الحياة خارج حدود الليدن والسيجارة: غزة كما يراها عادل المشوخي

dff

ملاحظة: يعتمد مدى تقبّلك لهذا النص على مقدار ما تملكه من حس دعابة.

نُشر على فيسبوك بتاريخ 22 يناير 2016

انتشر قبل سنوات في قطاع غزة رابط لأغنية بعنوان “الليدن”، والليدن كلمة تعني “العلكة” باللهجة المحلية لسكان غزّة. للوهلة الأولى لم أتوقف عن الضحك، لكن بعد المشاهدة العاشرة للفيديو كليب، أيقنت أننا أمام فنان حقيقي لا يمكن إلا أن نتنبأ بسماع اسمه على كل لسان خلال وقت قريب. فالأغنية تحمل لحناً أصيلا، ولو انها تشبه في بعض مقاطعها اغنية old macdonald had a farm الشهيرة، لكن تلك الأصالة في الألحان رافقها قوة في الكلمات، فالرجل هنا يغني بكلماته الخاصة عن همومه البسيطة، ودورة حياته المتكررة برتابة في قطاع غزة، والتي يمكن من خلالها اعتبار الاغنية مقدمة لثورة تهكمية ضد انعدام الحياة خارج حدود “الليدن” والسيجارة، فالمغني يسير معنا في قصته التي تبدأ وتنتهي بالليدن: نمضغ الليدن كي نشعر بطعم السكر، والسكر نضعه على الشاي، ونشرب الشاي مع السيجارة، ومن أجل إزالة رائحة السيجارة من فمنا نمضغ الليدن من جديد. بهذه البساطة وبالأداء الطبيعي كان فيديو كليب أغنية الليدن، لكننا لسنا هنا اليوم للحديث عن هذا. يقف التاريخ أحيانا أمام بعض القامات الفنية عاجز عن التعبير، وأحيانا يفشل في تفسير تلك الظواهر. يحضرنا اليوم يا سادة شخصية فذة وطموحة شقت طريقها بكل عنفوان قاصدة المجد، نتحدث اليوم عن ابن مدينة رفح البار عادل المشوخي.

في فيلمه القصير “حلّاق آخر موضة” يتناول عادل قصّة تراجيدية تدور احداثها في مكان واحد وهو صالون الحلاقة الذي يملكه “علي” الشخصية الرئيسية في الفيلم. يظهر “علي” بصورة يبدو من خلالها وكأنه مستوحى من إحدى شخصيات “عادل إمام” الشهيرة من فيلم “رجب فوق صفيح ساخن”، والتي تتشابه مع شخصيات أُخرى كان قد أداها “عادل امام” فترة الثمانينيات. يقوم “علي” بأداء دوره الطبيعي كحلّاق يدرك أهميته وسلطته على الناس طالما أنهم قد دخلوا صالونه، وكمعظم الحلاقين فإنه لا يصمت على الاطلاق، لكن هذه المرة فإن كلامه مصحوب بدرجة عالية من الإيجو، فهو لا حب أن يناديه أحدهم باسمه لكنه يفضل أن ينادونه مثلا “تاريخ”. هذا الفيلم تحديدا يمكن أن نطلق عليه family business فكل الأسماء هي لعائلة “المشوخي” كما يظهر في نهاية الفيلم، عدا المونتاج، فيبدو أنهم عائلة غير تقنية بالضرورة. يُحسب للفيلم مشهد النهاية، والذي جاء على غير المتوقع كوميدياً.

تطورا ملحوظا نشاهده في العمل الأخير للفنان عادل المشوخي، في فيلم “المدمن”، 26 دقيقة، حيث يظهر التنوع الكبير في طاقم العمل، والاهتمام بالاضاءة وزوايا التصوير والمكياج. يشارك في البطولة “بطاطا” الذي يبحث عن حبة من مخدر “ترامادول” لدى “علي” والذي يلعب دوره “عادل المشوخي”، وعندما يتفقان على خطة محكمة يقترحها “علي” (لانه المخ وبطاطا هو العضلات) يذهبان لتنفيذها، وهنا يبرع مخرج العمل ومصوّره “زياد الشاوي” في التمهيد لمشهد تنفيذ الخطة عندما يقوم بتعريفنا على الشخصية البغيضة صاحبة محل البقالة “أبو شكري” الذي تدور بداخله الأحداث، عبر لقطة بسيطة لشاب يريد شراء سيجارة بتكلفة شيكل واحد ليكتشف أن سعرها قد ارتفع لشيكل ونصف.

لقطة من أحد أفلام عادل المشوخي

لقطة من أحد أفلام عادل المشوخي

كانت السمة الملازمة لأفلام عادل المشوخي هي وجود أفراد عاديون في خلفية العديد من المشاهد يضحكون طوال الوقت، ولا يأبه “عادل” لهذا الأمر كما يتضح فهو يقوم بتأدية العرض أمام الكاميرا وأمام الجمهور على أرض الواقع، فيجمع بذلك بين المسرح والسينما، وكأننا أمام “جورج ميلييبس” جديد. الأفكار دائما لدى “عادل المشوخي” أصيلة ومبتكرة، ويمكن أن نطلق عليها انها “بنت الحالة” التي شكّلت عادل المشوخي نفسه. عندما يسأله أحد الأصدقاء في فيلم “المدمن“: من ايش تعبان؟ يرد عليه: في ناس بتتعب من اللي حوليها.. اما أنا تعبان من نفسي. هنا “علي” مدمن الترامادول والذي كاد أن يودي بحياته يعاني أيضا من أزمة وجودية، ويبدو على مشارف الاكتئاب قبل أن يعود بنا المخرج لكوميدية المشهد، وهنا يمكن تناول تلك الكوميدية بشيء من المراجعة، فالكوميديا هنا لا تعتمد على النص لكنها تعتمد على الأداء، فيمتل الفيلم بمواقف “طريفة” بينه وبين صديقه “بطاطا” تعتمد بشكل أساسي على حركة الجسد.

ينتشر على الانترنت عدد من الاعمال الاخرى لمجموعة الاتحاد للانتاج الفني، من ضمنها فيلم العميل والذي يتحدث من خلاله عن الدور الذي يلعبه العملاء أثناء الحرب عبر بث الاشاعات بين صفوف المواطنين واختراق عقولهم. وفي فيلم “المشاكس” يعبر عن فتى المدرسة المتنمر، بينما كان له تجربة طويلة مع فيلم “ترامادول” ليناقش من جديد موضوع المخدرات الطبية المنتشرة بكثافة في قطاع غزة. إلا أن الهم الوطني لم يغب عن مخيلة “المشوخي” فقام بأداء أغنية “جلعاد شاليط” وهي أغنية تحمل فكرة لطيفة لحوار مُتخيّل بين الجندي الاسرائيلي الذي وقع في قبضة المقاومة في غزة “جلعاد شاليط” وبين أحد أفراد الخلية التي قامت بأسره. كما ساهم بأعماله الفنية بتعزيز الحالة النفسية العامة التي رافقت الهبة الأخير فقام بأداء فيلم قصير بعنوان المواجهة، والقاء شعري بعنوان “سامحيني يا قدس”.

“عليك السلام أيها الدنيا ان لم يكن فيك صاحب أمنحه الحياة وأقبل الثرى تحت خطاه” بهذه الكلمات ينهي “المشوخي” أحد أفلامه القصيرة عن الصداقة والصديق، ولا يبدو أنه سيتوقف عن انتاج هذه الأفلام في الوقت القريب، فالمتابع لصفحته على يوتيوب سيعرف أنه نشيط جدا، فقط ليتركنا ونحن نأمل بأن يكون لدينا ربع ما يملكه من حماسة تجاه الأشياء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s