستطلاع وربّما عن الله. كانت سحابة رهيبة ناتجة عن حرق إطارات السيّارات بشكل كثيف جدّاً. لم أفهم سبب هذا الفعل لكنّه على الأغلب كان تقليداً أعمى من شباب فتح لشباب حماس كونهم قد فعلوا نفس الشيء في نفس العام عندما اغتال الاحتلال الشيخ “أحمد ياسين”.

أبو أنس

أجلس في مسجد الحي، تحديداً في الطابق العلوي بعد صلاة المغرب مباشرة. كنت قد تناولت كتاباً من مكتبة المسجد وانسجمت مع كلامه بشكل كبير قبل أيّام. وجئت اليوم لأكمل ما بدأت. كان الكتاب اسمه “في ظلال القرآن” وكان تجربتي الاولى مع “سيّد قطب”. وقد أعجبني جدّا وقتها.

لمحني إمام المسجد، وهو رجل في الثلاثينيات من عمره. مظهره مُرتّب دائماً ورائحته جميلة وابتسامته لطيفة وأنا أحبّه دون ان اتعامل معهُ حتّى، إقترب منّي وقال: ايش بتعمل؟، قلت: زي منتا شايف، بقرأ. أخذ الكتاب منّي وقرا عنوانه ثم ابتسم. قال: إنت وإخوتك عندكم الفطرة السليمة، بس ما بتهتمّوا فيها، شو رأيك تيجي تنضم مع شباب المسجد؟ ما رح تخسر شي. خليني أشوفك معهم المرّة الجاية.

بعد تفكير قصير. خلّيته يشوفني.

ذهبت أنا وأخي الأصغر مني بسنتين لقيام الليل في المسجد. جلسنا قبلها مع الشباب هناك وتعرّفنا على بعضهم. تعرّفنا أيضاً – وهذا الأهم – على أحد أفضل رجال الدين الذين قابلتهم في حياتي إن لم يكن أفضلهم. يسحرك فوراً ودون مقدّمات فور حديثك معه. كان اسمه الشيخ “أبو أنس المنسي”. أصبح صديقي فيما بعد، هذا مما لا يعرفه أحد. ألجأ إليه وأُتابع تحرّكاته وأحضر دروسه التي لا تخلوا من الفكاهة والمتعة والبعيدة تماماً عن ملل المشايخ المُعتاد وقرفهم الذي لا يُطاق.

مهنّد وإبراهيم

استدرجوني، نعم استدرجوني لمركز تحفيظ القرآن. وكنت سعيداً بذلك، في صيف واحد قمت بحفظ ثلاث أجزاء، نسيتهم تماماً فيما بعد لكن هذا ما حصل وقتها على الأقل، ولربّما كنت لأنسى أنني حفظتهم فعلاً لولا وجود شهادة مطبوعة تؤكد أن هذه الحادثة وقعت بالفعل!

تعرّفتُ هناك على كل الأولاد من شارعي ومن سبع شوارع أُخرى مجاورة. تبدأ في مركز التحفيظ بممارسة كل النشاطات التي يقوم بها كل الاولاد هناك. طبعاً ولأنّهم اولاد فهذا يعني عدم الالتزام أو الجديّة في النشاطات الرسمية، بينما يُسجّل حضور كامل في النشاطات الترفيهية التي تمثّلت غالباً بـلعب التنس في المسجد أو الذهاب للبحر كل يوم جمعة صيفاً. وانشطة اخرى تتضمن بالتأكيد العصير والبسكويت كما اعتدنا.

إلتزمت بحلقات حفظ القرأن، تعرفت من خلالها على صديقين اصبحا فيما بعد مُقرّبين منّي. الأوّل هو “مُهنّد” الذي لا ينفك يقول لي: سأسمّي ابني “إسلام” حتى بات الجميع يناديه في المسجد بأبي إسلام. والآخر اسمه “إبراهيم”. إبراهيم كان أيضاً في مدرستي وبمحض الصدفة إجتمعنا داخل جدران فصل واحد في العام التالي. كان إبراهيم من المتفوقين الهادئين. تُحدّثه فيبتسم ثم يحاورك، حتى عندما يغضب كنت أشعر بانه يبتسم وهو يصرخ.

قضينا أغلب أوقاتنا بمزحات ساخرة وسخيفة عن بعضنا، وأحيانا ثقيلة. إلا إذا اعتبرتم خطف أحد ابناءكم لساعات أمراً يدعو للضحك، لكن لن اخوض في هذه القصّة، ربّما في وقت لاحق. ثمّة ما يفتقده النص هنا. اعتقد أنني نسيت أن أخبركم أيضا عن “إيهاب”.

إيهاب

توطّدت علاقتي بإيهاب في المسجد. أقول توطّدت لأنها كانت موجودة اصلاً لكنّها كانت ضعيفة. حكمت علاقة الجيرة والمعرفة بين أمّي وأمّه بأن نتعرّف على بعضنا البعض قبل سنوات من التقاءنا مجدداً في المسجد. كان هو أفضل من بقيّة إخوته، وكان الوحيد الذي رغبتُ بمعرفته رغم أنّه يكبرني بسنة. مارس دوره الدعوي علي مُباشرة، فكان يرافقني دائماً ويدعوني بشكل مباشر للإنضمام لحركة حماس معهم. أنا لم أكن أشعر بالارتياح إزاء ذلك. كرهت الاهتمام المُبالغ فيه طيلة عمري. اعيش على أساس واحد: أنا حُر. هكذا فقط. لذا، هذا الشعور بالاستياء، راودني أوّل مرّة عندما انتميت للمركز في أوّل يوم، لا أنسى كيف استقبلني أحد المُحفّظين هناك قائلاً: إسلام؟! أنا من زمان بستناك على فكرة. فاجئني كلامه هذا، لم أرد عليه وراقبته يسير بعيداً وهو يحمل الكرة ويلحق به الأولاد بعد أن ربت على كتفي وضحك بصوت مسموع.

بعد أشهر من تلك الفترة وجدت نفسي أقف أمام منزل الرئيس الجديد للسلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس. المنزل يقع في منطقة تل الهوى في جنوب المدينة. كنا نقف هناك وسط “الدّوار” الذي أُصطلح على تسميته ب”دوّار ابو مازن” قبل حتّى ان يصبح رئيساً. تداركت نفسي هناك تماماً، وسط الميدان، على باب الرئيس، لم يكن في منزله وقتها، قالوا أنّه نشاط ميداني. ومن الواضح أنّهم كانوا يقصدون أنه “ميداني” حرفيّاً.

أحمد

يُعرف عن الطّلاب تقصيرهم الدراسي في أوّل سنة لهم في مرحلة الثانويّة العامّة، وربّما أبعد من التقصير في الدراسة، بعضّهم يقصّر المسافة بين بنطاله ووسطه فتظهر مؤخرته بينهما. وآخرون يُقصّرون بناطيلهم من شدّة التديّن. أمّا أنا فكان التقصير بالنسبة لي هو تقصير المسافة بيني وبين الامتياز فكنت متفوّقا و … لكن نحن لسنا هنا لاستعراض مهاراتي الدراسيّة. برأيي هذه سنة حاسمة. الفشل فيها هو الفشل في الثانويّة العامة، والنجح فيها يعني التميّز في الثانويّة العامة. بغض النظر عن “الثانويّة العامة” كنظام.

كانت مدرسة مستحدثة من عدم. اقتطعوها من عدة مدارس مجاورة، وضعوا لها باباً وأطلقوا عليها إسماً وأحضروا لها مديراً وعشرة مُعلّمين فأصبحت هذه مدرسة “معروف الرصافي الثانويّة للبنين”.

ثمّة اعتقاد لدي أنّي أستطيع تمييز من هو صديقي قبل حتّى أن أتحدّث معه، هكذا فقط، يخطر في بالي: هذا الفتي سيكون بيني وبينه شيء ما في يوم من الأيّام، لا أدري ما هو لكنّه سيحدث لا محالة. وسرعان ما يحدث هذا الشيء. مثلاً، في هذه المدرسة وفي أوّل يوم رأيت “أحمد”، فتى بدا عليه ملامح الجدية والتفوق، بجوار عدم اهتمامه بشكله الخارجي بطريقة واضحة للعيان. فقد كان يحب ارتداء سراويل واسعة ولكنّها قصيرة. طاقة قويّة تصدر منه، أشعر بها وأكاد أراها. يقف ليعرّف عن نفسه للمُدرّس وأنا أنظر إليه “هذا الأحمد سيحدث بيني وبينه شيء أشعر بذلك”

و قد حدث.

تقرّبنا أكثر مع الأيّام أنا وأحمد. أصبحنا الأكثر تفوّقاً في الفصل بنفس الوقت. كان الأول، وكنت وراءه بخطوة. كان ذكيّاً ولمّاحاً. سريع البديهة وحاسم. له مبادئ لا يتزحزح عنها ويحب الضحك والمزاح. قوي البنية بشكل واضح. يرتدي نظارة، شعره مجعد وطويل، ولاحقاً اعتمد أن يجعله قصيراً. كان يظهر كالأحمق عندما يقوم بقص شعره.

إستطاع أحمد أن يتجاوز بعض الخطوط الحمر التي لم يستطع جاري إيهاب تخطّيها. لكن الفارق هنا أنّ “أحمد” ينتمي لفكر السلفيّة الجهاديّة، وتبنّى وقتها (2005) خطاب القاعدة. هنا بدأت رحلتي مع فلاشات العمليّات الجهاديّة في العراق واسطوانات قنّاص بغداد وأشرطة الاناشيد الجهاديّة، خصوصاً أناشيد ” أبو عبد الملك” الذي عاصر حقبة “الجهاد” في أفعانستان فأنشد: سنخوض معاركنا معهم. واستمرّ بالعطاء حتّى حرب العراق.

مؤمن

كنت في أحد الأيام عائداً من منزل صديق لي يسكن على بعد 4 شوارع من منزلي. في الطريق توقّفَت بجانبي سيارة ونزل منها شاب ملتحي برداء قصير تظهر تحته عظمة كعبه. اقترب مني بوجه بشوش وقال لي “انت اسلام صح؟” هززت رأسي فعرّف عن نفسه. قال أنا “مؤمن”، أسكن بجوار المسجد وأراك دائما هناك ولكني لا أراك تختلط كثيراً مع الشباب. قلت له اني لم اعد انتمي اليهم وانّي أذهب هناك للصلاة فقط. قال هل تريد الحديث عن ذلك؟ قلت لم لا؟ قال قابلني في منزلي بعد صلاة العشاء. افترقنا على هذا الاتفاق فقابلته بعد الصلاة في منزله. تمحور الحديث حول دروس علم مفيدة يعقدها مع شباب صالح في احد المساجد. اتفقت معه على الانضمام بعد أن شربت عنده “شاي بالحبهان”. كان لذيذا على ما أذكر. لم اشربه مرة أخرى من وقتها.

لم يكن يمكنني التحرك دون “احمد”. أحضرته معي.

كان المسجد، الذي دعاني إليه مؤمن، يقع تحت برج كبير ومشهور في غزّة، حيث تستطع فعليا أن تقول أنك في قبو البرج. المكان مريب لا شك لزائر في أول يوم له. لكن غرابة المكان تختفي مع اول حوار تخوضه مع ايِّ من الشباب هناك. أحسست باني مهم جداً لهم. حسناً كنت أنا واحمد أصغر الحاضرين. وكانت الدروس تنقسم لدروس فقه وعقيدة وتوحيد وتجويد وامور أخرى. كنت أعشق دروس التوحيد خصوصاً، وأُحب كل الدروس الاخرى ما عدا التجويد. تبدأ مع مرور الزمن بتوطيد علاقتك مع الشباب هناك. كان بعضهم يسكن جواري فيقوم “مؤمن” بإيصالنا جميعاً في طريق العودة.

بدأ تأثير مشايخ السلفيّة الذين نحضر دروسهم في هذا المسجد يظهر (طبعاً تعرفون الفرق بين السلفيّة والسلفيّة الجهاديّة) في المنزل، وبعد فترة وجيزة، كان يُمكن مُلاحظة بعض كتب الفقه هنا وهناك وبعض زجاجات العطر الزيتي الصغيرة التي كتب عليها بخط عريض “مسك الحرمين”. كنت أُحب تلك التي برائحة الياسمين. حتى أنّ شيخي في درس التجويد كان دائماً ما يوفرها من أجلي.

الهجوم العكسي

عدت لإيهاب بعد انقطاع بالعلاقة بيننا فترة قصيرة. هذه المرة عدت لأغزوه بعد ان حاول “حمسنتي” ورفضت. بالطبع أحضرت أحمد معي. بعض الدعم لن يضر أحد. رأيت ايهاب قبلها بيوم في المسجد، مشيت معه للمنزل وحاولت اقناعه بترك “حماس” لأنها “على المنهج الخطأ” خاصّة بعد قرارها خوض الانتخابات. تركني يومها وهو غير مقتنع، قال: لو كان هناك قطيع من الأغنام، وكل الأغنام تسير بإتجاه معيّن، هل من المنطق أن تنحرف إحدى تلك الماشية عن الطريق وتقول أنّ البقيّة على خطأ؟ هل تعلم ما سوف يحصل لها حينها؟

قلت له: ماذا لو كان هذا القطيع على وشك الوقوع في حفرة؟

قال، حسناً، حدد الزمان والمكان. أخبرته أن يقابلني بعد صلاة العصر في اليوم التالي في مسجد “الكنز” وسط غزّة. ضحك لما قلته، سألته عن سبب ضحكه، فأخبرني لأنني أخترت معقل لحماس كي نتناقش فيه، مسجد الكنز، أخبرته أننا لن نتناقش هناك بل سنلتقي فقط ونتحرّك بعدها لمكان آخر.

التقينا وتحرك ثلاثتنا (أنا وأحمد وإيهاب) الى حديقة الجندي المجهول. إشترينا ثلاث أكواب من الشاي وجلسنا. الجلسة كان محورها باختصار: “الانتخابات حرام، والديمقراطية ليست نظاماً اسلامياً. ما تفعله حماس هو ضد الدين ولا يجوز. وليس عليها دخول الانتخابات. وان دخلتها فليس عليك دعمها”.

كأي حوار اخر انتهى الامر بعدم اقتناعه بوجهة نظرنا، وبعدم اقتناعنا بوجهة نظره. وافترقنا بعد أن أعطيناه بعضاً من منشورات “حزب التحرير” الذي لم نكن نحبه -انا واحمد- إلا أننا كنا نحب الاستفادة من قراءة ما ينشرونه. ونجمعه ونحتفظ به. كانت مجّلتهم أسمها (الوعي).

بعدها كانت علاقتي بإيهاب علاقة عابرة لم تتعدى كلمة “السلام عليكم” عندما نرى بعضنا البعض صدفةً في الشارع كون منزله أمام منزلي بالزبط. أما هو فتعمّق كثيراً بأنشطة الحركة. وكان هو ومهند وإبراهيم أصدقاءً مقربين.

نم في سلام

لأني زرعت أرض الموت عزًّا .. وروَّت ساحة الهيجاء دِمايا
لأني مضيت في درب عصيب .. به استعذبت لوعات الرزايا
لأني عشقت أنغام الجهاد .. أُلاقي الهجر في دنيا البلايا
وأمضي كالغريب بدار قومي .. فلا أحد يبادلني التحايا
ولا أحد يشُد على يميني .. يبارك وثبتي يحذو خُطايا
أعيش بغربتي دومًا وحيدًا .. أُلاقيها ولا تلقى سِوايا

كنت خارجاً من منزلي متوجّهاً للمسجد في مساء يوم الجمعة الموافق 26 يناير من عام 2007، و في الطريق سمعت أصوات اطلاق نيران كثيف. بعدها رأيت جيبّات تابعة لأجهزة أمنيّة مسرعة بعيداً عن المسجد. دخلت المسجد لاراه وكأن معركة دارت بداخله. على اليمين وبجوار المتوضّأ كان الشيخ “أبو أنس” ملقيّاً هناك على الأرض. في هذه المنطقة كان يلقي بدروسه لشباب المسجد، كان مضرّجاً بدماءه. أُعدم هُناك. نظرت ليساري، تحديداً جهة المِنبر، كان إيهاب هناك، رصاصة اخترقت صدره فألقته فوراً على الأرض وقد فارق الحياة.

بقي دمُ إيهاب على السجّاد هناك مدة أُسبوع كامل. لم أستوعب الامر إلا بعد التحديق في بقعة الدم تلك لساعات وساعات متخيلاً مشهد موته هنا على هذه الارض التي أصلّي عليها. حتّى أدركت انها – هذه البقعة – هي آخر ما تبقى منه.

توعّدَت مئذنة هذا المسجد طويلاً عبر مكبّرات الصوت لأفراد الجهاز الأمني القريب من المسجد في وقت الاقتتال الداخلي، بعد الحادثة بأشهر، حيث كان هذا الجهاز هو المسؤول الأوّل عن موت كل من ايهاب وأبا أنس. كان يقع على بُعد 500 متر فقط من المسجد.

في حرب 2008 قُصفت مئذنة المسجد وسقطت على الأرض، وضعوها فيما بعد وسط أحد المفترقات الرئيسيّة في المنطقة هناك، وبقيت ليومنا هذا.

استُشهد كل من مهند وإبراهيم حيث كانا يقاتلان في صفوف القسام في منطقة توغّل فيها الاحتلال على طرف مدينة غزة الجنوبي، منطقة تل الهوى. رأيتُ صورة لإبراهيم بعدها وهو في الكفن. لم أرَ مُهنّد بعد موته أبداً.

الشاب في مركز التحفيظ الذي قال لي “انا من زمان بستناك” فَقَد إحدى قدميه بعد أن أطلق عليه الرصاص أفراد أحد الأجهزة الأمنية وقت الأحداث لأنه كان يلقي عليهم قذائف الهاون مساء كل يوم.

الشيخ في مسجد السلفيين الذي كان يحتفظ بزجاجات الياسمين من اجلي كنت أراه صدفةً في ساحات الجامعة الاسلامية وقت دراستي هناك، أراه ويراني ونتجاهل بعضنا البعض، هكذا بلا سبب مباشر، الا لأننا من الماضي، ربما، لا أعلم حقّاً.

سافر أحمد الى مِصر. ودّعته أنا وقلت له “أنا متأكد أنّك ستقضي بقية عمرك في سجون المخابرات”. سافر ولم أعلم عنه شيء حتى اللحظة. ولكني أذكر اخر ما قاله. قال: أنا أعلم أنّي تعجّلتُ معك كثيراً، كان لا بُد لِي أن اتروّى قليلا! وكلامه هذا كان دقيقاً جدّاً. لأنني كنت قد نفرت منه آخر فترة علاقتي به، شعرت بانّي سأقوم بتفجير نفسي برتل عسكري هنا او هناك في اليوم التالي مباشرة. لا أعلم أين هو الآن لكنّي أكاد أجزم أنه متطوّع في صفوف داعش. مع ذلك فأنا مشتاق جداً لرؤيته.

أمّا “مدرسة معروف الرصافي” فتم إغلاقها ودُمجت فيما بعد مع مدرسة اخرى مجاورة حيث لم يعُد لها وجود اليوم.

مسجد السلفيين في قبو البرج لم يعد ملكا لهم الان. لا أدري أين ذهبوا. ولا أعرف أين مؤمن الآن. لكنّهم كانوا يجتمعون في مسجد آخر داخل ميناء غزة لكنهم فقدوا ذلك المسجد أيضاً بعد تضييق من حكومة حماس عليهم.

وفي يوم ما من أيام عام 2012 قرر “أبو عبد الملك” إعتزال الانشاد واتجه الى الغناء!
لكني مازلت احتفظ بشريط “البواسل”.. أصبح متوفرا على اليوتيوب طبعاً.. لكنّي احتفظ بالشريط..

كل ذلك انتهى..

ولم يبق منه الا بضع زجاجات مسك برائحة الياسمين.. وعدة منشورات لحزب التحرير.. وشهادة من مركز تحفيظ القران.. آه.. و دوّار أبو مازن!

هذا ما لا تعرفه عني السي آي إيه. لانها لا تكترث بكل هذا الكلام أصلاً!

 

صور توضيحيّة

المسجد، مسجد الهداية

المسجد، مسجد الهداية

مئذنة المسجد بعد قصفه في حرب 2008

مئذنة المسجد بعد قصفه في حرب 2008

المكان الذي مات فيه إيهاب

المكان الذي مات فيه إيهاب

إيهاب

إيهاب حمّودة، كان في الثانويّة العامة وقت موته.

جنازة إيهاب

جنازة إيهاب

إبراهيم

إبراهيم حمدان: كان احد الناجين من حادثة مسجد الهداية، احد عناصر كتائب القسام و استشهد في معركة الفرقان بعد محاولة تصديه لقوات العدو المتوغلة جنوب حي تل الهوى. استهدف جرافة احتلاليّة بقذيفة مضادة للدروع و استشهد برصاص قوات خاصة اسرائيليّة حاصرته مع رفيقه مهند. جاءتهم القوة من خلفهم، طلبوا منهم القاء السلاح، وقبل أن يفكّر مهند بإلقاءه، أدار إبراهيم وجهه عليهم وأطلق الرصاص قبل أن يستشهدوا على الفور.

مُهنّد

مُهنّد الناجي: استشهد برصاص القوات الخاصة برفقة ابراهيم حمدان.

زهير المنسي " ابو انس " امام مسجد الهداية و داعية معروف.

زهير المنسي ” ابو انس ” امام مسجد الهداية و داعية معروف.

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”ما لا تعرفه عنّي السي آي إيه

  1. قصة جميلة تجذبك للقراءة حتى وان كنت من أعدائها اسلوب رائع وممتع ولغة سليمة وهذا ما يميزها

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s