سؤال الأخلاق في سينما المقاومة

إسلام السقا

يعمد عدد من المثقفين لإثارة أسئلة تدور في مجملها حول الدور الأخلاقي في ما يقوم به الفلسطينيون مؤخراً فيما اصطلح على تسميته باسم “انتفاضة القدس”، والتي تصوّر الفلسطيني في صورته البطولية حاملاً للسكين في يد، ويده الأخرى تمسك بمقود سيارة على وشك أن تدهس عدداً من المستوطنين، بينما يستقر على الكرسي المجاور له صندوقاً من الزجاجات النارية الحارقة تنتظر الهبوط سريعاً كمطر مُفاجئ لا يسمح حتى بانقاذ الملابس المنشورة على حبل الغسيل المكشوف. يبحث هؤلاء المثقفون عن السبيل لأنسنة هذا الفعل المُقاوم، بعضهم يصحب ذلك بحسن نيّة، وأحياناً جهلُ كان موجوداً طيلة أعوام خلت لكننا نراه اليوم، لسوء حظنا، لأننا نمتلك حساباً على “فيسبوك”. أمّا آخرون كانوا قد اختاروا معسكراً للوقوف بجانبه، قد لا نعلم ما هو لكن ما نعلمه هو أنه ليس معسكر المقاومة.

مشاهد من سينما المقاومة

قدّمت السينما العالميّة عدداً من الأعمال التي تناولت أخلاقية المقاوم، لا كموضوع أساسي، لكن كهاجس لا بد وأن يشغل فكر ووجدان المقاوم أولاً قبل أن يكون حديث المثقفين على مواقع التواصل الاجتماعي. وما يصاحب حركات المقاومة تلك من لحظات يُدرك فيها المُقاوم أنه قد يضطر في بعض الأحيان للقيام بأمور لم يكن ليفكر فيها، وهذا يبقى قراراً حصرياً لمن أقسم أن يخوض معركته حاسماً الجدل في سؤال أصعب من “كيف أقتل عدوي” وهو سؤال الموت أصلاً. لذا، قد لا يملك المُقاوم الرفاهية الكافية للتفكير في طرق إنسانية لقتل عدوه، لكنه امتلك الشجاعة اللازمة لأن يكون في موقع يخوّله هو وحده، دوناً عن غيره من البشر، باتخاذ القرار الذي يراه مناسباً حول طريقة تصفية حياة جلاده. والحقيقة أن بعض الأفلام السينمائية التي تناولت قصّة كفاح شعب ضد الاستعمار قد حاولت تجميل وتخفيف الطرق التي خاض غمارها رجال المقاومة، لكن حتى هذا لم يتمكن من إلغاء وجودها، فهي الحقيقة التي تمّت وانتهت لا تلك التي تعكسها شاشة السينما فقط.

إن واحداً من الأفلام التي لم تتكبد عناء التخفيف من حقيقة ما قامت به حركات المقاومة بشيء من الندم أو اهتزاز الثقة هو تحفة جان بيير ملفيل، بعنوان “جيش الظلال”، والذي صدر عام 1969 عاكساً تجربته الشخصية مع المقاومة الفرنسية ودامجاً ذلك مع ما كتبه (جوزف كاسل) في روايته التي حملت نفس الاسم. إنه واحد من أفلام الحرب التي تترك فيك فراغاً ما أن تنتهي من مشاهدتها. بعض عناصر المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي يقررون مواجهة اليأس والخنوع بأنفسهم، متعلّقين بشيء من الأمل والحظ، منتقلين خلال ظلال فرنسا النازية، مُعرّضون للخيانة في أي لحظة، وللموت في كل وقت. مع ذلك، فنحن لا نرى على الشاشة الكثير من التفجيرات، أو اعطاب عربات القطارات وتفخيخ السيارات. إن ما يحرك هؤلاء الرجال والنساء هو برود في الأعصاب وتعطّش للانتقام. إنه ليس فيلماً عن الحرب، لكنه حول الحرب التي تندلع في عقول أفراد المقاومة، الذين يجب عليهم العيش في خوف دائم يشمل قبولهم لمقتل رفاقهم دون مقابل سوى معرفتهم أن ما يفعلونه هو الصواب.     

Army of Shadows 1969

Army of Shadows 1969

تتنقل هذه المجموعة بين عدد من البيوت الآمنة، والتي تكون غالباً في مناطق ريفية، بعيدة عن المدينة. يعلمون أن خائناً يتواجد بينهم، يصحبونه إلى أحد المنازل التي يستأجرونها ليكتشفوا أن جيراناً جدداً قد انتقلوا إلى جوارهم. يقول الشاب المكلّف بمهمة تأمين المنزل أنه قد جهّز كرسياً ومكتباً وأوراقاً من أجل البدء بالتحقيق، فيخبره القائد أن هذه ليست مُحاكمة، في حين يُخرج الرجل الثالث مسدساً ويلوّح به قائلاً “هذا كل ما يتطلبه الأمر”، يعترض الشاب المكلف بتأمين المنزل لانهم لو استخدموا الرصاص لقتل العميل لسمعهم الجيران. سنحتاج لسكين مناسب. فيعترض مجدداً نفس الشخص، ليقول أنه من غير المعقول قتله بهذه الطريقة “إنها جريمة قتل”، لكنهم هنا للقتل على أيّ حال. لم يتوفر سكيناً في المنزل، فتبدأ الاقتراحات، من ضمنها تهشيم رأسه حتى الموت. “لا بد أن نشنقه” يقول الزعيم، مقترحاً استخدام منشفة من المطبخ في الوقت الذي يبدأ الشاب نفسه بالاعتراض مجدداً ثم الانهيار. عند الانتهاء من قتلهم للعميل، يخبر الشاب زعيمه بأنه لم يكن يتخيل أن هذا ممكناً، فيرد الزعيم: “ولا أنا”. هذا الزعيم الذي يميزه هو كونه عادي جداً وبسيط، من المشهد الأول الذي نراه فيه قد نقتنع بأنه شخص عادي، قد يكون أنا أو أنت في يوم من الأيّام.
ليس هذا المشهد وحده ما يعكس الحالة التي تضع المُقاوم في حالة دفاع عن أمن مقاومته بشتى السبل، هناك مشهد موت في وقت متأخر من الفيلم قد يسبب صدمة للمشاهد، رغم أننا كمشاهدين نعلم أنه ضروري، لكننا قد لا نرغب في تصديقه، حتّى نراه.

في فيلم “الريح التي تهز الشعير” الصادر عام 2006، والحائز على سعفة كانّ، يخوض المُشاهد تجربة روحية مختلفة، فهذا فيلم آخر حول الحرب، لكنه ليس فيلماً حربياً. عمل يسلّط الضوء على مفهوم القيم والأخلاق والانسانية لدى المُقاوم. الأخوان تيدي وداميان، ايرلنديان ينضمان لصفوف الجيش الايرلندي الحر عام 1920، والذي يُقاتل من أجل نيل ايرلندا حريتها من قبضة بريطانيا العظمى. تكمن معضلة الفيلم في الحقائق التاريخة التي وقعت بعد توقيع اتفاق الهدنة، وما تبعه من حرب أهليّة بين رفاق المقاومة القدامى. كما أن التجربة التي يمر بها المتابع للفيلم تكمن أهميتها في قدرة المخرج كين لواتش على وضع المشاهد في موضع التقييم المباشر، ماذا لو تعرّضت أنا وعائلتي لكل هذا العنف والذل، أليس من الممكن أن أستسلم لاغراءات هذا العنف والتعذيب وتوجيهها نحو العدو؟ يظهر ذلك من خلال انقسامات حادة على طول الفيلم تدور حول الكيفية التي يجب فيها الرد على المحتلين، مما يؤدي إلى استنتاجات مختلفة حول أخلاقيات الحرب والعنف.

The wind that shakes the barley

The wind that shakes the barley

كسابقه، يحمل هذا الفيلم مشهد موت في نهايته قد يلخّص العلاقة التي أنشأتها الحرب وخلّفها الاحتلال، منتهكاً كل الحقوق ورافضاً لكل ردود الفعل. فيلم مليئ بالتراجيديا، حيث رصاصة واحدة قادرة على تغيير مصير فرد وعائلته بل وتاريخ مجتمعه، وكأنه قطعة من موسيقى ايرلندية قديمة، يعكس الحياة على حقيقتها: الأشخاص الجيّدون قد لا ينتصرون في النهاية.

 يحكي فيلم “خارجون عن القانون” الجزائري، الصادر عام 2010 لمخرجه رشيد بوشارب،  قصّة ثلاثة أشقّاء طُردوا من أرضهم في الجزائر لينتهي بهم الأمر بعد عدّة سنين في قيادة حركة الاستقلال الجزائريّة من قلب العاصمة الفرنسيّة باريس فترة الخمسينيّات. بالتركيز على جزئين بالتحديد، الاول هو الوجه البشع للصراع بين جبهة التحرير الجزائرية والسلطات الفرنسية، والذي يتخذ أسلوب جماعات المافيا، والجزء الآخر يدور حول الصراع من أجل الحياة من منظور ثلاث رجال وعائلاتهم يعيشون في مدن الصفيح ويحاولون ثني التاريخ لصالحهم. يُمكن إعتبار هذا الفيلم درساً في التاريخ عدا عن كونه فيلم إثارة وتشويق جيّد جداً.

Outside the law

Outside the law

يبدو على المُخرج في هذا الفيلم تحديداً التأثّر بتجربة “جان بيير ميلفل” في فيلم “جيش الظلال” حيث يصوّر مجموعة من الرجال المستعدون للتضحية بحياتهم مع علمهم بهذا الثمن القاسي الذي قد يُضطرّون لدفعه في نهاية المطاف. يُظهر لنا بعض الخيارات القاسية واللاإنسانيّة التي قد يُجبرون على إتّخاذها من حين لآخر من أجل استمرار رسالتهم. يظهر ذلك في أحد المشاهد التي يضطرون فيها لقتل أحد المعارضين، والذي يُخنق بعد قراءة بيان الثورة عليه، وهذا مما يسبب خلافات لاحقاً بين الاشقاء الثلاثة، لكن الأمور تتجه في جميع أحوالها نحو تصعيد كبير، لا يهم عنده تحديد الطريقة التي يجب قتل فيها العدو والخائن. هذا فيلم مُلهم جدّاً وقادر على إيصال معنى حقيقي لما يجب أن تكون عليه “المقاومة الشعبيّة”.

ليس خلافاً عائلياً

إن القمع الذي يمارسه الاحتلال من خلال قوته العسكرية والاستخباراتية يلزمه حراك يقوم به الشعب من تلقاء نفسه، وهذه حقيقة تاريخية مرّت بها كل الشعور المستعمرة، حيث تدرك جموع الجماهير في لحظة تنوير، وباستخدام حدسها الوطني، أن تحررها لا يتم إلا بالقوّة، ومع ذلك، فإنهم لا يملكون، على عكس جنود الاحتلال، أيّة خبرة بطرق التنظيم والقتال، إلا أنهم يفتعلون هذا الحراك وهم مؤمنون بالنصر، كيف يؤمن بالنصر رجل لا يعرف كيفية تحقيق ذلك؟ هذا سؤال اختلفت الاجابة عليه تاريخياً، إلا أنه قد طُرح على الدوام، ووجدت الاجابة في كل مرة لوّح أحدهم بتلك الأسئلة، ومن ضمنها “كيف نقتل أناساً  بالسكين، رغم انهم يعتقدون، مثلنا، أن هذه الأرض لهم؟”، ولم يسألوا لماذا يتوجب على الضحيّة أن يعلّم جلّاده فنون وأخلاقيّات السلام أصلاً؟ بل يتساءل آخرون: “مَن البادئ بالاعتداء؟”وكأن المقارنة هنا بين طرفي نزاع يحتمل كل منهما الخطأ والصواب، وهو من الصحيح اعتباره أساساً للنقاش ننطلق منه للتحليل إذا ما كان الخلاف عائلي مثلاً. أمّا إذا ما تحدثنا عن قضيّة تاريخية، فإن أحداً يمكنه التغاضي عن واقع مفاده أن الحقوق لا تسقط بالتقادم. لكن الإجابة على تلك الاسئلة لا يمكن التنبؤ بها بهذه السهولة، إن ما يهم، في مرحلة معينّة، هو أن أمراً ما يحدث، أو أنه على وشك الحدوث، يحركّه نفاذ صبر من شعب تحت قمع الاحتلال، قد يوصفون بالجنون، لكنهم على علم بأن هذا الجنون، وحده، هو من يخلصهم من براثن الاضطهاد. “يبدو أن الشعوب المغلوبة على أمرها لا تلبث إلا وأن تشرع بتحطيم أصفادها، والأدهى أنهم ينتصرون”.

Advertisements

فكرة واحدة على ”سؤال الأخلاق في سينما المقاومة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s