“ديجراديه”: صالون تجميل من عالم لا نعرفه

إسلام السّقا

(ديجراديه) هو اسم قصّة شعر فرنسية، عدا عن كونه عنوان الفيلم الطويل الأول من إخراج الأخوين أحمد ومحمد أبو ناصر، واللذين يحبان أن يُطلق عليهما اسم (عرب وطرزان). فيلم دراما وكوميديا فلسطيني يمتدّ لساعة و23 دقيقة أُنتج بتعاون فلسطيني فرنسي قطري وتم تصويره في الأردن.

كان الفيلم في أحد جوانبه قصّة حقيقية “حيث استولت إحدى عائلات قطاع غزة على أسد من حديقة الحيوان هناك، بينما اتخذت (حماس) الأمر فرصة للانقضاض على العائلة وسحب سلاحها من أجل بسط سيطرتها على المنطقة”، كما يقول (طرزان) وأخيه التوأم (عرب) وهما فلسطينيان من قطاع غزة.

يتكوّن الفيلم من 14 شخصيّة، 13 منهم نساء، يُحاصرَن جميعهن داخل صالون للتجمل، حيث تتواجد المرأة المتدينة المحجّبة وصديقتها مدمنة المخدرات، والمرأة المُطلّقة، وتلك التي تعاني من أزمة التقدّم بالعمر، وفتاة حامل (مع أختها) وأُخرى على وشك الزواج (مع أمها وحماتها) والشابة التي تقع في قصّة حبّ معقّدة، وغيرهن. مع ذلك، يخيّب الأخوان ناصر آمالنا حتّى في استكمال المشهد النسوي الكبير الذي يحاولان استحضاره هنا، رغم مُباشرته الفجّة، فالأبطال هنا نساء إلا أنّ أحاديثهن كلها عن الرجال. ولربما الناظر للفيلم من زواياه المختلفة، والتي سنحاول استعراضها هنا، قد يكتشف أن الأخوين ناصر كانا بعيدين كل البعد عن طبيعة الحياة في غزّة عدا عن صالونات التجميل فيها.

تخيّم ضبابية كبيرة على عنصري الزمان والمكان في الفيلم. حيث ظهر تلميح، في بداية الفيلم، وعلى لسان إحدى شخصياته، يدل على أن الأحداث تجري في فترة ما بعد حروب غزّة الأخيرة، بينما وبالنظر للمعركة التي تدور على عتبة المحل بين شرطة “حماس” ومقاتلين لا نعرف انتماءهم، نستنتج أننا في فترة ما بعد الانقسام، والتي شهدت مرحلة المواجهة بين “حماس” التي سيطرت على قطاع غزة وبين بعض العائلات الكبيرة هناك. وعلى الرغم من علمنا بأن أحداث الفيلم تجري في صالون تجميل للسيدات في مدينة غزة، إلا أننا لا نعلم أين يقع هذا المحل تحديداً، والذي يدفعنا نحو هذا التساؤل هو إصرار البعض على أن المحل يقع في حيّ الشجاعية، غير أن هذا لم يكن واضحاً في الفيلم على الإطلاق.

في الحقيقة، كانت بعض البراميل الملونة على شكل العلم اللبناني قد ظهرت في الفيلم لنظنّ أن أحداثه تجري ربما في بيروت، قبل أن يبدأ الحديث عن غزّة. إن تحييد المكان وتعميمه بهذه الصورة قد يكون مَخرجاً لصانعي الفيلم، واللذين لم يجدا ربما مكاناً محدداً في غزّة يلائم أحداث فيلمهما هذا، في الوقت الذي قاما به بتطويع الزمن ليلائم الحديث عن حروب غزة المتعاقبة وعن حدوث اشتباك داخلي مسلّح في نفس الوقت، وهذا ما ينافي المنطق، ليس فقط لأشخاص عاشوا في غزة وصنعوا عنها فيلماً، بل لأي مُتابع للأحداث بشكل مبسّط. يُظهر العمل مهارة جيدّة من ناحية تقنية، حيث تم الاعتماد على التصوير داخل مكان واحد، وهي مهمة قد تبدو بسيطة إلا أنها صعبة للغاية، وتكمن صعوبته في أن المكان سيتحوّل مع الوقت إلى شخصية منفردة بذاتها تلقي بظلالها على كل ما فيها، عدا عن اعتماد الفيلم على الحوار بشكل أساسي.

هذا الحوار الذي كتبه الأخوان ناصر أيضاً، كان من أسباب تراجع القيمة الكليّة للعمل. إنّ المهارة العالية في التعامل مع الكاميرا داخل مكان محدود لم تًسعف أداء بعض الممثلات فيه، أو حتى موضوع وحبكة العمل. كما بدا أن الديكور المستخدم داخل صالون التجميل متأثر بأفلام المخرجة اللبنانية نادين لبكي، وهو جزء آخر يتحمّل مسؤوليته الأخوان ناصر كونهما المسؤولين عن تصميم الديكور في الفيلم، ليكون الديكور أحد العناصر التي تجعل من تصديق وجود هذا المحل في غزّة أمراٌ مستحيلا خلال الربع ساعة الأولى منه. يبدو أن الأخوين ناصر مُتيّمان باستخدام المرايا في “كادرات” فيلمهما، إلا أن هذا الاستخدام المكثف للمرايا لم يكن ذا مغزى يخدم العمل والأجواء المتوترة داخل الصالون على الرغم من إمكانية توظيف تلك المشاهد بصورة أفضل.

نعلم، بطريقة غريبة، أن المرأة الوحيدة التي تحب وجودها في غزّة هي صاحبة المحل الروسية. بل إنها تشعر بالانتماء هناك أكثر مما تشعر في بلدها الأم. أمّا مُساعدتها، وهي شابة تلعب دورها الفنانة الفلسطينية (ميساء عبد الهادي)، فهي ليست هنا للعمل كما يبدو لنا، بل لتبادل المكالمات والرسائل مع عشيقها الذي يجلس مع أسده وسلاحه أمام عتبات المحل الصغير المكتظ بالنساء. هذه الفتاة تهتم بتجميل امرأة واحدة طوال مدة الفيلم، وهي امرأة تعاني، بشكل واضح، من أزمة حول تقدمها في العمر وتلعب دورها الفنانة الفلسطينية (هيام عبّاس)، حيث بدا أن موهبتها التمثيلية قد تعدّت كل أسباب وجودها داخل هذا الفيلم. تجلس بجوارها، على كرسي التجميل، عروس تقوم بوضع اللمسات النهائية قبل الذهاب إلى عرسها كما نفهم، إلا أنها قد أحضرت معها أمها وحماتها، في حين استمرت الأخيرة، وعلى طول الفيلم، في التعبير لابنتها التي جاءت معها، عن كرهها للمرأة التي ستصبح زوجة أخيها. وكأن الحماوات لا يولدن إلا أشراراً.

يظهر حس الدعابة في الفيلم من خلال شخصية المرأة التي تتعاطى المخدرات، تلعب دورها الفنانة الفلسطينية (منال عوض) ورفيقتها بالحجاب والنظارات المربعة السميكة. الكثير من الدعابات أتت (عوض) لإلقائها هنا، قبل أن تلتحم في عراك بالأيدي مع (هيام عبّاس) داخل الصالون أثناء اشتعال حرب صغيرة خارجه. بينما لا نفهم سبب وجود المرأة المتدينة هنا كونها لا تريد أي نوع من التجميل رغم محاولات إقناعها بالقيام بأي شيء، وهو ما بدا مستحيلاً لعدة أسباب، منها قناعتها الداخلية بالإضافة لقرار زوجها ذلك، عدا عن حالة التذمر الكبيرة التي تملأ الأجواء بسبب مُطالبة الزبائن صاحبة المحل بالتعجّل لإنهاء عملها. بالتالي، قد لا نفسّر وجود هذه الشخصية إلا من أجل جملة قد قالتها عندما توجهت إليها إحدى النساء باللوم بعد الحديث عن (حماس) والأزمة الداخلية “لا يتركوننا للعيش بسلام، كل ما قاموا بجلبه هو الدمار” لترد عليها المرأة المحجبة “ليس لأنني أرتدي مثلهم يعني أنني قد انتخبتهم” في إشارة لوجود إجماع داخل الصالون على معاداة كل ما يمت بالصلة إلى حركة حماس، وكأنها حركة من شعب آخر لا نعرفه.

إن إحدى مشاكل الفيلم الرئيسية هي عدم وجود أي بناء حقيقي للشخصيات، حيث تبدو الشخوص كلها وكأنها لوحة ثابتة من الأحكام المسبقة  بتصرّفات مُتوقّعة جداً، ولربما كانت شخصية الفتاة الحامل عنواناً لهذا الأمر، فهي لا دور لها هنا إلا لكي يأتيها المخاض، بينما تجلس المرأة المطلقة فقط لتتلقى نكتة حول زوجها، الذي كان يهتم بالصلاة طوال الوقت ويهمل زوجته، فتقول لها (عوض): لماذا يهملك؟ ألست أنت أيضاً فرض؟ لم لا يعتبرك صلاة سنّة على الأقل.

فيلم أوّل للتوأم عرب وطرزان مليئ بالابتذال عدا عن انعدام الرؤية، رغم أنه، وعلى مستوى الفكرة، كان يبدو واعداً للغاية. فوجود مجموعة من النساء في المكان الوحيد الذي يمكّنهم من البوح بأفكارهم علانية، في ظل وجود الاحتلال الاسرائيلي والحروب المتعاقبة على غزّة وانقطاع الكهرباء والحصار الخانق، يبدو مادة دسمة وعملا فنيا فريدا. لكن وللأسف، فإنه لا يوجد أي دور سلبي للاحتلال في الفيلم على الرغم من كونه فرصة جيدة لعرض رأي مُخالف من خلال فيلم يطوف العالم مع صانعيه، لكن حتى هذه لم يحاول الاخوان ناصر استغلالها. تحتفي بعض المهرجانات التي تتعاطف مع القضيّة الفلسطينية بالفيلم وتهتم بعرضه، إلا أنه، مع مرور الوقت، سيختفي بهدوء ويتلاشى بعيداً عن الذاكرة المحليّة والعالمية. بينما نأمل نحن، أن نجد في الأعمال اللاحقة شيئاً من الواقعية والالتزام الأخلاقي البعيد عن الاستشراق، من أجل سينما فلسطينية تحكي لنا وعنا، لا عنا فقط.

نُشر على الجزيرة الوثائقية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s