قصّة إيريز

عمّال غزّيون يقفون في طوابير بانتظار فتح المعبر أبوابه، 2006.

عمّال غزّيون يقفون في طوابير بانتظار فتح المعبر أبوابه، 2006.

السيارة القادمة من غزّة تقترب من المعبر أقصى شمال قطاع غزّة ويظهر الطريق أمامي خالياً من كل شيء حوله. نصل نقطة تفتيش تابعة لحكومة حماس التي تدير شؤون القطاع منذ العام 2007. بعد لحظات سأبدأ، بتصريح طبي، عملية السفر التي تتضمن الولوج من خلال ثلاث معابر فعلياً، لأكون واحداً من 38 ألف فلسطيني عبروا من إيريز في الربع الأول من العام الحالي.

في نقطة حماس، غرفة جديدة يتم بناءها على اليسار، بينما الى اليمين غرفة صغيرة من الحديد وبها نافذة خلفها مكتب خشبي، كل ما عليك فعله هو تقديم هويّتك للشرطي الغزّي هناك فيتأكّد بأنك فعلاّ حاصل على تصريح من حكومة حماس لدخول المعبر. من وراءك تجد سيارة خاصّة تمر عبر النقطة بلا تفتيش. الرجل بجانب السائق اكتفى بفتح نافذته حتى منتصفها، يده تمتد باوراق، يرى الشرطي الحمساوي الأوراق من وراء النافذة ثم يقوم بإرجاعها، وبإشارة من الأخير يمر الرجل بسيارته. كان ذلك ممر الVIP المستخدم من قبل الناشطين الأجانب ورجال السلطة. 

تأخذ هويتك وتركب سيارة أخرى. تقوم هذه السيارة بمهمة ايصالك للجانب الفلسطيني الاخر من المعبر. الجانب التابع للسلطة الفلسطينية في رام الله، تحديدا جهاز الارتباط المدني والمسؤول عن التنسيق للمسافرين على بعد 500 متر من النقطة الفلسطينية الأولى. ما ان تصلهم سيعرفونك فوراً. فهم على دراية بك تماماً، فلا أحد يصل للحاجز دون علم مسبق من كل عناصر هذا الحاجز. 

***

في ليلة باردة من ليالي تشرين الثاني من عام 1996 يخرج مجموعة من العمال في سيارة نقل قديمة من وسط مدينة غزّة متجهين نحو منطقة ايريز الصناعية. لم يكن المعبر على شكله الموجود به اليوم، كان النظام وقتها يفرّق بين العامل والمواطن الطبيعي فكل منهم له مدخل خاص. يدخل العمال من جهة معينة بها ممر طويل يسيرون فيه جميعاً. ليس بعيداً عنهم، وتحديداً من فوقهم، يمر بقية الفلسطينيون على جسر متجهين نحو المعبر المخصص للمدنيين. ينجزون اوراقهم وينطلقون بحافلات نحو القدس وأماكن أخرى.

مازالت ذاكرة الفلسطينيين تحتفظ بمشاهد عبورهم من هذا المكان، في سيارتهم الخاصة أحياناً، نحو القدس وبيت لحم قبل اتفاق أوسلو، كان يمكن وصف الوضع هكذا: جندي اسرائيلي يجلس على كرسي خشبي يراقب المارّة وهو يعبث بجهاز راديو صغير على حجره ويدخّن سيجارة. الآن أفكّر في أنه – ذلك الجندي –  كان على الاغلب  أفشل فرد في زملاءه فقرروا أن يرسلوه لمراقبة الحاجز الغير مهم على الاطلاق هناك على حدود غزّة. هذه المعادلة التي تغيرت بتغيّر كل ما يرتبط بها في غزة، التي أصبحت رعباً للجميع.

***

أنت الآن مازلت في الجانب الفلسطيني من المعبر وتحديدا عند مكتب الارتباط التابع لسلطة رام الله، يسمونه هناك (النقطة خمسة خمسة). الأمور الان مسألة وقت. ما أن يُهاتف المسؤول في الارتباط زميله في الجانب الاسرائيلي ويخبره بالأسماء القادمة فيرد عليه الأخير بعدها بدقائق ليعطيه الموافقة على دخول الافراد. في طريقك الان ممر طويل (حوالي كيلومتر) عليك أن تمشيه. أو إن توفرت عربة نقل ( 10 شواكل للشخص ) فيمكنك الجلوس في احداها. أثناء الطريق يبدأ بالظهور أمامك الجدران الخرسانية العالية التي لم تعتد على رؤيتها في غزة لفترة طويلة مضت. هناك ايضا على يمينك ويسارك أبراج المراقبة اسطوانية الشكل العالية (40 قدم أو اكثر) تنتشر حولك.

هذا الممر ذاته اعتاد اجتيازه بشكل يومي ما يقارب 30 ألف عامل فلسطيني فيما سبق. الممر يستغرق مشيا 15 دقيقة. في الصيف يكون عبارة عن حمام شمسي. هذا الممر كان يسمى بـ”طريق الألام” من قبل العمال الفلسطينيين الذين كانوا يخرجون من بيوتهم فجراً لحجز دور لهم على المعبر. في نهاية الأمر لم يكن هناك “أدوار” فعلياً. فعندما كان يفتح الاسرائيليون الباب كان يتدفق الجميع مرة واحدة نحو البوابات. ثم تتكرر سلسلة الاذلال هذه كل يوم وبنفس الطريقة. استمر الحال هكذا لسنوات طويلة قبل أن يتم إغلاق المعبر بشكل كامل بوجه العمال مع الابقاء على فتحه للأجانب والمرضى وأصحاب الحالات الطارئة وأعضاء الـNGOs وكبار التُجّار والشخصيات. ممشى العُمال هذا موجود هنا منذ بناءه في العام 1970 رغم التعديلات الكثيرة عليه.

***

الطريق الذي أُقيم عليه المعبر يُسمّى الطريق رقم 4، ويسمونه في غزّة (الخط الشرقي)، هذا الطريق اعتاد ان يمتد من معبر رأس الناقورة على الحدود مع لبنان وحتّى معبر رفح جنوبا على الحدود مع مصر الذي كان نقطة تفتيش لمنع المتسللين عبر الحدود مع مصر. ولكن في أعقاب حرب الأيام الستّة تم تفكيك الحاجز (معبر رفح) وتمكين حرية الحركة على طول ( الطريق 4 ) من قطاع غزة الى سيناء القابعة وقتها تحت السيطرة الاسرائيلية والعكس. ولكن بعد عدد من الهجمات على عربات الجيش في غزة أثناء اشتعال أحداث الانتفاضة الأولى تم نقل الحركة من غزة لسيناء لطريق آخر وتم نصب نقاط تفتيش شمال وجنوب غزّة.

في فترات الهدوء كان يتم ازالة الحاجز الشمالي (ايريز)، وكان يتم اعادته بعد أحداث اشتباكات متبادلة كما حدث بعد عملية “الباص رقم 300” عام 1984 حيث تم وضع الحاجز والبدء بتشديد الاجراءات لفترة طويلة.  

***

بعد الممر الطويل تجد أمامك أربعة أبواب صغيرة. سيقوم أحد العمال العرب هناك بفتح أحد تلك الأبواب وينتظر  ليستلم عبر جهاز اللاسلكي أمرا باللغة العبرية بالسماح للقادمين بالدخول. أمامك على الطاولة عليك وضع حقائبك وفتحها وتوجيهها للكاميرات المعلقة أمامك. الكاميرات تتحرك وتراقب كل شيء. يمكنك اغلاق الحقائب الان والدخول بها عبر الابواب الحديدية الدّوارة. تجد بعدها أبواب المعبر الزجاجية الرئيسية امامك. تدخل منها وتدلف الى البوابة الحديدية الثانية لك هذا اليوم داخل المبني هذه المرّة. هناك تجد عاملاً عربيّاً آخر، مهمته وضع الحقائب بعد فتحها وبعثرتها في صناديق بيضاء مفتوحة لتدخل على حزام الفحص الالكتروني الى غرف تفتيش داخلية. المطلوب منك وضع كل ما تحمله من قطع معدنية أو هواتف أو اي شيء اخر عدا هُويّتك ونقودك الورقية.

لاحظ أنّك حتى الان لم ترَ جنديّاً واحدا هنا او هناك. تدخل الى جهاز عبارة عن غرفة اسطوانية زجاجية طويلة ارتفاعاً وقطرها متر ونصف تقريباً. تضع فيها قدميك على العلامات الصفراء على الارض وتنظر الى الكاميرا أمامك وأنت ترفع يديك في الهواء. عبر مكبر صوت داخل الغرفة تتحدث معك احدى المُجنّدات بلغة عربية ركيكة وتخبرك بأنك عليك الالتفاف لهنا او هناك. هذه المجندة التي لولا ظروف تاريخية لكانت تبحث عن وظيفة ربما في بولندا بعيداً عن هنا آلاف الكيلومترات، لكن هاي هي، تصدر الأوامر من وراء زجاج. 

بعد أن يدور قضيبان معدنيان بشكل دائري حولك يفتحون لك باب الخروج من الجهة الاخرى. تخرج لترى الجندية التي كانت تحدثك قبل دقيقة، تراها في الطابق الثاني عبر نوافذ كبيرة يظهر خلالها عدد من موظفي المعبر الاسرائيليين. أسلوب المكاتب العالية هذا تم اتباعه بعد تعرض المعبر لعدد من الهجمات ومنها عملية استشهادية تمّت في العام 2004 كانت هي السبب في هذا التحوّل حيث تم صرف ملايين الشواكل على بناء المعبر الحالي وافتتاحه في 2005.

يذكر مركز الميزان لحقوق الانسان في غزّة أن “عدد كبير من المرضى يتم ابتزازهم في غرف التحقيق على المعبر للعمل كجواسيس للاحتلال، أي من قبل قوّة امر واقع، بينما يُفضّل المرضى الموت في غزّة التي علمتهم أغلى معاني العز على أن يعملوا مع الاحتلال.

***

في متنزّه “بات يام” في اسرائيل يقوم منتج أفلام قصيرة بصحبة مهندس صوت ومصور ومساعدتين بنصب سلك شائك صغير ويضع علمين على الجهتين واحد لفلسطين ويقابله آخر لاسرائيل. يبحث عن بالغين ليقوموا بمساعدته بتمثيل فقرة هدفها بيان وضع أبنائهم الجنود على الحواجز والحدود. بعد فترة يجد متطوّعة من يافا. يبدأ بشرح الفكرة لها. أنت جندية في معبر ايريز. والى هذا المعبر يأتي فلسطينيون يريدون المرور الى الضفة الغربية. يجب عليك أن تفتشي كل من يصل الى الحاجز وأن تقرري هل تدعينه يمر أم تعيدينه. قرري ما تشعرين بأنه صواب، وسايري قلبك. أنا قائدك، وأنا أعتمد عليك اعتمادا تاما وأنا أدعمك في كل قرار تتخذينه.

تأتي فتاة صغيرة اسمها يارا لتمر. أريد الذهاب لرؤية جدّتي في رام الله.  وحينما اقتربت يارا من الجندية انطلقت الأخيرة تخطب خطبة عصماء عن فساد سهى عرفات (اه والله) وكبار مسؤولي حماس، الذين يسطون على المال الذي يرسل الى غزة من العالم كله ويتركون الفلسطينيين جوعى! وبعد جدل طويل تقول الليكودية الشديدة الحماسة ليارا: “لأنني فتشتك وأعتقد أنك ماضية حقا الى جدتك ولا يوجد عليك أي شيء، تستطيعين الدخول”.

وتتردد يارا فتقول الجندية “كل شيء على ما يرام، أدخلي”، وتمد يدها الى يارا وتساعدها على اجتياز الحاجز وتودعها بعناق. يتدخّل المخرج هنا ليقول للفتاة التي تلعب دور الجندية أنه لا يجوز –  بحسب التعليمات – لقريب ليس من الدرجة الاولى (أم أو أب أو أبنائهما) المرور من غزة الى الضفة أوعائدا منها، وأنهم ربما كانوا ليحاكمونها على ذلك في العالم الحقيقي. فتضع يدها عليه وتقول: ” ماذا تريدني أن أفعل؟ إنها في الحاصل العام فتاة جميلة تريد زيارة جدتها! “. هنا جاءت سيارة شرطة تخبر الجميع بشكوى وصلتهم حول أفراد يحملون علم فلسطين وسط “بات يام” وأن هذه أمور يمكنهم دفع ثمنها غالياً في منطقة كهذه، هكذا روى (إيتمار روز) القصّة على يديعوت.

***

“دعونا نموت في غزة بدلاً من هذا الاذلال. دعونا نموت بشرف!” صرخ رجل ذو لحية عمرها ثلاثة أيام مع نساءه واطفاله المحتجزون معه منذ أيام داخل ممشى معبر ايريز عام 2007. أخرون كانوا هناك لمدة 5 أيام وأكثر بعد أن هربوا من غزة عبر أنفاق مصممة لمرور المياه العادمة والقاذورات. كانت حماس قد حسمت المعركة الدائرة على القطاع فهرب المئات الى الضفة الغربية طلباً للحماية عبر معبر ايريز!!

26 فبراير 2014، امرأة فلسطينية مُسنّة تموت على معبر ايريز بينما كانت تنتظرا إذناً للعبور الى الضفة الغربية للحصول على العلاج لاصابتها بمرض السرطان.

منتصف ابريل 2014، ومن جانب الممشى الطويل، عبرت سيارات الVIP الخاصة بوفد منظمة التحرير “للمرة الألف” إلى غزّة من أجل محاولة جديدة لإنجاح جهود المصالحة. بعدها بثلاث أسابيع دخلت صحيفة القدس الى قطاع غزّة للمرة الاولى منذ العام 2007 عبر إيريز. وبعدها بأيام شوهدت صحيفة فلسطين التابعة لحماس في شوارع رام الله.

***

رام الله المدينة الأولى والعاصمة التى يخجلون من اعلانها والبلد الأول والاسرع عمراناً وتوسّعاً وتمدداً وتفتّحاً وبلد الرقص المعاصر والشعبي والفلكلوري والغربي والشرقي وبلد الفرص وانخفاض مستوى البطالة، بلد التكدّس الاستخباراتي والنفوذ الرئاسي والسيطرة الاعلامية والمكاتب القيادية. المدينة التي تمتلك أسوء مدخل يُمكن تخيّله على الاطلاق.

أنت الان على أعتاب مدينة رام الله لكن عليك المرور من معبر قلنديا أولاً. قد يُصادف مرورك منه وقت الذروة الذي يتمثل بعودة العمال واصحاب التصاريح المنتهية. أزمة مرورية خانقة تمتد لكيلومتر داخل السور. خلال ساعة قد تكون على الجهة الاخرى من الجدار. ستتفاجأ بأن المدينة غير منظمة وفوضوية جداً، لكنك ستكتشف لاحقاً أن مدخل المدينة يتبع لمنطقة تصنيف “ج”. ما هو التصنيف “ج”؟ لا تعلم؟؟ حسناً.. هناك الكثير لتعلمه في الضفة الغربية.. لكن هذه قصّة أخرى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s