فيلم: موت السيّد لازاريسكو، وتهاوي النظام الصحي الروماني – 2005

نُشر ضمن ملف أفلام الموجة الرومانية الجديدة

THE DEATH OF MR LAZARESCU (2005)فيلم: موت السيّد لازاريسكو (رومانيا) 2006.
كتابة وإخراج Cristi Puiu

لا بد وأن قصّة هذا الفيلم قد حدثت مع الكثيرين حول العالم بشكل فعلي، هذا ما اعتقدته بعد الإنتهاء من المشاهدة. رجل عجوز سكير تفوح منه رائحة نتنة يطلب الإسعاف بعد إصابته بالصداع لعدّة أيام. قبل وصول المسعفين يطلب المساعدة من جيرانه، ليعبر بنا المخرج كريستي بيو إلى داخل ممرات عمارة سكنيّة رومانيّة حيث تلاحق الكاميرا بطل الفيلم، وهو السيّد لازاريسكو، بطريقة تذكرني بالواقعية التي تتمتع بها أفلام الأخوين داردين. نعيش، ولإكثر من ساعتين، الليلة العصيبة التي يمر بها السيد لازاريسكو بأغلب تفاصيلها وبكلّ شخصياتها المختلفة والمتغيّرة والمتشابكة والتي لا توفر فرصة للصراع فيما بينها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، دون حتى أن يكون لديهم سابق معرفة.

يحب السيد لازارسكو القطط كثيراً، هذا أكيد وواضح من خلال رائحة القطط المميزة التي تملأ كلّ إنش من شقته القذرة التي يعيش فيها متجاهلاً شعر القطط الموزع في كلّ مكان، وأرطال الغبار التي تجمّعت فوق جرائده التي يستمر في تخزينها دونما سبب حقيقي لذلك. لكن القطط ليست هي الأمر الوحيد الذي يحبه السيد لازاريسكو، فهو يعشق شرب الكحول، رغم عمليّة “القرحة” الجراحية التي أجراها قبل 14 عاماً، وخرج منها بتوصيات شديدة اللهجة لعدم تناول الكحول بعدها. إلا أنه استمر في الشرب، بل أنه يقوم بخلط نوعين من أقوى أنواع الكحول معاً لينتج له ذلك المشروب القاتل، والذي سيلقى عليه توبيخاً كبيراً كلمّا حلّ في مكان جديد أثناء ليلته هذه. الفيلم مليء بالكوميديا البريئة. 

يعيش السيد لازاريسكو في شقته وحيداً مع القطط في مدينة بوخاريست. له أخت في بلدة قريبة، وابنة سافرت إلى كندا، بينما توفت زوجته قبل 10 سنوات. نعرف هذه المعلومات إما عن لسانه أو لسان زوجة جاره والتي يجري عنها، وعن قطط السيد لازاريسكو، حواراً قصيراً بين الجار الذي أتى للمساعدة برفقة زوجته ميكي، والسيد لازاريسكو نفسه:

لماذا لا تتخلص من هذه القطط؟ ستقضي عليك بشعرها والبراغيث العالقة بها. تذكّر كلامي، وفي النهاية ستعلم من كان على صواب. أنت لطيف و مرح لكنّك مغفّل. إنهم ينامون طوال اليوم وشعرهم يغطي المكان. ألا تشم رائحتهم النتنة؟
لماذا أنت لا تتخلص من (ميكي)؟
ماذا؟
تخلّص من زوجتك.
هل الأمران متساويان؟
لا أدري. هل هما كذلك؟

E6C6WAP5HgQxXkbiyKRcgcKynm

تأتي سيّارة الإسعاف أخيراً بعد ثلاث إتصالات، اثنان منها من السيد لازاريسكو نفسه، وواحد من جاره. هذا التأخير في الإستجابة يرسل رسالة مبكرة عن طبيعة القطاع الصحي في بلد مثل رومانيا. تبدأ هنا مرحلة جديدة من الفيلم، هذه المرحلة التي سنرى فيها الممرضة مايورا، المسؤولة عن السيد لازاريسكو، وهي ترافقه حتى نهاية ليلته هذه، بينما تقضي أخته طوال فترة الفيلم وهي في طريقها إليه بعد أن أقنعتها الممرضة مايورا بالقدوم، لإن وجود احد الأقرباء ضروري في حالة كهذه، وهذا ما سنلاحظه لاحقاً عندما يصل السيد لازاريسكو إلى مرحلة كبيرة من التعب، ويرفض التوقيع على ورقة التفويض بالقيام بالعمليّة الجراحيّة، فلا نعلم هل هو رفضها لإنه خائف أم لانه لا يستوعب الموقف. هنا نحتاج وجود أخته للتوقيع عنه، لكنها لم تصل بعد، فيعود السيّد لازاريسكو ليكون مشكلة الممرضة مايورا من جديد.

بعكس الكثير ممن شاهدوا الفيلم، وبعكس عنوان الفيلم نفسه، فأنا شعرت للحظات بأن التركيز ينبغي أن يكون على الممرضة مايورا لا على العجوز المحتضر. بإمكانية أن تتخلى عنه في أي لحظة من لحظات الفيلم، تبقى هي صاحبة العصب الأقوى للأحداث. تنتقل مع المريض من مشفى إلى آخر، تتحمل التوبيخ من طبيب كبير، والسخرية من أطباء في عمر بنتها، وعدم المبالاة من المريض نفسه، ومع ذلك، تتحمل هي كل هذا، لتتذكر دوماً أنها هنا في مهمة عمل، وأنها يجب أن تترك هذا المريض في أيدي أمينة قادرة على علاجه فوراً نظراً لحالته الخطيرة. شعرتُ في بعض اللحظات أنها “قريبة من الدرجة الأولى” وليست مجرد ممرضة تعرفت لتوها على مريضها ودارت به في شوارع بوخاريست متنقلة من مستشفى إلى آخر.

عند صدور الفيّلم، أرسل طبيب روماني رسالة إلى أحد المواقع السينمائيّة، كان نصّها كالتالي: “كطبيب روماني، أخبركم أن الأمر أسوء مما شاهدتم. لم تروا بعد كامل البؤس الذي تعاني منه المستشفيات الرومانيّة. وبالمناسبة، هذا الفيلم مبني على قصّة حقيقية لرجل تم تلاقفه بين خمسة مشافي في العام 1997 لينتهي به المطاف ملقياً في الشارع وقد فارق الحياة صباح اليوم التالي، وتم طرد الممرضة المسؤولة عن ذلك”. لكن في هذا الفيلم لا داعي لطرد الممرضة، فهي الوحيدة التي يبدو أنها قامت بواجبها تماماً. بل وأنها تحملت الكثير من السخافات والتعب طيلة الليلة، وصبرت كثيراً على أطباء يتبادلون النكات وطلبات الاسبرسو والمكالمات الهاتفية بكل برود بينما يموت أحدهم على السرير أمامهم. هنا تحاصرنا مشكلتان يضعنا الفيلم أمامهما بكل قسوة، المشكلة الأولى هي في عدم ملاحظة تلك التفاصيل في حياتنا، عدم رؤية الأشخاص الذين ينبغي رؤيتهم، وعدم الاستماع لمن يحتاجون لآذاننا بضع دقائق وعدم الإنتباه لحقيقة أن ما يقوله أحدهم قد يكون صحيحاً ولو صد بطريقة غير مريحة. أما المشكلة الثانية فهي جريمة أن تكون طبيباً، بينما تفتقد للإنسانيّة.

يصدمنا الفيلم بطبيعة النظام الصحي، وطبيعة التعامل الحقيقي في المستشفيات لدولة تفتقر لأي مقومات التقدم. فلو عقدنا مقارنة بسيطة بين مسلسل أمريكي تجري أحداثه داخل مستشفى، وبين هذا الفيلم، للاحظنا أننا لا نشاهد هنا أطباءاً يركضون، وممرضات تصرخن طلباً للمساعدة. كل شيء هنا بطيء، كله يسير بحبكة تفاهم عليها الجميع، وتعايشوا معها تماماً، بحيث يصبح وجودك الطارئ مصدر إزعاج، ومحاولة تخريب لهذا “السيستيم” البديع الذي يعيشون عليه. إن مُتّ فلا بأس، لكن لا تزعجنا أثناء موتك. “تُنسى كأنك لم تكن”. ثمّ من قال لك أن تشرب الكحول أصلاً؟

 إعلان الفيلم:

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”فيلم: موت السيّد لازاريسكو، وتهاوي النظام الصحي الروماني – 2005

  1. تعقيب: السينما في رومانيا: نظرة على الموجة الرومانيّة الجديدة | دوت إسلام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s