كوتشي قبل غزّة، حرب الأنفاق

*حرب الأنفاق الفيتناميّة

سحب جنود أمريكان من نفق

سحب جنود أمريكان من نفق

في عام 1965، كانت تقع فرقة المشاة 25 من الجيش الأمريكي بالقرب من قرية “كوتشي” الفيتناميّة، حيث التركيز الرئيسي لخلايا المقاومة التي تقود حرب عصابات في الجنوب الفيتنامي بينما كانت القيادة الرئيسيّة في الشمال الفيتنامي الشيوعي. كانت خطة الولايات المتحدة هي سحق المقاومة بسرعة  ثم السيطرة على الجزء الجنوبي من فيتنام (حكومة سايغون) لكن الشيوعيين أبرزوا صموداً اسطوريّاً. أثناء ذلك، وفي المعسكر الأمريكي، بدأت أمور غامضة بالحدوث فجأةً هناك. رغم الحراسات المشددة، كانت أصوات رصاصات تُسمع ليلاً في محيط خيام المعسكر. في صباح اليوم التالي يكتشف الامريكيون جثثاً لضبّاط تم قتلهم ليلاً. من وسط الغابات كانت تومض فوّهات المسدسات لثوان معدودة وكأنها خيال قبل أن تنتهي إلى اللاشيء، لكنّها كانت حقيقيّة جداً. شدد الأمريكان الإجراءات الأمنيّة ومن ثمّ بدأوا بعملية تمشيط واسعة النطاق للمنطقة المحيطة بالمعسكر. لا بد من انهاء هذه العمليات الغامضة. قام آلاف الجنود بصحبة الجرّافات بتدمير الغابة وحرقها بقنابل النابالم؟ لكن بلا جدوى. فعلى الرغم من تدميركل التجمعات السكّانيّة وقطع امدادات الماء والغذاء إلا أنّ عمليّات الأشباح تواصلت ضدهم.

إستغرق الأمر قرابة الأربعة أشهر حتّى تم حل اللغز عن طريق الصدفة: كانت الشعبة 25 تقع مباشرةً فوق مدينة كاملة تحت الأرض. احتوت هذه المدينة على شبكة أنفاق يبلغ طولها الإجمالي 250 كيلو متراً، محفورة كلّها في الطين الذي تميّزت به (كوتشي) في أوائل القرن العشرين خلال فترة الاحتلال الفرنسي. إبتهج الأمريكيون لوهلة بإكتشافهم “الكبير”. نعم يا سادة. لقد إكتشفوا الحفرة التي يخرج منها هؤلاء الأشباح. حينها، وبتعبير أدق، بدأت مرحلة (التخمين) لدى قيادة الجيش الأمريكي حول طبيعة هذه المنظومة التحت-أرضيّة. والأهم، كيف سيواجهونها؟

لسنوات عدّة، انصب الاهتمام الأمريكي على فكرة تدمير مقاتلي (كوتشي) تحت الأرض في المنطقة التي عُرفت بـ”المثلث الفولاذي”.  بدايةً، كان العثور على مدخل النفق وحده مهمة مستحيلة تقريباً: مدخل صغير جداً بالكاد يمكن لشاب أن يدلف منه، مُغطّى بالأعشاب والاوراق التمويهية. ومع ذلك، نجح الأمريكيون في العثور على مدخل لأحد أنفاق مقاتلي الـ(فييت-كونغ). لكن ما العمل الآن؟ كيف نتعامل مع هذا النفق؟ نلقي عليهم غازات سامة؟ لكنها كانت غير مجدية كونها – الانفاق – احتوت على أنظمة معقدة من أنابيب المياه والبوّابات المُغلقة التي تُساعد على الانتقال من مستوى إلى آخر داخل الأرض، فمنعت الغاز من الوصول لشبكة الأنفاق الرئيسية داخل الأرض. ما العمل الآن؟ علينا النزول بأنفسنا إلى هناك، لكن هذا شبه مستحيل، الأنفاق صغيرة ومصممة خصيصاً لتلائم فقط الجسد الفيتنامي الصغير، لكن علينا أن ننزل إلى هناك لا مجال لغير ذلك!

تحقيقاً لهذه الغاية، تم استحداث فرقة جديدة أطلقوا عليها (فئران الأنفاق) وتم تدريبهم على يد مُدرّبين متخصصين ويملكون مهارة عالية (فعلياً كانوا جنوداً تافهين ومجانين) وتم تزويدهم بمصابيح أماميّة وهواتف سلكيّة وومسدّسات ومناظير الرؤية الليلية وغيرها. رحّب مقاتلوا الأنفاق الفيتناميّون (الفييت-كونغ) بضيوفهم أجمل ترحيب، فبدأت حرب “القط والفأر”. أعدّ الفيتناميّون لهم الفخاخ ونصبوا لهم الكمائن عبر متاهات تحت الأرض جعلت عدد الذين خرجوا من هذا “الثقب الأسود” يساوي نصف عدد الداخلين إليه. كانوا يقضون ساعات طويلة في البحث عن المقاتلين الفيتناميين وسط متاهات رهيبة من الأنفاق المُظلمة والرطبة. كان كل فرع شجرة او خيط ممدود هو احتمال فخ مميت يوصل بهم إلى شرك قاتل. كثيرون ماتوا في تلك الأكمنة، وكثيرون تم سحبهم من الأنفاق وهم يصرخون بهستيريا رهيبة “لا أستطيع أن أرى، لا أستطيع الرؤية”!

في الوقت نفسه، كانت الأنفاق تحتوي على مظاهر حياة كاملة: عملت فيها المستشفيات، دور سينما، والمطاعم. حتّى أن أطفالاً ولدوا هناك، تحت الأرض. وإجتماعات سريّة لوضع الخطط التكتيكية كانت تجري على قدم وساق في “أنفاق القيادة”. انطلقت من هناك كل العمليّات الاستطلاعيّة والتخريبيّة المخطط لها في سايغون وفي جميع أنحاء الجنوب.

في أواخر الستينات، تحديداً في العام 1969، تم سحب كل الطائرات التي عملت على قصف فيتنام الشمالية طوال الحرب واحضارها للجنوب لقصف (كوتشي). إنصب لهب طائرات B-52 على المنطقة وأحرقتها بالكامل. كانت القذائف تخترق الأرض لعمق 20 متراً على الرغم من أن بعض الأنفاق لم يتجاوز عمقها الخمسة أمتار. بعض الأنفاق تعرض للخراب وبعضها الآخر دُمّر بشكل كامل.

طوال فترة الحرب، كانت الأنفاق داخل وحول (كوتشي) مصدراً للإحباط بالنسبة للجيش الامريكي في سايغون. كانت قوات الفييتكونغ متمكّنة جدّا من المنطقة بحلول العام 1965، ساعدهم على ذلك كونهم أصحاب الأرض وهم أدرى بها، فجعلهم هذا أصحاب القرار المتعلق بـتحديد زمان ومكان المعركة القادمة.

كانت “حرب الأنفاق” نقطة تحول مهمة في تاريخ فيتنام. ساعدت بشكل أساسي على حفظ وحدة فيتنام الشماليّة الداخليّة أكثر، مع السماح لهم بـ”القتال ليوم إضافي”، فساعدت على إطالة أمد الحرب وزيادة التكاليف والخسائر الأميركية حتى انسحابها في نهاية المطاف في عام 1972، والانتصار النهائي لجمهورية فيتنام في عام 1975، حيث جرّت أمريكا أذيال خيبتها بينما كان يحتفل الـ6000 فيتنامي الذين نجوا من تدمير الأنفاق من أصل 16000 مُقاتل كانوا هُناك.

بعشرات الطائرات ومئات الآليات التي دمرها مقاتلوا الأنفاق استحقت (كو-تشي) لقب “الأرض الفولاذيّة” الذي منحتها اياه قيادة الثورة.

هل تُمثّل غزّة اليوم (كوتشي) فلسطين؟ هذا ما سنعرفه بعد سنوات. 

يا فلسطينية فيتنام عليكو البشارة

صور وفيديوهات توضيحيّة:

البحث عن أنفاق

البحث عن أنفاق 

سحب جنود أمريكان من نفق

سحب جنود أمريكان من نفق

صورة توضح آلية الحياة داخل الأنفاق

صورة توضح آلية الحياة داخل الأنفاق

قصف كو تشي

قصف كو تشي

الحرب على كو تشي

الحرب على كو تشي

بعض الكمائن

بعض الكمائن

جندي أمريكي يسحب زميل له يحمل مسدساً

جندي أمريكي يسحب زميل له يحمل مسدساً

غرفة القيادة

غرفة القيادة

فتحات الأنفاق الصغيرة والمموهة

فتحات الأنفاق الصغيرة والمموهة

فئران الأنفاق

فئران الأنفاق

مستويات للانفاق

مستويات للانفاق

ما تبقى من الأنفاق اليوم

ما تبقى من الأنفاق اليوم

مجسم للحياة في الداخل

مجسم للحياة في الداخل

 

1 3 4

2

 

فيديو قصير مختصر – يوضح كل شيء (تقنياً) في دقيقة ونصف: 

الفخاخ والكمائن: 

* فيلم : أنفاق كوتشي، من وجهة نظر فيتناميّة: 

فيلم: فئران الأنفاق، من وجهة نظر أمريكية: 

* وثائقي ل(بي بي سي) حول حرب الانفاق الفيتناميّة: 

Advertisements

فكرة واحدة على ”كوتشي قبل غزّة، حرب الأنفاق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s