بقايا من مصطفى

كنتُ مولعاً برسم شعر النساء، خصوصاً أثناء درس التاريخ. وبينما كان يتحدّث المُدرّس عن أهداف الحرب على العراق والتي كانت قد اشتعلت منذ يومين فقط، كنت أنا أرسم الشعر الأسمر لجارتنا التي تسكن في الطابق الأخير في البناية التي اعتدت المكوث بها خلال زياراتنا العائلية للإسكندرية. مع ذلك، لستُ الفنان الوحيد هنا. بجواري يجلس مصطفى، وهو فتى يمتلك شعراً طويلاً ولساناً أطول، وكان يجيد رسم الفتيات العاريات. والآن، يُحاول إدخال القلم وسط كس الفتاة النائمة بأمان على سرير رسمه ليبدو كشريحة بيتزا وقعت على أرضية المطبخ. يحاول كتم ضحكته أثناء قيامه بإحضار المادة البيضاء التي تُستخدم لتغطية الكلام المكتوب بقلم الحبر، ويملأ فخذي الفتاة بالبياض المتدفق، وينظر إلى أمامه حيث يجلس نعمان جلسة جانبيّة في مقعده وظهره إلى الحائط ويمعن بنظره نحو الرسمة متخيلاً صرخات الفتاة وهي تملأ الفصل، فينفجر بالضحك، الذي سيتسبب بقدوم المدرّس ليرى ما الذي يحدث في مؤخرة الفصل. لاحقاً صار يتعامل مصطفى بطريقة احترافية مع شهوة نعمان التي لا تنطفئ أبدا، كان يحضر المسطرة الحديدية الطويلة، ويدفعها من أسفل المقعد نحو مؤخرة نعمان. كان نعمان مسكيناً، ورأسه كبير، ولديه قدرة عالية على استحمال مضايقة الآخرين، إلا أنه انفجر ذات يوم ممسكاً المسطرة وملقياً بها على الأرض، لينزل بنفسه لإحضارها بعد أن هدده مصطفى قائلاً ” جيبها ينعن دي”.

اشتهر مصطفى بكون أباه الرجل الذي لكم مدرّس مادة الرياضة الوحيد في المدرسة على وجهه. رغم أننا لم نجد من رأى الحادث بعينه، لكنه كان حادثاً شهيراً ويصدّقه الجميع. ذات يوم، طلب مني مصطفى، الفاشل في كتابة القصة القصيرة، أن أُحضر له مجلات فوستا الشهيرة بإيحائاتها الجنسية والأخبار من نوعية (شاهد الرجل الذي ظهر له ثدي في بطنه)، بعد أن ارتكبت حماقة وأخبرته عنها. وعندما رفضت، هددني قائلاً “اسماااع.. ينعن دي..”، هذا كان تهديده الدائم والوحيد. يهدد بكونه سيسب ديني، فيلفظ حرف الدال ثم يتوقف، كناية عن شدة غضبه، وأن: “لا تحاول العبث معي مجدداً”. لكنني كنت أضحك كثيراً عندما يقولها، كان مضحكاً جداً، كالفراشة التي تحاول الصراخ فتبدو أجمل كلما ازدادت عصبية. كان مضحكاً، وضعيفاً ولا يشكّل أي تهديد يُذكر.

ارتكاب الحماقات مع مصطفى كان جميلاً. ذات يوم، دخلنا مكتبة صغيرة، تتبع لكنيسة ما، وإدارتها مسيحية. تجاوزنا كل الكتب المغرية، والقصص المصورة والجرائد والأشرطة المرئية ، واتجهنا نحو المجلات. امسك مصطفى بمجلة وقال لي انه سيعُد للرقم ثلاثة، بعدها علي أن أسعل بشدة. لم أسأل، كنت أعلم جيداً بمخططه و أوافق عليه. كااااح كاااح اااه كووح. حسناً، كان هذا مُبالغاً فيه، ها هي العجوز الجالسة على المكتب تتجه نحونا، مصطفى يمسك بالصفحة التي مزّقها من المجلة، وكانت عليها صورة ضخمة لمغنيّة في حفل ما، لا ترتدي الكثير، وبدت التضحية من أجلها شيئاً لا عتاب عليه. انطلقنا خارج المكتبة فوراً، وتركنا العجوز تنظر إلينا دون أن تفهم. ربما لن تفهم أبداً.

كنّا نحصل على المال في الاجازة. نذهب لشراء الأشرطة، ونشاهدهم معاً، شاهدنا “حنفي الأبهة” و”الأسد الملك” عشرات المرات. بينما كنا نحتفظ بشريط “تايتانيك” الكامل بمشهد الرسم الشهير للأعياد. في اليوم الذي توفت أم مصطفى فيه، كنت أنا أقبّل أول فتاة في حياتي. كنا نلعب كرة المضرب في بيتنا، وعندما انتهت اللعبة ركضنا كثيراً، ولحقتها حتى دخلت غرفة صغيرة تستخدم كمخزن للأشياء التي لا نستخدمها أبداً. قبّلتني فجأة من نفسها دون أن أدرك. كان لها أُمّاً دنماركيّة، وجاءت إلى هنا زيارة. أصبح ذلك المخزن الصغير هو سرّنا الكبير، نعاود فتحه كل صيف.

تدرك في سن مبكرة، أن لإزعاج الآخرين لذة لا تعوّض. خاصة عندما تفعل ذلك وانت مطمئن من عدم وجود رد فعل قد يؤذيك. استناداً على هذا المبدأ، كنا نستلقي ظهراً على سطح منزلي، ويمسك كل منا قطعة من مرايا مكسورة، ونبدأ بعكس الأشعة نحو البُرج البعيد والذي يظهر واضحاً امامنا. نستهدف النوافذ المفتوحة، نقلب شقّة الضحية إلى مهرجان حقيقي. كلما خرج أحدهم نقوم بإبعاد المرايا. كانت الحيلة متقنة. لم يكشفنا أحد. وفي موقف آخر، ألقينا بأكياس الرمل على بيت عزاء أحد الجيران، القينا بها من فوق السور، و زعمنا لاحقاً أننا أردنا إطفاء النار المشتعلة. أي نار؟ لا احد يعلم.

كان مصطفى هو أوّل من أخبرني أن “الحياة مسرح كبير”. حدث ذلك قبل أن نكتشف ابتذال الجملة. و لسبب ما، كان يمر بلحظات طويلة من الهدوء، قبل أن يلقي بجملة غير مفهومة، وبلا سياق. مثلا، كنا نجلس ذات يوم على شاطئ البحر ومعنا أخته (طفلة صغيرة). صمت طويلاً بينما كنت اتحدث أنا، ثم قال فجأة: هذا البحر أخو شرموطة. ثم قام.

كان مصطفى غريباً، وكان يحقد على بسبب قصصي التي كنت أفبركها عن علاقتي بالفتاة الدنماركية الفاتنة. مصطفى تزوّج بالأمس من فتاة دنماركيّة فعلاً. وعندما سألني عن زواجي، قلت له لا أفكر في الأمر الآن. صمت قليلاً، ثم قال: اسمااع.. ينعن دي.

*كل الأسماء مستعارة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s