مشكلتي مع محمد عبد الوهاب

“إذا نظرنا إلى أسلوب السنباطي في التلحين، لوجدناه يختلف تماماً عن أسلوب محمد عبد الوهاب، على الرغم مما ذهب إليه بعض النقاد من المتعصبين لمحمد عبد الوهاب، من أن السنباطي يغرف من مدرسة عبد الوهاب. وفي واقع الأمر، وعلى الرغم من التشابه في الاسلوبين في مرحلة من مراحلهما التلحينية في سني الأربعينيات، فإن الاسلوبين كانا يتباعدان باستمرار، لأن السنباطي ظل موغلاً في شرقيته، يغرف من أصالته العربية بلا حساب، بينما سار محمد عبد الوهاب بعيداً في التطوير (كما يراه) والذي وجده في استخدام المزيد من الآلات الموسيقية الغربية، والتوزيع الموسيقي، وفي متابعة الاقتباس والاهتمام بالأغنية القصيرة، التي هي أغنية عصر الاكتشافات والفضاء. بخلاف السنباطي الذي انصبت اهتماماته بالدرجة الأولى على الأغنية الكلاسيكية الطويلة والقصيرة، وتطوير الطقطوقة، وإلى حدٍ ما بالأغنية القصيرة، والتوزيع في حدود آلات الفرقة الموسيقية العربية الخالصة”.

في هذا الاقتباس من كتاب “السنباطي وجيل العمالقة” لصميم شريف، تتلخص ربما مشكلتي مع الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب. أصبحت متعتي الكبيرة مؤخراً تتألف في سماع الأغاني التي قام بتلحينها بصوته، فهُنا يكتمل نور اللحن بصوت الموسيقار الذي “يعرف ما يفعله” بهذا اللحن الذي شكّل انعطافاته بنفسه. كانت قد استهوتني قصّة تعاونه الأول مع أم كلثوم بعد قطيعة دامت 30 عاماً، والتي أنجبت رائعته الكبرى “انت عمري” فيما عُرف بلقاء السحاب. ففي الأغنية الشهيرة، وقع خلاف أخير بين أم كلثوم والموسيقار، إلا أن الخلاف لم يكن كبيراً ولم يطل لأكثر من 24 ساعة، كان ذلك عندما عرض عبد الوهاب على الست أن يقوم بإدخال الجيتار الكهربائي إلى التوزيع فرفضت رفضاً قاطعاً، ولم يحاول عبد الوهاب التشديد على طلبه، لكنه أحضر عبد الفتاح خيري في اليوم التالي وطلب منه أن يُسمعها مقطع اللحن المقترح عزفه بالجيتار الكهربائي، وحينها فقط وافقت أم كلثوم على دخول هذه الآلة لأغنيتها. ولعل المُستمع لأغنية “انت عمري” سيلحظ أن وجود الجيتار الكهربي فيه كان عبقرياً إلى حد بعيد. لكن هل كانت كل تدخلات عبد الوهاب التجديدية عبقرية. هذا ما لا أعتقده أبدا. فالآلات التي كان يُصر عبد الوهاب على استخدامها أصبح صوتها مزعج مع تقادم السنين. فاستخدام الأورج والجيتار الكهربائي كان غير مبرر في كثير من ألحانه خاصة تلك التي أداها عبد الحليم حافظ.

abdelhalim

في الصورة يظهر كل من عازف الجيتار الكهربائي (يمين) وإلى جواره عازف الأورج في أغنية عبد الحليم حافظ بعنوان “أهواك” من ألحان م محمد عبد الوهاب، و يظهر على ملامحهما الرضا التام عمّا يفعلانه. الشابان يحبان ارتداء “الفيونكة”، يبدو أنها كانت صرعة في زمانهما لدرجة تجعل علامات السعادة واضحة، لا أتخيل أنهما سعيدان من اجل ربطة العنق المميزة هذه فحسب، بل لأنهم أيضاً الجيل الجديد من العازفين الذين يمكن تمييزهم بسهولة عند أخذ نظرة عامة على الفرقة المليئة بكبار السن، وعلى الأغلب فإن الشاب إلى اليسار يفكّر بالفتاة التي سيتزوجها عمّا قريب، وقد أصبح عازف اورج شهير، بينما لا تريحني تسريحة شعر زميله – المُجدد – على الجيتار الكهربائي، فهو من النوع الذي سيحاول سرقة حبيبتك منك لمجرد أن دمه خفيف. يمكنني التنبؤ بخلافٍ وقع بينهما بعد هذه الحفلة تحديداً حول من الذي كان دوره اهم من الثاني في إخراج هذه الأغنية الخفيفة والفريدة لعبد الحليم. وأجزم بأن الخلاف استمر لساعات، وكل منهم يعتقد بأنه صوت الغد وصانع البهجة القادم من المستقبل على هذه الآلة العجبية التي يمتلكها، لكن أحداً منهم علم الحقيقة المرّة، وهي أنّ كل ما كانا يفعلانه هو بعبصة أغاني حليم وفقط.

*اقتباس هام من كتاب السنباطي، لكنه لم يغيّر رأيي في عبد الوهاب، ولم يدنو حتى من ذلك:

أعظم الأعمال التي ظهرت لمحمد عبد الوهاب في العام 1954، حيث كانت أخر أعماله الكلاسيكية الضخمة، وهما قصيدتان: الأولى “دعاء الشرق” القومية، والتي أضحت لازمتها الأساسية شعاراً لإذاعة صوت الجماهير من بغداد، والثانية “النهر الخالد” التي سار فيها على الاسلوب نفسه الذي اتبعه في “الجندول و الكرنك وكليوبترا” وقد أثارت هذه القصيدة ضجة صحفية، واتهمه النقّاد لأوّل مرة بالسرقة المكشوفة من “تشايكوفسكي” وقد دعم هذا الإتهام الموزع الموسيقي “أندريا رايدر” الذي قال أن عبد الوهاب استعان في المقدمة الهادئة التي تسبق اللازمة الأساسية بألحان من مقدمة افتتاحية 1812 لتشايكوفسكي. وبطبيعة الحال، فإن محمد عبد الوهاب الذي دأب على الاقتباس لم ينكر ذلك، وعلى الرغم من هذا الاقتباس المفضوح الذي زاد عن ثمانية مقاييس، فإن “النهر الخالد” بالأسلوب الذي قدمت فيه ستظل مع أخواتها “الجندول، الكرنك، الكليوبترا” من كلاسيكيات محمد عبد الوهاب الخالدة. ويبدو أن محمد عبد الوهاب قد توقف عن غناء القصيدة الطويلة بعد “النهر الخالد” ولم يعُد إليها، بسبب تراجع مساحات صوته التي باتت لا تساعده إلا في الأعمال ذات المقامات المحدودة التي تتفق مع صوته، مع الاستعارات الصوتية التي يستطيع.
وعن الاقتباس، أو السرقة اللحنية، يقول السنباطي رداً على سؤال وجهته إليه “النهار” العربي والدولي ما يلي:
… يعجبه شيء لبتهوفن، يأخذه.. أخذ مطلع السمفونية الخامسة وغيره وغيره.. القانون الدولي لحماية المؤلف والملحن، يبيح للملحن أن يقتبس من مقياس إلى ثلاث مقاييس.. إذا زاد عن هذا يعتبر سرقة.. الله؟! ولماذا ثلاثة مقاييس؟! كل بريق المقطوعة في مطلعها الأول وها أنت تلطشها والقانونى يحميك.. شيء غريب!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s