الطريق إلى العظمة يمر بقهوة في فرانكفورت

كتبه: عبده  فايد. 
حرره: إسلام السقا. 

دفعت العائلات الألمانيّة التي كانت خارج حدود ألمانيا أولى فواتير ما بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية سنة 1945، هذه الفواتير الثقيلة تمثّلت بأحداث إضطهاد وعنصريّة كبيرين حدثا بعد دخول قوّات الاتحاد السوفييتي لدول النفوذ الألماني. المجر التي كانت تعيش فيها أسرة مارتن وزوجته إليزابيث وولديهما لم تكن استثناءاً. كان لدى مارتن محل للجزارة كبير في مقاطعة فوديجس في العاصمة المجرية بودابست. زوجته كانت إمرأة راقية تعرف كيف تحافظ على بيتها، قبل 5 سنوات من انتهاء الحرب لم يكن يجروء أحد على التعرّض لهم بكلمة واحدة كونهم يتبعون لهتلر وأحد رعاياه في الخارج. كل هذا تغيّر في ثانية واحدة بعد ان احتل الحلفاء برلين. بدأ المجريّون بعمليّات انتقام منظمة من الألمان المتواجدون في بلادهم. أصبح القتل شيئاً اعتياديّاً، وكانت عائلة مارتن من العائلات المحظوظة بدرجة تكفي لهروبهم من البلاد وطردهم بملابسهم التي عليهم متجهين إلى منطقة بائسة شديدة الفقر تُدعى لاجنبورج في ولاية بادن-فورتمبرج في ألمانيا الغربية.

***

أنجبوا طفلهم الثالث “جوزيف” بعد سنتين من استقرارهم في هذه المنطقة. العائلة لم تكن قادرة على تربية طفلين، فكيف بثالث معهما؟ وهم عاطلون عن العمل ويعتاشون على التبرّعات. أمّا جوزيف فقد كان نتيجة طبيعية لحالة الفقر والضعف. غير منتظم دراسيّا، مشاكس، كثير الهروب من البيت، كثير المشاكل مع زملاءه ومُدرّسيه، لم يكن قادراً على استيعاب فكرة أنّ الحكومة قد تجاهلتهم تماماً. وتجاهلت حقهم بالرعاية دوناً عن غيرهم، مع أنّهم كانوا قد شهدوا الموت بأعينهم، وسُرقت اموالهم وممتلكاتهم، وطُردوا بلا أي حقوق وهم الذين – كأسرة – لم يكن لهم أي يد بأفعال هتلر. ألقوا بهم على رصيف الفقر والمرض بينما كان ينتفع غيرهم من عوائد المعجزة الاقتصاديّة الالمانيّة التي بدأت في منتصف الخمسينات على يد لودفيج ايرهارت.

***

بدأ يتشكّل في وعيه حالة رفض لكل شيء حوله وهو في عمر 15 سنة. كان طفلاً صغيراً بأفكار أكبر من رأسه. كان بحاجة ماسة لكسر كل شيء حوله، حتى لو كلّفه ذلك كسر أحلامه أيضاً وضياع مستقبله. وهذا ما حدث تحديداً عندما قرر أن يترك كل شيء ويبدأ بالبحث عن نفسه من جديد. ترك دراسته من الصف العاشر في مدرسة جوتليب-دايملر في شتوتجارت واشترى كاميرا من مصروفه وبدأ بالعمل عليها من خلال التجول في الشوارع والتقاط الصور للناس والأماكن ثم يحاول بيعها لمجلات وصحف في المدينة. وقد فشل. كان مصوّراً فاشلاً عدا عن كون الصور غير مهمة او مطلوبة للنشر.

شعر لاوّل مرّة بمرارة الفشل الذي تصنعه يديه. قرر أن يوجّه غضبه اتجاه السلطة لا أن يدمّر ذاته به. التقى في سنة 1967 – بالصدفة – بصديق فرنسي اسمه (دانيل بنديت). لم يتوقّع أحد ان ثرثرة بين صديقين عن سوء الأحوال في فرنسا وألمانيا على قهوة في فرانكفورت ستتحول لأهم حدث يؤثر على مستقبل أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين. أرادوا إشعال الثورة ضد الامبرياليّة والتبعيّة لأمريكا، ضد الرأسماليّة ومنتجاتها البشعة التي ساهمت في جعل الأغنياء أكثر ثراءاً والفقراء اكثر بؤساً. كانوا ضد تصلّب شرايين السلطة في بلادهم، ديجول يحتكرها في بلد دانيل (فرنسا) والحزب المسيحي الديمقراطي يحتكرها في بلد جوزيف (المانيا). انتهى لقائهم الثوري الحالم على وعد بلقاء آخر في غضون شهرين. وهذا الذي لم يحدث.

***

109_1

سمع جوزيف عبر الراديو وبعد سنة واحدة وتحديداً في مايو 1968 عن خروج 11 مليون فرنسي الى شوارع باريس ضد حكم ديجول. عُمّال وطلّاب كسروا السوروبون ونانت واحتجزوا مئات من عناصر الشرطة واستولوا على بعض البلديّات. بعدها بيومين هرب ديجول من فرنسا إلى ألمانيا واختفى في قاعدة عسكريّة لمدة يومين من شدة رعبه نتيجة المظاهرات. واحزروا ماذا؟ دانيل بنديت، الصديق من قهوة فرانكفورت، كان هو الذي وراء هذه العاصفة الفرنسيّة.

كان وقتها قد بدأ جوزيف بحضور ندوات لمجموعة من كبار مفكرين عصره: يورجن، هابرماس، تيودور ادورنو. وبدأ بالتأثر بكل الكتابات اليساريّة. انتهى من مؤلّفات ماو تسي تونج وماركس، ثم حاول كتابة ملخص صغير يعكس رؤيته عمّا يجب ان تكون عليه ألمانيا. وكان هو القيادة العليا في منظّمة طلّابيّة ثائرة لطالما تم اتهامها بالسذاجة والسطحية والثورية الفارغة (اسمها Revolutionärer Kampf النضال الثوري). قرر فجأة أن يترك كل هذا وان يقوم بنقل تجربة الثورة الشبابيّة إلى ألمانيا بعد ان سبقه دانيل في فرنسا.

قام بتنظيم مظاهرات مع مجموعته وطلبة الجامعات في برلين ضد الحرب على فيتنام. في غضون ساعات تحوّلت المظاهرة لاحتجاجات ضد السلطة السياسيّة ومطالبة بتغيير الحكومة والسياسات الاقتصاديّة ودعوة للتقارب مع ألمانيا الشرقية. شعر ان بإمكانه تكرار التجربة الفرنسية في بلاده. فشل فشلاً ذريعاً. انتهت المظاهرة بلا أي نتائج تُذكر والأسوء من ذلك هو انه تمت محاكمته بتهمة الشغب واتلاف الممتلكات العامة. تم سجنه مرتين خلال سنة واحدة. خرج من السجن بلا أي مستقبل في الأفق. انسان بلا قيمة و”تافه” كما كان يصفه أفراد عائلته. أضاع نفسه ومستقبله على شعارات لا معنى لها. وعلى الرغم من الموقف العدائي منه إلا أنّه كان الوحيد الذي مازال يشعر بانتصار قضيته.

***

ذهب للعمل في شركة أوبل، لم يدم هناك طويلاً، تم طرده. فشل جديد. قبل أن يكوّن شركته الخاصة في شتوتجارت وفشل مجدداً. يوماً بعد يوم يثبت للناس أنّه بلا قيمة فعلاً كما قالوا. قرر فجأة أن يترك بلاده فرنسا، والتوجّه لبلد لا يعرفها، الجزائر، لسبب واحد فقط، أراد مقابلة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، أراد أن ينقل له تأييده للمطالب الفلسطينية بدولة مستقلة وحقّهم الشرعي في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. كان هذا في الوقت الذي لاحق العالم فيه ياسر عرفات كإرهابي. بفعل كهذا كان من الممكن ان يسبب لجوزيف مصائب لا قدرة له على استيعابها في ألمانيا. لكن لم يكن هناك شيء ليخسره، هكذا فكّر، بعد ضياع مستقبله وفشل مشروعاته وسجنه قرر التوجه للجزائر وحضور عدة لقاءات جماهيرية لمنظمة التحرير. فشل في مقابلة ياسر عرفات.

نجح مجدداً في إضافة فشل جديد لحياته الثورية. رجع بعدها لألمانيا وقد حطمه البؤس واليأس وسخرية الآخرين. الآن هو وصل للحضيض فعلاً وتحققت نبوءات الآخرين حوله. لا يمتلك شيئاً إلا مبادئه التي لو خسرها لأدرك فعلاً معنى كلمة “فشل”. أسّس لمنظّمة صغيرة لأفكار كارل ماركس ضم فيها أصدقاء له شاركوه نفس الفكر. بدأ أثناء ذلك بالعمل في أماكن مختلفة من أجل المال، ورشة مرّة و عامل بناء مرة أخرى ثم بائع في محل حتّى استقر أخيراً على مهنة سائق سيارة اجرة. حياة فاشلة بامتياز وتجسيد لنبوءة من هم حوله أو بعيدون عنه ويعرفونه. رجل بلا مستقبل ولا أُفق.

ولأنه لم يكن هناك شي ليخسره، أراد مناكفة السلطة في بلاده. نقل أفكاره من الميدان للمؤسسات، أسس سنة 1981 مع مجموعة من زملاءه حزب جديد سمّوه (حزب الخُضر Die Grünen) وكانت نواته من الشباب الذي شارك في انتفاضة 1968 ومن طلبة الجامعات والمدارس. كان المبدأ العام للحزب هو الحفاظ على السلم العالمي والبيئة وتبنّي قيم العدالة الاجتماعيّة ومناهضة الهيمنة الامريكية, مبادئ ضخمة برؤية شبابية يسخر منها الكبار. سمحت السلطة بتأسيس الحزب في ولاية هيسن كجسم لاحتواءهم بعيداً عن الميدان. وكان من حق الحزب دخول الانتخابات كأي حزب آخر. وفعلاً، دخل سائق التاكسي جوزيف انتخابات البرلمان المحلّي في الولاية وفاز حزبه بـ6% من الأصوات، وكان هذا احباط جديد له، لكنه لم يؤثر عليه كثيراً، لم يكن أول فشل له ولن يكون الأخير.

ظهرت الأخبار أنّ الحزب الاشتراكي SPD صاحب الأغلبيّة سيقوم بتشكيل الحكومة مع الحزب المسيحي CDU صاحب المركز الثاني. حكومة ائتلافيّة. أمّا حزب الخُضر فسوف يُشاهد هذا كله من بعيد ويكتفي واعضاؤه بالقيام بعدّ الخسائر.

***

10478601_10152353292071312_2127300296453528843_n

بعد يوم عمل شاق على سيارة الأجرة، ذهب جوزيف لمحطة الوقود وقام بتجهيز السيارة لليوم التالي ثم ذهب لشقته صعد فيها ليرتاح استعداداً لليوم التالي. فجأة يرن جرس الهاتف في الشقّة. رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي هولجر برونر يُحدّثه: “احنا هنعمل الائتلاف معاكم (الخضر) مش مع الحزب المسيحي، وانتا اللي هتمسك منصب وزير البيئة”.

اعتقد جوزيف أنها خدعة ما من أحدهم قبل أن ينام. “أنا؟ من سائق تاكسي لوزير بيئة في حكومة ولاية هيسن؟ من صاحب حزب فاشل لشريك في السلطة؟ من مصدر ازعاج ومحط سخرية ورمز للبؤس لرجل سيقف الحراس حوله لافساح له الطريق؟ ويشارك في الاجتماعات الرسميّة؟ والكل يصفق له لو تحدّث؟”

ذهب في اليوم التالي لمقر الحكومة. ارتدى أجمل ما لديه. قميص العمل في سيارة الاجرة وفوقه جاكيت قديم مع بنطلون جينز شبه مهترئ وحذاء رياضي. ذهب وهو متشكك من الامر. كان في حالة انكار. لم يُصدّق إلّا بعد أداءه لليمين.

***

تخلّد هذا الحذاء الرياضي بعد 10 سنوات في داخل الذاكرة الألمانيّة عبر وضعه كمعلم تاريخي في متحف التاريخ في “بون” كشاهد على استطاعة تحقيق الحلم، لو فقط، آمن به. جوزيف لم يتوقّف عند منصب وزير البيئة لكنه أصبح رئيساً للحزب سنة 1990 وبعدها عضو برلمان ثم وزيراً لخارجيّة ألمانيا من سنة 1998 إلى سنة 2005 كثاني أطول مدة يقضيها وزير ألماني في هذا المنصب منذ 65 سنة سابقة. استحق هذا التكريم بكل جدارة.

نعرفه جميعاً. مازلنا نذكر شكله، بشعره الأبيض وخدوده المنتفخة. بمواقفه السياسية في الخارجية الألمانية حول التبعية لأمريكا والداعية للاستقلاليّة محققاً حلمه الشاب والذي قضى فترة طويلة من نضاله من أجله. نذكر مواقفه في 1998 عندما ظهر غاضباً على الشاشات ويلوم العالم بسبب تخاذله عن حماية مسلمي كوسوفو من الابادة الصربيّة المنظّمة. او لربما رأيته وهو يتخلّى عن وقاره الشخصي في عام 2002 ويعلن رفض بلاده المشاركة في الاحتلال الأمريكي للعراق، ويصف العمليّات الأمريكيّة ضد المدنيين العراقيين بانها جرائم حرب. أو لربما قرات له مقالاً من مقالاته في جريدتي الحياة والشرق الأوسط وهو يطالب بدولة فلسطينية مستقلة ويمدح الشباب المصري على ثورتهم في يناير.

جوزيف فيشر المعروف بـ”يوشكا فيشر“: أهم وزير خارجية لألمانيا من بعد الحرب العالمية الثانية.

fischerarafat400_dpa
التقى بياسر عرفات أخيراً
Joschka_Fischer
Joschka Fischer
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s