غزّة والتسعينات

نُشر في شباب السفير بتاريخ 19/08/2014

“غرفة الألعاب”، هكذا كنّا نُطلق عليها. كمبيوتر وأتاري وتلفزيون. لاحقاً استجمع “الأتاري” قواه وتطور ليصبح “بلاي ستيشن”. نندمج في اللعبة تماماً، ولا يفرقنا عنها إلّا النعاس، أو صوت طائرة الرئيس. يعرفُها الجميع في غزّة فترة التسعينيات، يهرع الجميع لسطح المنزل ليرى الطائرة البيضاء وقد تدلّى منها علم فلسطين، بنظرة خاطفة على الأسطح المجاورة تكتشف أنّك لم تكن وحدك، العشرات حولك يلوّحون للطائرة. أقسَم أخي، ذات مرّة، انّه رأى الرئيس وهو يشير له بعلامة النصر. لم أستطع التصديق: “هل أنت متأكد؟ لماذا لم أره؟”. لم أنم يومها من التفكير، هل يكرهني الرئيس؟ لم أحصل على إجابة وافية. قبل أن أكتشف، في مساء اليوم التالي، خلال وقفة قصيرة مع فتيان الحارة، أنّ الرئيس قد لوّح لهم جميعاً، واحداً واحداً، وكلّهم يُقسمون على ذلك. أخبرني أبي ليلتها أن الرئيس لم يكن في الطائرة أصلاً.

ماذا عن طائراتنا؟ هناك عدّة قواعد حول الطائرات الورقيّة. الأهم من أن تكون قادراً على صنعها هو أن تكون الطائرة قادرة على التحليق فعلاً. والأهم من كلا الأمرين هو مدى جمالها وقوّة تحمّلها. انتبه، هذا لا يعرفه الكثيرون، أنا أقول لك سرّاً تسعينيّاً ثميناً: لا تستخدم ألوان علم فلسطين في صنع الطائرة لأنّك لن تستطيع تمييزها لو طارت في الهواء بين شبيهاتها. هذه نصيحة أخذتها من جارنا علي.
لم نملك وقتها “آيباد” ولا “موبايلاتٍ” حتّى. لكنّنا ملكنا الدرّاجات الهوائيّة، التي لم تُستخدم كوسيلة نقل بقدر استخدامها كخريطة. كيف لك أن ترسم خارطة الحي الذي تسكن به، “غوغل إيرث”؟ لا. كل ما عليك فعله هو ركوب درّاجتك، والخروج لاكتشاف العالم من حولك. فرصةٌ جيّدة لزيادة عدد معارفك بكل تأكيد، وكلّما عرفت أكثر ازداد نفوذك، وكلّما ازداد نفوذك ازدادت حريّتك. عندها يمكنك التحدّث مع “بنت الجيران” بكلّ ثقة، قبل أن تجعلها تقود درّاجتك، لترسم لك خارطة قلبك من جديد.
فجأة غَزت الإعلانات التجاريّة البلاد. علبة “مارلبورو” ضخمة مُعلّقة على إحدى البنايات، تنير ليل المدينة. اعتبرناها يومها معلماً من معالم المدينة. لا أنسى كيف ظهرت أوّل لوحة مُضيئة لأحد المحلّات، قال أخي: “رأيت مثلها في مصر قبل شهر”. كنّا نذهب لنقف أمام محل “كاظم”، احدى الأساطير في غزّة، والذي ما زال قائماً إلى اليوم. نقف هناك، نحدّق مطوّلاً في اللوحة ونحاول معرفة كيفية عملها. متى يضيء الأحمر قبل الأصفر ومتى يضيئان معاً. كان “كاظم” أحد المحلّات المحظوظة. هُناك مِهن انتهت فعليّاً. أين محل “عمو أبو أيمن” لتصليح الدرّاجات الهوائيّة؟ وأين محل “تيب توب” لأشرطة الفيديو؟ المحل الذي سمح لنا بمشاهدة “الأسد الملك” أوّل مرّة ثم شاهدناه مئات المرّات بعدها، مع شريط “حنفي الأبهة”، لنحفظ كلّ جملة قيلت فيهما. لم نكن نملك الكثير وقتها، كان كل ما في ايدينا هو “فيلم الجمعة” على القناة الإسرائيليّة الأرضيّة الثانية. كان ذلك قبل الانفتاح التلفزيوني الرهيب، وكليب أغنية “تملّي معاك” وقصّة شعر عمرو دياب التي انتشرت على رؤوس الشباب. ثم كنّا الجيل المحظوظ الذي شهد انطلاقة “شيرين آه يا ليل”، وفتحنا أفواهنا، بلا وعيٍ، في كل مرّة بثّ فيها كليب “آه ونص” لنانسي عجرم. كما حفظنا أجمل أغنية لكأس العالم 98، ثم بدأت رحلتنا مع “ريكي مارتن” و”باك ستريت بويز” عبر الـ”ووكمان” الرهيب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s