الحداثة الزائفة وموت ما بعد الحداثة

في عام 2006، ومن خلال مقالة له تم نشرها في العدد 58 من مجلة الفلسفة البريطانية بعنوان (ما وراء موت ما بعد الحداثة)، طرح الناقد الثقافي الانجليزي آلان كيربي فكرة “الحداثة الزائفة” على انها المرحلة التي أنهت ما بعد الحداثة للأبد؛ في الأسطر التالية قراءة في عدد من فقرات تلك المقالة.

يرى آلان كيربي أن ما بعد الحداثة قد ماتت ودفنت، وحلّ مكانها نموذج جديد للسلطة والمعرفة تشكّلا تحت ضغط من التكنولوجيا الجديدة والقوى الاجتماعية المعاصرة. إن ما كان قد استفز كيربي للحديث عن هذا الأمر هو رؤيته للنموذج المعمم في أقسام الآداب الانجليزية في الجامعات البريطانية، حيث كان يمسك بين يديه قائمة من القراءات المقترحة لمساق “روايات ما بعد الحداثة”، وهي ما تفترض أن “ما بعد الحداثة” ما زالت حيّة وتتنفّس. كان المساق ينص على عرض الموضوعات العامة لما بعد الحداثة من خلال دراسة علاقتها بالكتابة الروائية المعاصرة،  بينما من جانب آخر، فإن الروايات التي يتناولها المساق هي من جيل آباء وأجداد هؤلاء الطلاب، وهو ما يراه كيربي من غير المنطقي في الوقت الذي تم حسم مسألة موت ما بعد الحداثة فلسفياً أصلاً. داعياً إلى القاء نظرة على سوق المنتجات الثقافية من خلال قراءة روايات تم نشرها خلال الخمس سنوات الأخيرة، مثلاً، أو مشاهدة أفلاماً من القرن الواحد والعشرين، الاستماع لآخر اصدارات الموسيقى والأهم هو الجلوس أمام التلفاز مدة أسبوع ومحاولة تسجيل أي لمحة قد تعثر عليها بشق الأنفس تشير إلى ما بعد الحداثة. أما إن قررت الذهاب إلى مؤتمر أدبي ما، فلن تجد أي ذكر لنظريت دريدا أو فوكو أو بودريار. إن الناس الذين ينتجون المواد الثقافية التي يقرأها ويشاهدها ويستمع إليها الأكاديميون وغير الأكاديميون على حد سواء قد استسلموا لفكرة موت ما بعد الحداثة. ولا يمكن ملاحظة وجودها الآن إلا عبر أفلام الرسوم المتحركة مثل Shrek و  The Incredibles. هذا ما وصلت إليه ما بعد الحداثة من وجهة نظر آلان كيربي: فقط لمن هم دون ثمانية أعوام.

هنالك ما هو أبعد من تغيير في النمط الثقافي في هذه الانتقالة. إن الشروط التي يتم من خلالها تصوّر السلطة والمعرفة والفردانية والواقعية والوقت قد تم تعديلها مرة وللأبد. يشير كيربي إلى وجود فجوة كبيرة بين المُحاضرين وطلابهم مشابهة لتلك التي ظهرت أواخر الستينيات، لكن هذه المرة لأسباب تختلف. إن الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لم ينبع تحديداً من وجود صياغة عميقة لشروط الانتاج الثقافي وكيف يتم استقباله، بل حدث ببساطة ومُباشرة. أما في الفترة بين نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة أدّى ظهور التكنولوجيا الجديدة إلى إعادة هيكلة طبيعة كل من الكاتب والقارئ والنصّ، وأشكال العلاقات فيما بينهم.

صبّت ما بعد الحداثة، مثل الحداثة والرومانتيكية من قبلها، جل اهتمامها على المؤلف، حتى عندما كان يسعى هذا المؤلف إلى إلغاء ذاته/وجوده. أما ما يتم التركيز عليه في ثقافة اليوم هو المُستقبل لهذه الثقافة إلى حد يجعل منه مؤلفاً جزئياً، وأحياناً كلياً، لتلك المادة. وهذا ما يسميه المتفائلون “دمقرطة الثقافة” بينما يعتبر المتشائمون أن ظهورها أدى لإبراز منتجات ثقافية بالغة التفاهة.

تقوم ما بعد الحداثة بتصوير الثقافة المعاصرة في مشهد تكون فيه هي الفرد الذي يجلس عاجزاً ويبدأ بطرح الأسئلة عن الحقيقة كإشكاليات، وهذا ما جعل ارتباطه (الفرد) وثيقاً بشاشة التلفاز وقاعة السينما. أمّا خليفة ما بعد الحداثة، والتي يدعوها كيربي بالحداثة الزائفة، فهي تجعل من مشاركة الفرد شرطاً ضرورياً لتكوين المنتج الثقافي، وهذا يشمل كل برامج الإذاعة والتلفزيون، كل النصوص، التي يحدد محتواها وديناميكيتها المشاهد أو المستمع المُشارك. ما أن يقوم الفرد بالمشاركة في برنامج “الأخ الأكبر” أو الاتصال على برنامج رياضي فهو لم يعد مشاهداً او مستمعاً كما كان.

إن المنتجات الثقافية للحداثة الزائفة، من ناحية التعريف، لا تكون ما لم يكن هناك تدخل مباشر من قبل الفرد فيها. عندما انتهى تشارلز ديكنز من كتابة رواية “أمال عظيمة”، وقام الناشر بتوزيعها إلى جميع انحاء العالم، كان محتواها النّصي (اختيار كلماتها) قد تم وانتهى إلى جانب المعاني المستقاة منها. حدد توجهها بالكامل كل من الكاتب والناشر، وتُرك المعنى وحده للقارئ كي يفهمه. أما برنامج “الأخ الأكبر” مثلاً، فهو منتج ثقافي معاصر يعطي مثالاً على الحداثة الزائفة التي لولا اتصال أفراد من الجمهور للتصويت لاختيار متسابقين للبقاء أو الخروج لما ظهر البرنامج على شاكلته المعروفة. هنا التصويت هو جزء من التناص المادي للبرنامج، المتابعون المتصلون هم من يكتبون البرنامج بأنفسهم.  

تشمل الحداثة الزائفة أيضاً البرامج الاخبارية المعاصرة، والتي تتألف بشكل متزايد من رسائل البريد الالكتروني أو الرسائل النصية المرسلة في معرض تعليق على محتوى نبأ معيّن. وفي نفس الوقت، فإننا لا يمكن أن نطلق مصطلح “تفاعل” هنا حيث لا يوجد نوع من التبادل: عوضاً عن ذلك، يتدخل المشاهد أو المستمع ليكتب جزءاً من البرنامج ثم يغادر، عائداً إلى دوره السلبي كمتلقي. كما تشمل الحداثة الزائفة أيضاً ألعاب الكمبيوتر، والتي تضع الفرد في سياق ابتكار المحتوى الثقافي، طبعاً ضمن الحدود المرسومة مسبقاً.

يمثل الإنترنت أبرز مظاهر الحداثة الزائفة. تتكون الفكرة الاساسية فيه من قيام الفرد بالنقر على الفأرة لينتقل بين مجموعة هائلة من الصفحات بطريقة لا يمكن لها أن تتكرر، حيث يشق المستخدم طريقاً بين منتجات الثقافة لم يكن موجوداً من قبل، وسوف لن يتكرر مرة اخرى مجدداً. يمثل هذا الانخراط  بمنتجات الثقافة كثافةً لا يقدمها أي نوع من الأدب، ويعطي شعوراً زائفاً لا يمكن انكاره بان الفرد هو من يخلق ويدير المنتج الثقافي الذي يريد. إن صفحات الانترنت ليست “منشورة” بمعنى أن أحداً يعرف من كتبها، والحقيقة أن احداً يهتم بذلك. غالبية تلك الصفحات تطلب من الفرد أن يكون هو المُضيف للمعلومة مثل “ويكيبيديا”، او معلّقاً عليها مثل مواقع التواصل الاجتماعي و”الميديا”. إن جوهر عمل الانترنت، على أي حال، هو إتاحته الفرصة لأي فرد ليقوم بإنشاء صفحته الخاصة هناك (المدونات مثلاً).

إن كان الانترنت يمثل أبرز الأشكال الثقافية المعاصرة التي انتجت الحداثة الزائفة، فإن هذه الحقبة الجديدة قامت أيضاً بإعادة تشكيل مظاهر ثقافية أقدم من الانترنت لتلائمها. تظهر السينما في فترة الحداثة الزائفة وكأنها لعبة كمبيوتر. فإن صورها، والتي جاءت يوماً ما من العالم الحقيقي حيث يتم تأطيرها وإضاءتها واضافة الموسيقى عليها وتوليفها من قبل مخرجين بارعين من أجل توجيه أفكار وعواطف المُشاهد، يتم الآن صناعتها من خلال الكمبيوتر. رغم أن المؤثرات البصرية كانت تهدف لجعل المستحيل يبدو منطقياً، فإنه اليوم يستخدم، دون قصد، لجعل الممكن مصطنعاً. كما في أفلام مثل “ملك الخواتم” و”المحارب”. معارك بين آلاف الأفراد كانت قد حدثت بالفعل تحولها سينما الحداثة الزائفة لمعارك تبدو وكأنها حدثت فقط في الفضاء الالكتروني. وهكذا، وفرت السينما الخلفية الثقافية ليس فقط للكميوتر الذي خلق صورها، ولكن أيضاً لألعاب الكمبيوتر كنموذج لعلاقتها مع المُشاهد.

إن ثقافة تُبنى على اتصالات هاتفية ورسائل الكترونية وألعاب الكمبيوتر والتي تستمر بالاندثار ليخرج غيرها، لها عمر زمني قصير ومحدد. ثقافة زائلة غير قابلة للتكرار و فاقدة للذاكرة. هذه هي الثقافة في الوقت الحاضر، فاقدة للإحساس بالماضي أو المستقبل. إن الانتاج الثقافي للحداثة الزائفة تافه إلى اقصى حد، كما يشير كيربي. يميل محتوى افلام الحداثة الزائفة إلى أن تكون فقط احداث حول موت او ميلاد حياة جديدة. تقف هذه البدائية الصبيانية للسيناريو في تناقض صارخ مع تطور الآثار الفنية السينمائية المعاصرة. يعتبر الكثير من الرسائل النصية والبريد الاكلتروني تافهاً بالمقارنة مع ما اعتاد الناس، على اختلاف مستوياتهم التعليمية، كتابته في رسائلهم قديماً. ابتذال وضحالة تسيطر على كل شيء أدت إلى اعتبار حقبة الحداثة الزائفة، على الاقل حتى الآن، صحراء ثقافية. رغم أننا قد نستطيع تطوير شروطاً جديدة ليتم من خلالها تكييف نمط ما لإعطاء التعبير الفنى معنى أوضح. لكن في الوقت الراهن، نحن نواجه عاصفة من النشاط البشري المنهمك في انتاج اللاشيء تقريباً مما يحوي أي قيمة ثقافية دائمة. شيء لا يمكن للبشر النظر إليه بعد خمسين أو مائتي سنة نظرة اعجاب وتقدير.

يمكن إرجاع جذور الحداثة الزائفة إلى السنوات التي سيطرت عليها ما بعد الحداثة، موسيقى الرقص وصناعة الاباحية، على سبيل المثال، هي منتجات من أواخر السبعينيات والثمانينيات، والتي تعتبر جوفاء على مستوى الدلالة. كما أنها تعطي الأولوية لأفعال “مستقبلها”: موسيقى “الدانس” هي للرقص فقط، والاباحية ليست للقراءة أو المشاهدة، بل للاستخدام، بطريقة تولّد وهم الحداثة الزائفة، وكأنك تشارك. في الموسيقى، تحولاً حدث، جاعلاً هواية هامشية للزبون (كتوليف ودمج الأغاني على جهاز iPod) هي المحدد والمُعرّف لطريقة استهلاك الموسيقى، مما يجعل فكرة الألبوم الموسيقي كعمل فني متماسك وجسد متكامل هي فكرة عفا عليها الزمن.

حالة الحداثة المزيفة، او شبه الحداثة، لا تعدو كونها تحوّل مدعوم تكنولوجياً للمركز الثقافي لشيء لطالما كان أمامنا. استخدم التلفاز الجمهور دوما جمهوره كمُشارك تماماً كما فعل المسرح وغيره من الفنون الأدائيّة من قبله، لكنه كان اخيارياً وليس ضرورة: بينما تكون المشاركة جزءاً أساسياً من برامج التلفزيون في الحداثة الزائفة. توفرّت فيما سبق العديد من الأشكال الثقافية “النشطة” أيضاً، من الكرنفال إلى فن التمثيل الايمائي، لكن أياً منها انطوى على النص المكتوب تحديداً، لذا فقد سكنت تلك الأشكال في هامش الثقافة التي اهتمت أكثر بالنصوص المكتوبة، مما يجعل نص الثقافة الزائفة، بكل خصوصياتها، تقف كمحرك أساسي مهيمن ونموذجي للثقافة المنتجة اليوم. على الرغم من ذلك، مازالت تعرف الثقافة بهوامشها أشكالاً أخرى، ولا يجب وصف تلك الأشكال بالسلبية بالمقارنة مع “تفاعل/نشاط” الحداثة الزائفة. لطالما امتلك كل من القراءة والسماع والمشاهدة طريقتهم الخاصة للتفاعل، لكن تبقى هناك حاجة فيزيائية للتفاعل لدى كاتب النص الشبه حداثي، وبالتالي ضرورة لانتظار افعال المتلقي التي يعتمد عليها تكوين النص، فضلاً عن عوامل الهيمنة التي غيرت التوازن الثقافي للسلطة. انها تشكّل الهيمنة الاجتماعية التاريخية والثقافية في القرن الحادي والعشرين، وعلاوة على ذلك فإن التفاعل والنشاط الذي تعكسه الحداثة الزائفة له خصوصيته، فهو إلكتروني، مكتوب وسريع الزوال.

في ما بعد الحداثة، الشخص يُشاهد، يقرأ ويستمع كما كان سابقاً. أما في الحداثة الزائفة فهو يتّصل، ينقر، يتصفّح، يختار، ينقل ويُحمّل. هنا تكمن الفجوة الجيلية، والتي تفصل بعنف بين الأفراد الذين ولدوا قبل وبعد الثمانينيات.، أمّا من ولدوا بعد 1980 فإنهم يرون أنفسهم وأقرانهم أحراراً ومستقلين، مبتكرين، معبرين، فعالين وصوتهم عالي ومسموع فضلاً عن كونه مميز، في حين تبدو ما بعد الحداثة لهم نخبوية مملة، بل بعيدة ومسدودة الأفق. أما من ولدوا قبل 1980 فإنهم يرون النصوص المعاصرة متسمة بالعنف والاباحية وعدم الواقعية كما انها مبتذلة واستهلاكية، حمقاء لا معنى لها (كما يتم الاشارة إلى صفحات على موقع ويكيبيديا مثلاً) فيبقى، بالنسبة لهم، كل ما جاء في عصر ما قبل الحداثة الزائفة هو العصر الذهبي للذكاء والابداعية، التمرّد والأصالة. من هنا جاءت تسمية “الحداثة الزائفة” والذي تشير ضمنياً إلى الارباك الحاصل بين هذا التطور التكنولوجي الهائل وما يصاحبه من جهالة وتفاهة في المحتوى التي تنقلها تلك التكنولوجيا، نقطة تقف فيها الثقافة على حماقة مستخدم لهاتف ذكي يكتب “أنا في الحافلة”.

في الوقت الذي وضعت فيه ما بعد الحداثة “الحقيقة” موضع سؤال، فإن الحداثة الزائفة تعرّف الحقيقة على كونها الأنا – الآن، متفاعلة مع ما يُكتب من نصوص، وهكذا تشير الحداثة الزائفة إلى أن كل ما تفعله أو تصنعه هو الحقيقة المطلقة. قد يثري النص الحداثي-الزائف الحقيقة في شكل غير معقّد: برامج التلفزيون التي تعرض حياة أفراد حقيقيين من خلال كاميرا محمولة باليد، والتي توهم المشاهد بأنه مشارك خصوصاً مع إظهار الأفراد وهم يتصرفون بناءاً على أنهم سيتم تقييمهم والحكم عليهم من قبل الجمهور. ويشبه ذلك تلفزيون الواقع والمواد الاباحية التفاعلية وسينما المخرج مايكل مور التقريرية.

إلى جانب هذا التناول الجديد للواقع، يبقى من الواضح أن الإطار الفكري المهيمن قد تغيّر، ففي حين تم إحالة النتاج الثقافي لما بعد الحداثة إلى نفس السبيل الذي سلكته كل من الحداثة والرومانسية، فإن توجهاتها الفكرية كالنسوية وما بعد الكولونيالية تجد نفسها معزولة في بيئة فلسفية جديدة ومختلفة. تقع الاكاديميات اليوم تحت ضغط ممارسات اقتصاد السوق الذي دفع الاكاديميين لتوجيه طلابهم واقناعهم بأننا لازلنا نعيش عصر ما بعد الحداثة والذي يسمع بالتعددية واختلاف وجهات النظر، العصر الذي تكون كل الأصوات مسموعة فيه. وبالنظر لمطاردة اقتصاد السوق لهم فإنهم لا يمكنهم حقاً أن ينظّروا للتعددية بينما يُمارس عليهم تعصّب النزعة الاستهلاكية. فقد العالم قدرته على التوسع فكرياً، بل انه أصبح يضيق أكثر فأكثر في السنوات العشر الأخيرة تحديداً وعلى الاكاديميين الاعتراف بذلك.. الحداثة الزائفة استهلاكية وتتعامل مع العالم كله على أنه سلعة.

إن الحداثة الزائفة ذات توجهات فكرية نمطية تنطوي على الجهل والتعصب والارتباك، والتي لها رموز (انظر بوش، بلير، بن لادن مثلاً) ومن ناحية أخرى، تنتمي الحداثة الزائفة إلى عالم اجتاحه التعصب الديني للولايات المتحدة ولإسرائيل التي تقدم نفسها على أنها علمانية إلا أنها مفرطة في التعصب الديني، في مواجهة جماعات إسلامية متعصبة حول العالم. لم تولد الحداثة الزائفة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن ما بعد الحداثة ماتت ودفنت في ذلك اليوم تحديداً. وهنا تستخدم الحداثة الزائفة التكنولوجيا المتطورة لتكريس النزعة البربرية للقرون الوسطى، وهذا ما يحدث عند رفع فيديوهات لقطع رؤوس على الانترنت، أو أن يتم تصوير التعذيب في السجون على كاميرا الموبايل. وبين هذا وذاك يصبح مصير بقية البشر هو الاضطراب بسبب العيش في ساحة الحروب تلك، ويمتد هذا الاضطراب إلى ما هو أبعد من الجغرافيا السياسية ليشمل كل جانب من جوانب الحياة المعاصرة. الخوف العام من الانهيار الاجتماعي وفقدان الهوية، إلى القلق بسبب الصحة ونظام التغذية المتبع، حتى الخوف من التغيرات المناخية، الخوف من عدم تحقيق النجاح الشخصي.. الفشل. إلى حد الاستسلام للبرامج التلفزيونية التي تشرح لك “كيف تنظف المنزل” وكيف تربي أطفالك وتنجح في حياتك. نحن أمام أزمة معنى مُعاصرة للتكنولوجيا. فوسائل التكنولوجيا في عصر الحداثة الزائفة قد وصلت للفضاء، إلا أننا نحتاج لتنبيه الناس بأن أكل الخضروات أفضل من أجل صحتهم. هذه حقيقة معروفة منذ العصر البرونزي إلا أننا نحتاج لوجود من يذكرنا بها. في هذا العصر يمكن للمواطن العادي أن يغيّر مسار برنامج على تلفزيون الدولة لكنه لا يعرف ما الذي يجب أن يأكله، الحداثة الزائفة تجمع بين المتقدم والرجعي، القوي والعاجز. ولأسباب متفاوتة لا ينفك الناس عن مدح الروائيين العظماء من عصر ما بعد الحداثة. 

هذا عالم مخيف ولا يمكن السيطرة عليه، تغذّي الحداثة الزائفة الرغبة بالعودة لأيام  الطفولة وهي احدى سمات الحداثة الزائفة. حيث تحل العاطفة محل الوعي المفرط بالسخرية، إنها نشوة يتم من خلالها ابتلاعك عن طريق نشاطاتك الخاصة. تأخد الحداثة الزائفة العالم بعيداً، من خلال خلق حالة من انعدام الوزن في وجود صامت يخلق حالة من الضياع. أنت تنقر، تضغط على المفاتيح، بالتالي أنت “مندمج” مع الحدث، ومقرراً فيه. أنت النص، لا أحد غيرك، لا مؤلّف. يوجد الآن وهنا، لا مكان آخر ولا زمان. أنت حُر: أنت المحتوى ولا محتوى غيرك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s