أن تصل الأشياء إلينا

علينا الاتصالُ أكثر بالجماهير. من نحن؟ لا أحد. أنا أقول هذا فقط لأنني لا أجد ما أقوله في جملة افتتاحية. على أيّ حال، لطالما أردتُ الوقوف خلف مكبر صوت معدني، مدوّر ومُخطط بالأسود، وألتحم مع الجماهير، صوتياً فقط، وأهتف بأعلى صوتي “أيتها الجماهير العريضة”. طبعاً بعدها سأباشر بالبحث عن أصل لحاق كلمة “عريضة” بكلمة “جماهير”. هنا تبدو لي خطابات (عبد الناصر) مُلهمة، فهو بعد كلّ شيء امتلك القدرة على إلهاب الجماهير من خلال صوته فقط، مُجبَراً على ذلك لأن الراديو هو وسيلة التعبئة الأقوى وقتها. حتى في هذه اللحظة، وعند تشغيل خطبته في المنشيّة، بعد أكثر من ستين عام من الحادث، والذي تعرّض خلاله لمحاولة اغتيال (أو لم يتعرض، لا يهُم الآن) أصِلُ لمقطع الخطبة الأخير وهو يصرخ “أيها الرجال، فاليبق كلّ في مكانه..” فتتملكني حالة من الوجوم، ويزيد خفقان قلبي. لكنّ هذا كان قبل وجود البث المُباشر. الآن يمكننا رؤية عضو في منظّمة الدفاع عن حقوق حيوان الجندب وهو يلقي محاضرة على الهواء مباشرةً دون أن يهتم أحد بمتابعته، حتى هو لن يكترث بلغة الجسد مثلاً، فهو بالتاكيد لا يخاطب جماهيراً عريضة هنا.

أصبح وصول الأشياء إلينا أسهل من وصولنا إليها. في الحقيقة، لا أنكر احساسي بالمؤامرة هنا. هذه الصناعة القائمة على تسليع كلّ شيء. حتى القادة السياسيون هم سلعة بطريقة ما. نجم كرة القدم هو سلعة. (أبطال الديجتال) أيضاً سلعة. حبيبتك سلعة. ونحن أصبحنا سلعة، عدا عن كوننا متلقّون دوماً، وسنصبح أداةً كما تنبّأ بنا جورج أوريل، وذلك عندما تدخل الكاميرا إلى منزل كل واحد منا، فيتكرّس وصول الاشياء إلينا، وتنعدم تماماً فرصة وصولنا إليها. لماذا علينا أن نصل للأشياء في الأساس؟ ربّما لإننا نرغب في تدميرها. هل لديك مشكلة مع التدمير؟ حسناً، ربما التدمير هو مصطلح يشبه “الارهاب” لدى الإرهابي، فأنت حالما تُصبح إرهابياً لا يعُد من ضمن اهتماماتك أن تعرف أي لقب يُطلقونه عليك مذيعو محطة (فوكس) الإخبارية. انت الآن إرهابيٌّ وتفتخر. ولربما بعد استنفاذ القضايا النسوية لنفسها، ثم التوجّه لحلّ قضية المثليين مع المجتمع، سنراقب العالم وهو يتجه للمطالبة بحقوق الإرهابيين. من يدري؟ .. لا لا أنا أسأل ولست أسترسل: من يدري؟

أجدني عالقاً في مشهد من فيلم “المحادثة 1974″، والذي كتبه واخرجه فرانسيس فورد كوبولا، وتدور أحداثه حول أعمال هاري كول (الممثل جين هاكمان) والذي يكسب عيشه، ببساطة، من خلال التجسس على الآخرين. لم أستطع اختزال شخصيّة هذا الرجل ببضع صفات، ربما لأنه يُشبه لغزاً كبيراً أكثر من أي شيء آخر. يعلق هاري كول مع أحد ضحاياه، فهو يُمارس عمله المعتمد على اختراق خصوصية الآخرين، مستغلاً بعض الفجوات التي يتركها الناس مكشوفةً عادةً لأنهم يتوقعون أن المشاكل لا تحدث إلا مع الآخرين. وهاري كول، كجزء منهم، يقع فريسة لمتجسس آخر. ينتهي الفيلم بذلك المشهد الذي لا يغادرني. والذي لن أتحدث عنه لعدم إتّهامي بحرق أحداث فيلمٍ لن تشاهدوه على أيّ حال. ما علينا. أنظُر الآن إلى شاشة كمبيوتري المحمول، بينما يظهر فوقها مباشرة شريطٌ لاصقٌ أسود اللون، يمتدُ عرضياً مغطياً عدسة كاميرا الجهاز. أذكر انها هنا منذ أبرمتُ تلك الصفقة الغريبة بمبادلة جهازي القديم بهذا الذي لم اعد أطيقه. نعم، أنا من الأشخاص الذين يغطّون كاميرا الكمبيوتر الشخصي لإنهم يؤمنون بالمؤامرة، ويؤمنون بقدرة الأشياء على الوصول إلينا مع عدم قدرتنا على فعل العكس وبأنهم لن يكونوا الوحيدين الذين يمتلكون نزعة تدميرية، ولإنهم (أو أنا على وجه الدّقة) يحبّون أكل الكرز مع قليل من الخصوصية، ولإنهم أيضاً لا يطيقون فكرة الإتّصال بكسّ إم الجماهير، ولإنّ (الأخ الأكبر) هو سيستم أخو شرموطة.

the-conversation

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s