“شباب”: إغراء لا يُمكن مقاومته

إسلام السّقا

تبدأ مشاهدة فيلم (شباب)  Youthمن ملصقه الإعلاني، بنسختيه المختلفتين. فهو على النقيض من اسمه، يعرض صورة لرجلين متقدمين في العمر يجلسان في مسبح وينظران بدهشة لجسدٍ عارٍ لامرأة مجهولة، وفي النسخة الثانية فإن رجلاً يسير وسط مساحة كبيرة من المياه جهة اليمين، بينما تبتعد عنه امرأة تمشي نحو اليسار. المخرج الإيطالي اللامع (باولو سورنتينو)، والذي اختطف العام الماضي جوائز عديدة هامة كان أبرزها أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن عمله السابق (الجمال العظيم)، يعود هذا العام بفيلم Youth (شباب/ صبا) والذي اكتسح جوائز  مهرجان الفيلم الأوروبي بنسخته الثامنة والعشرين والتي تم توزيعها السبت  ليحصل على تكريم أفضل مخرج وأفضل فيلم وأفضل ممثل رئيسي (مايكل كين). فيلم (شباب)، الناطق بالإنجليزية هذه المرة، والذي ضمّ عددًا من النجوم، يمثّل انتقالة جديدة لدى صانعه الذي تخلّى عن مسرح روما الطبيعي لينتقل إلى منتجع سياحي في سويسرا كي يُحدثّنا عن أمور الحب والشيخوخة والهوية. خليفة (فيلليني)، كما يحب أن يسميه الإيطاليون، يبدأ بتغيير قواعد اللعبة مجدداً.

تجري أحداث الفيلم بين رجلين في الثمانينيات من عمرهما، لكنهما مختلفان لدرجة تجعلهما من “النخبة” التي يحب سورنتينو أن يتعامل معها في أفلامه، فتجمعهم حوارات شعرية دسمة. موسيقارٌ بريطاني تقاعد رغم أن أصابعه مازالت تهتّز كلما سمع لحناً يعجبه، ومُخرج أفلامٍ أمريكي يعمل على فيلمه الأخير مع  مجموعة من مُساعديه. هذه “النهايات” لدى الكبار تحيطها بعض “البدايات” لدى الصغار، وهو ما يجعل طاقم الممثلين في الفيلم ثريٌّ بطريقة تخدم روحه، ليكون في مُجمله عمل ساحر لأوركسترا مميزة تناول سورنتينو من خلالها العلاقة بين المتناقضات المتعددة لدى شخصياته، مُمارساً هوايته في توظيف المكان الواسع كعنصر يتعدّى دافعه الجمالي ليكون مكاناً يعيشُ فيه المُشاهد ويحفظه ويشعر بالألفة لمكوناته “النظيفة” وكأنه يستند على حائط من حوائطه.

الموسيقار فريد بيلنجر (أدّى دوره مايكل كين) والمخرج وكاتب السيناريو الأمريكي ميك بويل ( أدى دوره هارفي كيتل) ترافقهما شخصيات أُخرى أثرت الفيلم وزادت من عمقه، حيث يظهر ممثل أمريكي شاب يدعى (جيمي) ونرى لاعب كرة القدم الأسطوري (مارادونا) كما ترافقنا (لينا) ابنة الموسيقار العجوز، (لوكا) الذي أتى لتسلّق الجبال، و(بريندا موريل) نجمة من هوليوود، بالإضافة لشخصيات أخرى قليلة الكلام لكنها بطرق متعددة تتحول إلى “شخصيات محورية”.

كانت “الذاكرة” هي إحدى العناصر المهمة التي تناولها الفيلم. (فريد) الذي يعيش مأساته الخاصة، كما يظهر منذ الدقيقة الأولى للفيلم، والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بحالة من الفقد التي يعانيها بعد غياب زوجته (ميلاني)، يتضح أنه شخص حزين للغاية، يقول “أجد أن الحكم الملكي ضعيف جداً، تقضي على شخص واحد فقط، وفجأة يتغير العالم بأكمله، كما في الزواج”.

يطغى الأداء البارع من (كين) على أحداث الفيلم، ليكون هو الشخصية الرئيسية التي ترتبط بعلاقات مختلفة مع المحيطين به، فهو متزوج، ولديه ابنة تقضي معه إجازتها كسكرتيرة، والتي ترتبط بابن صديقه الأمريكي الذي يتواجد معهم في نفس المكان من أجل هدف مختلف. فيبقى هذا الاجتماع في الحيّز المكاني المحدود، والفائق جمالياً، هو أصعب ما تعامل معه (سورنتينو) في كتابته لسيناريو الفيلم، ليصقل شخصياته بعناية لم يسبق له أن وصل مستواها، كل شخصية لها تحركّاتها، لكننا نعيش معها في أفكارها في بناء متقن يكشف ما في دواخلها.
 يتم هذا باحتفاء كبير من (سورنتينو) بالمنتجع كمسرح للموسيقار فيعزف فيه موسيقى من الطبيعة في واحد من أجمل مشاهد الفيلم لنعلم من جديد أن (الطبيعة) هي أصل كل شيء. هذه الطبيعة التي شكّلت الحكمة التي تغلّف أبطال الفيلم تحاول جاهدةً ان تبحث عن الذاكرة، فيما تصبّ خبرتها في عقول الصغار، فالمستقبل قريب جداً عندما تكون شاباً، بينما يصبح الماضي أبعد ما يكون إذا ما صرت عجوزاً.

تقود ابنة فريد (لينا) حواراً مع أبيها أشبه بمنولوج تسرد فيه ماضي العلاقة بينها وأمها من جهة، وبين أبيها من جهة أخرى، كاشفةً معلومات تبدو صادمة للمشاهد، ليس لعلاقتنا نحن مع الشخصيات بل لعلاقة تلك المعلومات في التأثير على حياة هذه الأسرة التي عانت من إهمال الأب الذي ركض طيلة عمره من أجل إثراء شغفه الموسيقي متجاهلاً أقرب الناس لديه ومُشبعاً ميوله الجنسية التي كانت سبباً في تحطيم قلب زوجته.

الحوار المكتوب يرافقه حرفيّة الإخراج السينمائي، فبعد الانتهاء من ذلك المونولوج، يهبط الأب إلى أسفل الشاشة بينما تبقى (لينا) مكانها، بحركة ميكانيكية وكأن الكلمات قد قضت عليه. تُبنى شبكة من التفاهمات بشكل سلس بين شخوص الفيلم، فالأب من جهته يفهم أن ابنته كانت ودودة دائماً معه، إلا أنه يدرك حتمية قدوم اليوم الذي ستنسى فيه (لينا) كل ما فعله من أجلها، ليس لأنها جاحدة، بل لأن الحياة تحتم حدوث ذلك، أن تبذل جهوداً هائلة فتحصل على النتيجة المتواضعة.

كلاهما، الأب وابنته، نشاهدهما وهما يحلمان بكوابيس، فيستيقظ الأب من كابوسه الذي يغرق فيه منادياً على زوجته (ميلاني)، حيث يحمل الغرق في الحلم رمزية قوية، فزوجته تركها في فينيسيا، المدينة العائمة. بينما، وقبل غرقه، يلتقي بملكة جمال العالم، وهي عنوان للجمال بل صورة متحرّكة له تسير بالاتجاه المعاكس لخطوات (فريد) وكأن صرح الخلود المنشود الذي تصبو إليه بخطى واثقة كان (فريد) قد حسم أمره بشأنه وخلّفه وراء ظهره وانطلق، وهو ما يتناسب مع إصراره على عدم كتابة مذكراته رغم الطلبات الحثيثة التي وُجهت إليه، ليكون رده الوحيد “دعهم ينسوا أمري”. أما ابنته فتستيقظ من كابوسها لتجد والدها بجوارها. كل منهما أصبح لا يملك إلا الآخر.

يغرق (ميك)، المخرج الأمريكي الكهل، في شباك ذاكرته عندما يختار بطلة فيلمه لتكون رفيقة دربه، برندا موريل، البطلة الشهيرة والتي كان سبباً في دخولها عالم الشهرة، فيجمعهم (سورنتينو) في لقاء أسطوري تفصح فيه (بريندا) عن عدم رغبتها بالعمل معه بحجة سوء جودة أعماله مؤخراً، ولأنها ترغب بالاتجاه نحو الأعمال التلفزيونية “لأنها المستقبل” كما تقول. بحثها عن المستقبل كان في مقابله بحث (ميك) عن الماضي، عن التاريخ والعمر الذي جمعه بها لينتهي به المطاف وحيداً وقد قررت المرأة التي رافقته 53 عاماً، عبر 11 فيلماً، أن تتخلّى عنه للأبد، وبطريقة مهينة. هذا ما تفعله أحياناً الذكرى بالمرء، وهذا ما فعلته بـ (ميك) الذي يذكر كل لقطة قام بتصويرها لكنه لا يذكر شكل والديه.

تحضر ثنائية الشيخوخة والشباب في الفيلم على مستوى الشكل والمضمون. فنرى في مشهد مهيب الآلية التي يتحرك فيها كبار السن في المنتجع من أجل الحصول على ما فاتهم فعلياً، فهم الآن يهتمون بجسدهم بينما نشاهدهم عراة يجلسون بجوار بعضهم البعض دون أن ينظر أحدهم للآخر، في مواجهة قاسية وصريحة من (سورنتينو) لعلاقتنا مع الجسد في الوقت الذي انفصلت فيه (لينا) عن صديقها بسبب مشاكل تتعلق أيضاً (بالجسد) لكنه هنا الجسد اليافع.

صمت رهيب يسبق خروج اسم الفيلم (شباب) بعد انتهاء الحركة الآلية للمتقدمين بالسن وهم يبحثون عن الأمل المفقود في إيجاد ما لا يمكن الوصول إليه. لكن التعامل في ثنائية الشيخوخة والشباب كان أعمق عندما تناول الفيلم دواخل كل شخصية وهي تمارس تناقضها، قبل أن تصل إلى مرحلة من الرضا عن الذات. يتجسد هذا في علاقة (لينا) مع (لوكا) متسلِّق الجبال، فهي يافعة وهو عجوز، استجمع قواه ليتحدث إليها رغم وجود منافسة قوية أمامه تتمثل بشاب كان ينظر إلى (لينا) أيضاً، فكانت علاقة غريبة جمعت بين متسلق يجد حريته في تلك الهواية، بينما تجد الفتاة خوفها في نفس الرياضة.

يتحدث (فريد) مع (جيمي) حول الحرية، ليخبره بأن الحرية هي “إغراء لا يمكن مقاومته”، خصوصاً وأن (جيمي) الذي ارتبط في أذهان الناس بدور (مستر كيو) الآلي الثقيل، قد اختار الآن أن يكون حراً، فلعب دور (هتلر) داخل المنتجع دون أن يكون هناك تصوير، وجمهوره هو رواد المنتجع أنفسهم. وفي المصعد تزيل امرأة عربية برقعها، وزوجان يمارسان الجنس بين الأشجار في مشهد عبثي يشير إلى الاغتراب، ومارادونا الذي يلعب الكرة وحده في ملعب بعيد عن الجمهور. الجميع هنا يحاول الهروب من نظرة الآخرين، والتصورات المسبقة والمحددات المبنية على توقعات قد تسبب الإحباطات. حتى النهاية التي آلت إليها شخصية (ميك) كانت الحرية في صورتها التي لا نحتملها، لكنها مازالت مغرية.

مُستمرا في تلاعبه بمشاعر المتفرجين، يمثّل سورنتينو في هذا الفيلم لاعب “اليويو” بينما يكون المُشاهد هو القطعة الدائرية التي تتحرك صعوداً وهبوطاً بشكل متكرر. إلا أن سورنتينو يفعل ذلك بدافع الحب الخالص لمتابعيه، فهذا لا شك، واحد من أصدق أفلامه، وأكثرها قرباً للقلب، وعلى عكس فيلمه الأخير، فإن (شباب) لقي انقساماً حادا بين النقّاد، ولم يحظ بإشادتهم كما حصل مع فيلم (الجمال العظيم) رغم أنه كان، من وجهة نظر أخرى، فيلماً عن “روما فيلليني” دون روح فيلليني. أمّا في هذا الفيلم فإن سورنتينو يحقق تناغمه الأقوى، ليعطينا هديةً ستبقى عالقة في الأذهان لما تصل إليه من موازنة بين حزن الأفراد وبهجة المكان مع تجاوز بسيط للغة السينمائية التي حاول تعميمها على أفلامه لتظهر هنا أكثر متانة ومواءمة.

نشر على موقع الجزيرة الوثائقية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s