ختيار ماتوا أجياله

 نُشر على شباب السفير بتاريخ 25 فبراير 2015

بدا الطريق نحو المكتبة الصغيرة التي اعتدنا، يوسف وأنا، الذهاب إليها وسط المدينة قصيراً. لا يمكنني حقاً أن أسميها مكتبة، هي غرفة تتراكم بداخلها المجلاّت والقصص فوق بعضها بطريقة لا تدلّ على وجود أي نظام يحكم المكان. سألنا العجوز عن مكان قصص “ميكي” الجديدة، فأشار إلى كومة المجلات قرب الحائط، دون أن ينبس ببنت شفة. ذهابنا إلى مكتبة الحاج عبد الهادي كان بدافع سماع القصص منه لا شرائها. عنده ستجد أفضل قصة قد تسمعها في حياتك. في ذلك اليوم تحديداً أخبرنا بأكثر قصصه إثارة، بعد أن جلسنا على الأرض وأحضر كأس الشاي، جلس ينظر نحو السماء. كانت هذه وضعيّته المفضلة لسرد حكاياته:

عندما كنت صغيراً، كان الجيش منتشراً في كلّ مكان في المدينة، وكنّا مُطاردين. كنت أنا قائد مجموعة من الفدائيين الشباب في منطقتنا، وكما تعرفون كانت سكاكين المطابخ هي أسلحتنا وقتها. إذا ما سمعت إحدى الأمهات تصرخ فجأة من مطبخها فاعلم أنّ ابنها قد انضمّ حديثاً إلى الفدائيين. لا أعلم حقّاً لماذا سميّنا فدائيّين، لكنّنا كنا حماة المنطقة. كنا نخرج من بيوتنا ليلاً، ونلمح بسهولة الفتيات اللواتي يراقبننا من وراء الأبواب. كانت كلّ واحدة منهنّ “محجوزة” لأحدٍ منا، على الرغم من أننا لم نتحدّث معهن أبداً. إذا ما أتينا على ذكر إحداهن في جلسةٍ من جلساتنا، يقوم أحد فجأةً وينهرنا قائلاً: “لا تتحدثوا عنها”. نصمت جميعاً، ونعرف أنها “محجوزة”.

كانت الأمور تسير بشكل جيّد، حتى قرر العدو اقتحام الحي. كانت تلك الأيام أشبه بالقيامة، وعندها فقط توقفنا عن مراقبة الفتيات. كانت الأمور متجهة نحو نهاية واحدة، سنُقتل جميعاً خلال ساعات. قرّرنا المواجهة باستخدام أسطح المنازل للمناورة. كانت بيوتنا في المخيّم تشكّل فوقها مدينة من الطرق الخفيّة، والتي لا يعرفها إلا من عاش هنا. كانت مطاردة طويلة انتهت باعتقال واستشهاد العديد من الشباب، حتى أولئك الذين لم يعملوا معنا. أمّا أنا، فراوغت مجموعةً من ثلاثة جنود، وهربت عن طريق البحر. ركضت على الشاطئ كما لم أركض من قبل، ابتعدت مسافة هائلة خلال يومين من الهرب والاختباء. كانت تجربة مخيفة، ومظلمة، وبلا طعام. عندما عدت إلى الحي، رأيت تجمّعاً للرجال أمام منزلنا، فيما النسوة يبكين من على الشرفات. أحدهم قد مات، كان أبي هو أوّل من تبادر إلى ذهني. ركضت نحو البيت، ورأيت أخي من بعيد، توجهت نحوه وأمسكته من قميصه وهززته بعنف، “من مات؟”. نظر إلي، ثم سقط أرضاً. هذا العزاء كان لي أنا، اعتقدوا أنّني قد استشهدت. لن تتصوّروا كيف تحوّل الحزن إلى فرحٍ شديد، وكيف كانت نجوى تراقبني من نافذة غرفتها من خلف الستائر البيضاء الناعمة. شعرت يومها أنّني بطل.

انتهى الحاج عبد الهادي من قصته وقد اجتاحتني رغبة عارمةٌ بالتصفيق، لكن يوسف قام بسحبي من يدي بعد أن دفع ثمن المجلات، ثم قال للحاج: “ما أكذب من شاب تغرّب إلا ختيار ماتوا أجياله”. صمت الحاج لبرهة، قبل أن يمسك بحذائه ويلقيه علينا، ونحن نهرب ونضحك.
قال لي يوسف أن كلمة أجياله تعني مُعاصريه، أي أنّه يستطيع أن يكذب علينا الآن بلا قلق، فلا أحد حاضر ليقوم بتكذيبه. مع ذلك، بقيت مقتنعاً بقصّة الحاج عبد الهادي، كانت قصة ممتعة، وهذا هو المهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s