روح البلانكو: أقوى من الأيام!

f35995d1-a4fd-498f-a1b1-9742de67af69اعتقدت في البداية، أنّ «روح البلانكو» لقب حصري لراؤول غونزاليز، أصغر هدّاف في تاريخ «ريال مدريد» وشرارة انتمائي إلى النادي. لا أنسى الحركة التي قام بها، عندما وضع إصبعه على فمه في مواجهة جماهير «برشلونة»، بعد إحرازه هدفاً ثميناً على أرض «كامب نو» في العام 2000. كان كل ما يدور في ذهني: من هذا الرجل؟ أيّ فريق هذا؟ وما هي كرة القدم؟ يبدو أن تشجيعنا للنوادي هو جزء من تكويننا. يأتي الواحد منا إلى الدنيا مشجّعاً لـ «آرسنال»، أو لـ «مانشستر يونايتد» أو لـ «يوفنتوس» مثلاً، أمّا أنا فلـ «ريال مدريد».

تشجيع فريق كـ «مدريد» يتطلّب منك التحلّي ببعض الصّفات، غير تلك التي ستكتسبها من التشجيع نفسه. لنطرح سؤالاً، مَن الذي صنع الآخر؟ هل نحن مَن تأثّر بالتشجيع، أم أنّ النادي هو الذي تأثّر؟ في الحقيقة، أعتقد أنّ تشجيع نادٍ معيّن هو موضوع «المُشجّع» نفسه، لا النادي.
في الموسم التالي 2001/2002، ظهر ريال مدريد للمرة الثانية عشرة في تاريخه في نهائي دوري «أبطال أوروبا». في الدقيقة الرابعة والأربعين يحرز زيدان هدفاً أسطوريّاً بقدمه اليسرى بعد تمريرة من روبيرتو كارلوس. كانت تلك المرّة الثانية التي يفوز فيها النادي بالبطولة خلال ثلاثة أعوام. يومها تأكّدت لأوّل مرّةٍ ممّا سأفعله في حياتي، سأشجّع هذا النادي.

لكنّ الأمور لم تسر بعدها كما ينبغي لها أن تكون. كانت لعنة قد حلّت على النادي. انتقالات كثيرة، صفقات فاشلة، هزائم، عقد كرويّة. لم نتجاوز دور الستّة عشر في «دوري الأبطال» لسنين عدة. بعض المدربين لم يُكمل سوى فترة الذهاب، وتمّ استبداله في منتصف الدوري. الكثير من الأموال مع الكثير من اللاشيء. حَقدنا على الجميع، لا يمكن للأمور أن تسير هكذا. عندما هُزم الفريق أمام برشلونة بستة أهداف نظيفة كانت ليلة للانتحاب، تبعها أسبوع اختفاء. لم يعُد موقفنا مفهوماً، هل دخلنا في دوّامة لن نخرج منها؟ ربّما بدت الأمور بالانعكاس على حياتي الشخصية. مع كل هزيمة أجدني أنتمي أكثر إلى النادي، هل أنا شخص يُحبّ الهزائم؟ بالتأكيد لا. لكن ثمّة ما يبعث في الروح الطمأنينة، بأن الله سيحدث بعد ذلك أمراً.

ذات يوم، قرّرت السفر للأبد، ولم أشعر بالحنين أبداً. بعض المشاعر المؤذية بدأت بالتلاشي. صارت الأمور في عموميتها من دون تأثير عميق كما كانت. وعلى النقيض، كانت الأمور البسيطة جداً ومؤثّرة إلى درجة كبيرة. يبدو أنّني تعلمت أمراً من ريال مدريد: كل صدمة يمكن تحمّلها. الآن أنا أحتاج لما يُمكنه تعليمي أنّ الأمور التافهة ليست جديرة بالحزن أيضاً. هذه قفزة عاطفية كبيرة، لكنّني أرغب بخلق توازنٍ ما حولها. هذه القفزة جعلت مني فرداً يمكنه الإمساك بالسعادة مهما كانت صغيرة. رسالة من أمُي تقول فيها نكتة قديمة، تجعلني أضحك من قلبي، لمجرد تخيّلها وهي تقولها. صديقة تُمسك بإصبعي الصغير ونحن ندخل قاعة سينما. صندوق قمامة كُتب عليه «أحبّك»، أراه كلما فتحت نافذتي. أشياء صغيرة أصبح لها تأثير.

يبدو أن هناك ما لا أذكره في المباراة النهائية لـ»دوري أبطال أوروبا» العام الماضي. النادي يظهر في النهائي لأوّل مرّة منذ 12 عاماً. هذا تقريباً عمري الكروي، لقد شجعته وانتهى الأمر، وانتهت البطولات. ليلتها كانت روحي قد وصلت إلى درجةٍ من الالتحام المُبالغ فيه مع روح النادي. هل أنا السبب في كل تلك الهزائم؟ لن أُشاهد المباراة. أنا نحس على ما يبدو. لكنّني أنزل مسرعاً في الدقائق الأخيرة لأحجز مكاناً مناسباً للرؤية. لن أشاهدها مع أحد أعرفه، أفضّل أن أكون اليوم وحدي. تجري أحداث المباراة بشكل غير متوقع. «الريال» متأخّر بهدف، وصافرة الحكم توشك أن تنطلق. أُخفض رأسي لأنظر من حولي: صمت مطبق. أحدهم بدأ بأكل أظافره، وآخر بدا أنّه سينفجر بالبكاء. لا أعرفهم ولا يعرفونني، لكنّنا اليوم أخوة. بعيداً يقف مالك القهوة، واضعاً يديه على رأسه. صمت لم يكسره سوى هدف راموس بالرأس. خمس دقائق من أحداثٍ متسارعة لا أذكر منها شيئاً. لا أدري ما الذي حصل تماماً لكنّني وجدت نفسي في حضن جماعي، فيما يُمسك أحدهم بكرسيّ ويضربه بالطاولة من فرط الحماس. كانت هذه أكبر سعادة في حياتي. نعم هذه «فرحة عمري»، و «روح البلانكو» الحقيقية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s