عن الحب والموت والانتظار

تبدو مشاهدة حفل من الثمانينيات لفريق The Smiths الإنجليزي أمر مبالغ فيه خصوصاً مع الألوان الغريبة التي تسيطر على التسجيل والتي تجعلهم يبدون وكأنهم أشباحاً، إلا أنهم يتحّلون بجرأة كبيرة ليحمل أحدهم لافتة كُتب عليها “ماتت الملكة”، وهو عنوان ألبومهم الصادر عام 1992، والذي رافقه أغنية منفردة صدرت بعده بأشهر، أغنية عن الحب والاغتراب في آن واحد، فنسمع في مطلعها مناشدة واضحة عبر الكلمات والموسيقى “خذني خارجاً… لأني أبحث عن الناس وعن الحياة… نسير بسيارتك… لكن أرجوك لا توصلني إلى المنزل… لأنه لم يعد منزلي… هو منزلهم وأنا لستُ مرحّبًا به هناك”.

إن أهم ما يلفت النظر في كلمات تلك الأغنية هي حالة الفهم الخاص لقائلها بموقعه والمسافة التي يتخذها مع الأشياء، فهو يتحدث عن الحب والحياة والشباب والفرح، إلا أنه لا يمانع موته من خلال دهسه من قبل شاحنة تزن 10 أطنان طالما أنه سيموت مع من يُحب. لا يخيفه الموت، ولا طريقة حدوث الموت، ولربما كان هذا أمر ليس من الصعب تخيّله، لكن ما يثير الاهتمام في كلماته هو أنه لا ترعبه فكرة (ما بعد الموت)، وكأنه أدرك أن تلك الفكرة لن تكون موضع تساؤل في الثانية التي تلي موته مباشرة، فأن المجهول الذي يخيف لم يعد مجهولاً، ذلك لأن الناس يخافون أكثر من الأشياء التي لا يفهونها. لكنه هنا قد فهم الأمر كليةً “خذني إلى اي مكان .. لا يهم” فتنتهي الأغنية بعبارة مكررة “هناك نور لا ينطفئ” وتستمر الموسيقى بعد انتهاء التكرار لفترة طويلة نسبياً، وكأنها ليست خاتمة أغنية، بل بداية لها. إن البداية التي حظيت بها رواية “إنقطاعات الموت” كانت واحدة من أكثرهم إثارة. يقول (ساراماغو) في الجملة الأولى منها: “في اليوم التالي لم يمت أحد”. لكن أحداً لم يعلم أن الخلود، في جوانبه المتعددة، قد يكون مشكلة وليس حلاً كما نرى في ذلك العمل الأدبي.

نستخدم كما شعوباً أُخرى، عند حديثنا عن الحب، مصطلح “الوقوع”. فتكون تلك اللحظة التي نلتقي فيها بعيون الحبيب أوّل مرة هي النقطة التي يتغير فيها معنى الزمن ليكون ما مضى ليس “حياتنا” بقدر ما هو إجراءات روتينية مملة كان علينا احتمالها من أجل الوصول إلى لحظة النور التي ندرك فيها أننا “وقعنا”. وإن “الوقوع” هنا يفترض عدم وجود مدبّر له، فالوقوع في الحب هو مُدخل غير متوقّع ولا يُعرف فاعله، بل لا يقدر أحد على الامساك به. وليس الأمر كأن يقترح الجد على حفيده امرأة فيتزوجها، ثم يحاول أن يمسك الفتى بلحظة النور فلا يجدها، فيبدأ باتخاذ “إجراءات” الحب، فلا ينجح. لأن الحب سقطة، بل تعثّر مفاجئ وانهيار للعالم لا يمكن لأي إجراءات تدبيرية أن تجعل الأمر وكأنه “طبيعي”. في بعض البلاد التي لا تطل على بحر يقومون بصنع بحور إصطناعية، بأمواج وشواطئ ورياح مُتحكم بها بدقة، مع ذلك، فإنهم لا يستطيعون صنع الباعة المتجولين، ولا شمس حقيقية تلهب الرمال تحت أرجلنا، ولا يقدرون (بالتأكيد) على رمي ألف قنديل بحر لاسع في المياه، ليكون النزول إليه مغامرة حقيقية، لكننا نفعلها دائماً بلا تفكير، بلا صبر، ثم تتحول قضيتنا هي اصطياد تلك القناديل ودفنها، فتتحول متعة السباحة إلى متعة أخرى “تتعلّق” بالسباحة ولا نجدها إلا في بحر حقيقي. وهذا يعني وجود مُقابل وضريبة تنطوي على القبول بذلك الحدث الذي نسميه “سقوطاً” في الحب.

إننا في الغالب لا نقبل الحبيب لما هو عليه، بل لما يناسب تصوراتنا عنه، بل لما يمكننا من عقد المقارانات مع ما هو “مثالي”، ليتحول بحث الطرف الآخر عن المثالية التي ينشدها الحبيب هو رحلة خطيرة في فقدان “المثالية” التي شكّلها “الوقوع” في الحب منذ الثانية الأولى له. فتصبح قوانيناً لم نصوّت عليها هي التي تحكم العلاقة بيننا وبين أقرب الأشخاص إلينا. فإن حصلنا على “الوقوع” الذي نُقبل به كما نحن عليه، فإننا قد لا نضمن النهاية السعيدة، لكننا سنكون بكل تأكيد قد حصلنا على “سقوطنا” الأفضل على الاطلاق.

إن حتمية النهاية، سواء على المستوى الفردي أو الكوني، لا تترك الكثير من المجال لخلق “حياة”. ربما كانت فكرة الدين والإله صاحبة فضل كبير على عدد ضخم من البشر الذين وجدوا في انتماءهم لمشروع أكبر وأعمق منهم سبباً للحياة، ولأنهم يدركون، في قرارة أنفسهم، أن الحياة لا تقف بالموت، وأن العمل للحياة يجب أن يكون كما العمل للممات. فالفكرة الكبرى التي تحكم هذه الايمانيات كانت بشيء يدعى “الرقابة”. ليس الضوء وحده من يغيّر من طبيعته إذا ما شعر بأننا نراقبه، وليس طلاب المدرسة وحدهم من يتغير سلوكهم إذا ما طلّ المراقب برأسه خارج الفصل، لكننا نحن، وعلى مستوى فردي متواضع لا نكون (نحن) نحن إلا إذا كنا وحدنا تماماً، وفي حالة متقدمة من الالتحام مع الحبيب، نكشف له أن (أنا) أنا، أتصرف معك كما أفعل عندما أكون وحدي، حينها فقط نبدأ بالتعبير عن أرواحنا الحقيقية، والتي كانت (حقيقية) في اللحظة الأولى لشرارة الحب. إن قصّة “فورست جمب” مع “جيني” هي تلخيص لما سبق، يظهر في الفيلم الحب الذي تكنه “جيني” لفورست رغم أنه غريب (مختلف)، ومن المفترض أن يقصيه المجتمع، لتحتضنه جيني لا لشيء، فقط لأنه هو، دون حاجة لاعتذار، وبلا اكتراث لقسوة المجتمع التي لا تنتهي. فينتظر قدوم الباص ليروي قصته التي تتمحور في تفاصيلها حول جيني وصندوق الشوكولاتة. حالة قبول الآخر، كما هو، بأغرب ما فيه، دون تبريرات أو محددات، هي من تجعل الموت فكرة لا يهم الحديث عنها أبداً “حتى لو قتلنا باص يزن 10 أطنان”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s