“أوسلو، 31 أغسطس”..البحث عن سببٍ للحياة

يجيبنا هذا الفيلم على، كيف تبدو حياة مدمن للمخدرات خرج لتوه من مركز إعادة التأهيل؟ كارثيّة. هذا ما يصلنا، ويُصر المُخرج يوكايم تراير أن يُركّز عليه. عدم الراحة والاكتئاب، هما الشعوران الملازمان لآندرس، الرجل النرويجي الذي يبلغ من العمر 34 عاماً، والذي يقترب من نهاية برنامج إعادة التأهيل المكثّف في مركز منعزل وسط البلاد، استمر لعشرة أشهر. مع ذلك، تسيطر على آندرس فكرة واحدة هي إدراكه لسوء الوضع الذي هو فيه، وخوفه اللانهائي من انتكاسة جديدة قد تحدث له، لأنها قد تكون الأخيرة، وكيف تبدو فكرة البدء من الصفر، بالنسبة لرجل في عمره، فظيعة بشكل لا يُطاق. 

بمجرّد رؤيته، ومنذ الثواني الأولى للفيلم، يقع المشاهد في حالة من الإعجاب والقبول بشخصيّة آندرس، قبل أن نكتشف ماضيه تدريجياً. يربط آندرس نفسه بعدد من الصخور قرب مجرى مائي. لماذا يريد التخلص من نفسه بهذه السرعة؟ تبدو الإجابة على هذا السؤال سخيفة، لكنها تنبّه إلى حقيقةٍ مهمة حول جدوى العلاج النفسي في حالات كهذه، يريد آندرس الهروب من مقابلة الأفراد الذين لا يمتلك أي رغبة في لقاءهم. بعد السماح له بالخروج ليوم واحد للقيام بمقابلة عمل، يُصاب بالغضب الشديد. رغم ذلك، لا نلاحظ عليه أيّ علامات انزعاج، بل هو في الحقيقة شخص هادئ جداً، حيث يحلّ الحزن الداخلي العميق محل الغضب الخارجي لديه.

oslo-august-31st

يقضي آندرس أوقاتاً طويلةً وهو يستمع إلى أحاديث الآخرين، ولأنّ اكتئابه يجعله يشعر أحياناً بجنون العظمة، فهو يحاول ربط ما يسمعه من أحاديث بماضيه المشوّه. عندما يستمع لحوار عن الانتحار يشعر برغبة بالانتحار، وعندما يستمع لأحاديث سعيدة يستذكر الأوقات التي أضاع بها حياته بلا أي فائدة تُذكر. عندما نراه بين الحشود في الشارع تأتي لحظات ونراه خارج دائرة تركيز العدسة، كأنّها تقنية استخدمها المخرج عن عمد، ليعطي شعوراً بأنه شبح يسير في المدينة. كلّما اعتقد أنّه وجد أخيراً الشخص المناسب الذي يمكنه الحديث معه مطوّلاً، وأنه يشبهه من الداخل، يتراجع ويبتعد عنه بسبب ضعف ثقته بنفسه. عندما يخذله الأصدقاء، والعائلة، يصبح تراجعه لا مفرّ منه، بل مفهوماً أيضاً. هذه التفاصيل الصغيرة جداً هي ما تميّز هذا الفيلم عن الأفلام التي تدور حول “محاولة استعادة النفس”. هذا فيلم قد يشعرك بالغرابة أثناء مشاهدته، تماماً كما سيشعرك بالراحة.

يقدم الفيلم بعض النقاط المثيرة حول طبيعة الإدمان والتعافي منه. إنّه لا يتوقّف فقط عند مدمني المخدرات، لكنه يركز أيضاً على حالات الاكتئاب المزمن، والتي تصل بالشخص إلى مرحلة التفكير بالانتحار، وهي مرحلةٌ متضاربةٌ جدّاً، يبحث فيها المصاب بالاكتئاب عن سبب بسيط جدّاً يدفعه للتراجع، وعن معنى يدفعه للاستمرار في الحياة. قد يخرج مثلاً للتعرف على أشخاص جدد. هذا ما نراه في الفيلم، عندما يتجوّل آندرس في شوارع أوسلو، نعلم أنه وصل لتلك المرحلة السيّئة من التفكير، لكنّه مازال يريد أن يعرف كيف تبدو الحياة كفرصة أخيرة. في الحقيقة، هو يصرخ طلباً للمساعدة: “أعطوني سبباً للحياة”، وهذا ما يجعل الفيلم يمضي قدماً بوتيرة مُلهمة.

أسباب كثيرة قد تجعل هذا الفيلم فيلماً رائعاً، منها أنّنا نرى الأمور من وجهة نظر المكتئب نفسه. حتى إن لم تكن قد زرت أوسلو في حياتك، هنالك شعور بأنك تعرف هذه المدينة جيّداً، وأنّك هنا لتلقي عليها نظرة وداعٍ أخيرة.

Advertisements

فكرة واحدة على ”“أوسلو، 31 أغسطس”..البحث عن سببٍ للحياة

  1. تعقيب: أفلام الأمراض النفسية | دوت إسلام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s