ثوريّة غودار

إعداد وترجمة: إسلام السّقا

Jean Luc Godardفي السينما، يمثّل غودار اليوم حالة التمرد على المساحة المتوفرة من أجل الوصول إلى أُخرى تعطي المزيد من الحرية والنقد للقيم والأخلاق المختلفة. استخدام السينما كوسيلة للتواصل الثوري ليست فناً إدعائياً كما يقول بعض النقاد الذين يهاجمون غودار، عدد من المخرجين في بلدان مختلفة يحاولون حالياً الاستفادة من الأفلام كوسيلة للنقد الثوري، وبعضهم يحقق نجاحات ملحوظة. إن التعامل مع الأفلام التي تُشكّل التحدي السياسي هو أمر بالغ الأهمية كونه يمثل نظرة للسينما من أيديولوجيا مختلفة. حيث تسمح لنا بتسليط الضوء على التحدي السياسي إلى جانب التحديات الفنية في تلك الأفلام. بناءا على ذلك، فإن أفلام غودار أثبتت بالفعل أنها مُثمرة. إلا أن التحليل الذي سنتبعه هنا لا ينطبق فقط على أفلام غودار، بل على كل الأفلام. لكن يبقى التركيز هنا على أفلام غودار من أجل عرض الأعمال التي لم تكتفي فقط بالمعارضة بل وقامت بطرح بديل فكري مختلف. لربما كانت الأفلام التي طرحت نفسها كتحدي للرأسمالية قليلة العدد، لكن سيكون من المؤسف لو تركناها تمر دون أي تعريج عليها. في هذا المقال نستعرض بعضاً من أفكار جودار في فيلمين له من العام 1967.

التعبير عن التحدي السياسي من خلال تحدي فني واضح:

لغودار تجربة فريدة في فيلم “شيئان أو ثلاثة أعرفهما عنها 1967″، حيث استخدم طريقة ثورية في عرض كل من الحوار والتعليق الصوتي (الذي أداه بنفسه). كان التعليق أشبه بالهمس، وتحتاج للتدقيق في الكلمات كي تدرك معنى ما يريد قوله المُعلّق، أما الحوارات فكانت موجهة كلها بعيداً عن الشاشة. لو تعاملنا مع الفيلم دون النظر لترجمته فنحن لا نرى فم المتكلم وبالتالي لا يمكننا أن نعرف ماذا يقول لإن صوته بعيد ويتداخل مع صخب المدينة وماكيناتها التي لا تتوقف. وكأنها إشارة من غودار لحجم الخراب السمعي الذي بتنا نعيش فيه.

أحد القضايا الرئيسية حول هذا الفيلم تكمن في الصراع من أجل المنطق نفسه، صراع القدرة على التحمل. يفترض أن جميع المتفرجون (أو من يعرفون الفرنسية على الأقل) سيأملون أن تكون لديهم القدرة الكافية على سماع الكلمات وفهم المقصد من وراءها. مع كل تلك المشاهد المتلاحقة والتي لا يتخللها سوى لحظتين أو ثلاث من الصمت الجميل، سيبدو أن فئات عديدة من المتفرجين سيغرقون، ويحاولون الخروج مُتعبين مُنهكين من محاولاتهم المستميتة لفصل الكلمات عن الضوضاء، والمنطق عن اللا منطق.

يُمكن للمرء أن يتجاهل لوهلة العامل السمعي في الفيلم، ويسكب كل تركيزه على الصورة وحدها، قبل أن يبدأ بإدراك أن الضوضاء في هذا الفيلم هي ما تُشكل المنطق من وراءه. الفيلم يمثل مواجهة لتعقيدات المجتمع الحضري الحديث وتعلّم “شيئان أو ثلاث” عنه. وهذه فرصة لنا لنتعلم “شيئيتن أو ثلاث” عن السينما أيضاً. يقدم غودار نفسه على أنه صانع أفلام ورجل إجتماع في نفس الوقت. يصرّح هامساً ببضع أسئلة تدور حول الطريقة التي يريد فيها لمعركته ان تكون. “علينا أن نحارب على جبهتين”، يقصد الجبهة الفنية والاجتماعية، حيث يطمح لتطبيق الثورة المجتمعية من خلال تحقيق ثورة الفن في السينما.

التداخل بين الحياة والفن:

في فيلم “الفتاة الصينية 1967” يظهر جلياً التقاطعات بين الحياة والفن، بين الواقع وانعكاسه، والأهم من ذلك الترابط والتداخل الحتمي بين الاثنين والذي تم التعبير عنه بطريقة درامية تعلق في الذاكرة في مشهد من بداية الفيلم، عندما يقوم الممثل الشاب “غيوم” بقراءة نصوص معينة وهو يؤدي تمارين الأداء، ثم يتوقف قليلاً، يومئ برأسه، ثم يجيب على تساؤل لم يسمعه الجمهور (طرحه غودار بإسلوب يشبه ذلك الذي في فيلم شيئين أو ثلاثة) وتأتي إجابته “نعم، أنا ممثل” ثم يبدأ بالارتجال في مونولوج حول معضلة الممثل المرتبط بثورة إجتماعية. وفي ختام المشهد، يعترض جيوم بحزم على الأمر الذي قد يدفع أحدهم لعدم أخذ كلماته على محمل الجد، لإنه ممثل يؤدي عملاً أمام كاميرا التصوير، ويُصر على أنه نزيه. هنا نرى، نحن المشاهدين، المصوّر مع كاميراته، ويتضح أنه المصوّر الذي يلتقط لجيوم خطابه السابق. على أي حال، إن استخدام غودار لهذا الإجراء المُركّب يثير قليلاً قضية التشويش الحاصل في التعاطي مع الواقع والخيال، ولكنه يسلط الضوء على فكرة (فيلم داخل فيلم) والتي، كما الفيلم نفسه، يجب مشاهدتها ليس فقط كعمل فني فقط، بل مثل بقية الفنون، كنشاط يتفاعل به عدد من الأشخاص الذين قد ينتمون بالفعل للأفكار التي يعبرون عنها في العمل الفني البحت. وهذا ما يوضحه غودار عند اجابته عن سؤال عن هذا المشهد تحديداً، فيوضح بأن جيوم هنا هو ثوري يقوم باداء دور ثوري في سينما ثورية. وهذا قد ينطبق تماماً مع ما كان يقصده غودار عندما قال “المواجهة على جبهتين”.

هذه المشكلة لدى الفنان الملتزم بقضية معينة تظهر مجدداً في فيلم “الفتاة الصينية” عندما نشهد الحوار الصدامي الذي يجري في مقصورة قطار بين فيرونيكا وفرانسيس جونسون، الزملاء الموالين بشدة لجان بول سارتر، والرجل الذي كان في واجهة الحراك السياسي التحريضي ضد الحكم الاستعماري الفرنسي في الجزائر وقت الثورة الجزائرية. جونسون في الفيلم، يضع نفسه، عن طيب خاطر، لما يمكن أن يعتبره هو تناقض في سعيه لمعارضة/ كبح جماح النشاطات الثورية التي يقودها الشباب. لكنه يبدو نزيهاً أثناء الحوار، ويوضح أن مثل هذه التغيرات الاجتماعية تحتاج لقاعدة شعبية متينة، والتي لولاها لفشل حراكهم ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر وقتها. ضرورة وجود هذه القاعدة الشعبية حتمت على جونسون الانخراط في مشروع صُمم لجلب السينما والمسرح الثوري إلى الناس في مُختلف المُحافظات.

هنا، يتضح لنا مجدداً أن فكرة الممثل الثائر والذي يؤدي دوراً في مصلحة الثورة هي الطريقة الفنية لتطبيق مقولة “المواجهة على جبهتين”. لكن غودار هنا، وفي تقديمه لما هو أساساً وجهة نظره وما يعتقد أنه الدور الحقيقي الوحيد للفنان في فرنسا المُعاصرة، تُجبره نزاهته ووضوحه المفرط للإعتراف، كما نرى في مشهد فرانسيس جونسون، أن موقع الفنان سيظهر حتماً بشكل مبهم، بحيث لا يظهر للعسكريين أنها مداخلة جريئة من الفنان أو أنها تكفي لترك علامة مؤثرة في الحراك الثوري. وأن طريقة الفنان وفي تحييز نفسه ستبقى تحمل دوماً لمسة من الإهتمام الفردي بالمسألة الذي يسمح له باستكمال مسيرته الفنية مع توجيه أصابعه نحو القضية الثورية الكبرى من حين لآخر.

يستمر جونسون في حديثه عن خلاصه الفردي والثوري في آن واحد، فهو يريد مغادرة باريس للإلتحام مع عموم الجمهور لإيصال الفكرة الثورية لهم، بينما يريد أيضاً الفرار من باريس التي لم يعد قادراً فيها على القراءة أو الكتابة. وجهة نظر جونسون هذه قد تكون صحيحة بالنسبة له، أن يتعامل مع الكون على أنه جبهتين مفتوحتين ويمكن للمرء القتال في كلاهما في نفس الوقت. إلا أن هذا ليس أمراً يمكن تعميمه، فالعالم بالنسبة لمحاورته، فيرونيكا، يخوض صراعاً على جبهة واحدة تعرفها، هي ومن معها، حق المعرفة. بينما يمكن للفنان أن يصنع عالماً مثالياً على شاشة السينما، وفي المهرجانات (ويحفز بذلك الآخرين على صنع عالمهم المثالي في الحياة الواقعية) في حين يظهر أن العمل الشاق الذي يتطلب النزول إلى أرض الواقع والتعامل معه من أجل خلق عالم مثالي سيفشل حتماً بالنسبة للأفراد العاديون الذين يتعاملون مباشرة مع الحياة دون وجود وساطة من الفن.  فالفرد العادي هو من يتحمل حقيقة أن رصاصة أُطلقت في الواقع قد تسلب حياة رجل، بينما في الفيلم تبقى الرصاصة فناً، بغض النظر عن مدى اقتناعه في “الفن الملتزم أخلاقياً”. في احدى اللقاءات، اعترف غودار بأنه على الرغم من عدم رغبته بحمل السلاح، إلا أنه شعر بوجوب دعم هؤلاء الذين، في سبيل إعادة التشكيل الإيجابي للمجتمع، سيحملون السلاح ويستخدمونه إن لزم الأمر. وقد عبّر غودار عن إعجابه لمجتمعات مثل المجتمع الصيني، حيث يرى بمجيء حركة الحرس الأحمر الشبابية التي سُلّمت فعلياً للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15-25 عام، ويضيف “هنالك الكثير من الامور التي ستصبح أفضل لو تم تسليمها للشباب الذي يمتلك الجراة على البدء من الصفر”.

إن مفهوم “البدء من الصفر” هذا يتكرر في أكثر من مشهد من “الفتاة الصينية”. فيرونيكا ترغب بإغلاق الجامعات الفرنسية من أجل إعادة التفكير بالتعليم من الصفر. كما وتود تفجير اللوفر من أجل تحقيق إمكانية التفكير في الفن من مرحلة الصفر. في حين يقدم جيوم في تحقيقه حول طبيعة المسرح مصطلحاً جديدا وهو “مسرح العام رقم صفر”، والذي يُعبر عنه سينمائياً من خلال مشهد يجمع بين شخصين يضربان على جانبي زجاج شبكي شفاف يفصل بينهما، في تعبير عن أول جهد بدائي غير لفظي بذله الإنسان للتواصل مع إنسان آخر. وفي تحقيق غاية البدء من الصفر، يمثل فيلم “الفتاة الصينية” ثورة بذاته، فهو يبدأ بالدوران على حدود دائرة ما إن تكتمل حتى يتم إغلاقها وينتهي الفيلم من حيث بدأ – مشهد شرفة شقة النُشطاء.

لكن يبقى القول بأن الفيلم ينتهي من حيث بدأ لا يعبر إطلاقاً عن فراغ مضمون وأحداث الفيلم. بل على العكس، تلك الاحداث التي تحاول المنع من العودة إلى نقطة البداية ولكنها تشكل، في نفس الوقت، فرصة للبدء من جديد. وينتهي الفيلم بجملة “نهاية البداية”، والتي يتخذها غودار كتعريف لنهاية أي فيلم جديد يقوم به، ويتضح لنا من خلال تطوره كصانع أفلام، فهو يضع كل من الحضارة الغربية والسينما تحت عدسة المجهر طارحاً حولهما الأسئلة. غودار هو رجل يمتلك من الشجاعة والإرادة ما يؤهله للبدء من جديد، وأن يكرر ما يريد إيصاله في كل فيلم جديد يصنعه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s