السخرية والحديّة في خطاب مالكوم إكس

كان مالكوم اكس من نوع الرجال الذين يمكن وصفهم بأنهم يجذبون المشاكل إليهم أينما حلوا، لكنه كان بوصف آخرين شخصية قيادية ذات أفكار قوية وخطاب حاد يجعل من شأنه أن يتحلّق حوله الناس لسماع كلماته. لم يكن مالكوم اكس سليط اللسان فحسب، لقد كان مهتمّا بإقناع الآخر عبر الأمثلة والقصص القصيرة، كان يتعامل مع “الرجل الأبيض” كعدو، لكنه تعامل معه أيضًا كأحمق يجب شرح البديهيات له حتى لو كان قد طلبها الأخير ببعض الوقاحة. فكان خطابه واضحًا بشكل جلي، مباشر ومُحدد. ظهر ذلك على الدوام، وخصوصاً في مقابلة تلفزيونية عام 1963 سأله فيها المذيع عن “إسمه القانوني” قبل أن يكون اسمه مالكوم إكس فكان رده تفصيليًا يدعو للضحك والانتباه لسذاجة السؤال، فيقول: هل يمكنك أن تتخيل آسيويًا اسمه جورج؟

في المقابل فقد تعامل مالكوم مع مارتن لوثر كينغ واتباعه بكثير من الاستهزاء، ولكنه أيضًا كان استهزاءا مفصّلًا، فيقول في إحدى خطبه الشهيرة معقبًا على سياسة “الاعتصام” التي يتبعها “كينغ” في تحرّكه السلمي: إذا كنت أسودا فعليك أن تفكر كأسود، أما إن كنت أسود ولا تفكر كأسود حتى الآن فأنا أشعر بالأسف لحالك! عندما تغيّر فلسفتك تغيّر طريقة تفكيرك، وإذا غيرت طريقة تفكيرك تغير مواقفك، وعندما تغير مواقفك تغير سلوكك.. وهنا نستطيع الشروع في العمل الجاد. أما إذا واصلتم فلسفة “الجلوس” فسيستمر أسلوب تفكيركم في تبني الخنوع..وإذا ما حصل ذلك فإنهم سيجلسون عليكم أينما حللتم! ليس من الجيد ان تصفوا الأمر بانه “حضاري”، إن ذلك “يخصيكم” فورًا ويقضي عليكم تمامًا، ما العبقرية في كون شخص ما يحتج جالسًا؟ المرأة العجوز تستطيع الجلوس، وكذلك الرجل العجوز، المغفل يستطيع الجلوس، الجبان يستطيع الجلوس، أي شيء يستطيع الجلوس.. جلسنا بما فيه الكفاية وحان الوقت اليوم لنقف ونقاتل كي نحصل على حقوقنا.

أعتبر هذه الخطبة “التصويت أو الرصاصة” في 3 ابريل 1964، والتي قال فيها أجمل تعبير عن عنصرية الدولة الأمريكية: “كل ما يقع إلى الجنوب من حدود كندا هو الجنوب” في إشارة إلى الولايات الجنوبية المهزومة في الحرب الأهلية والتي تميزت بعنصريتها الشديدة ضد السود. هي الخطبة الأقرب إليّ.

برع مالكوم في استخدام الفلسفة من أجل التأثير على أتباعه، فهو يعلم جيدًا الطريقة التي يصنع عبرها الإعلام “الأبيض” الصورة المثالية عما يريد، بينما يزرع الشك والكره في نفوس السود تجاه أنفسهم، فكان من دعاة نبذ هذا الكره، والتصرف باعتزاز، فشخص يكره نفسه لا يمكنه أن يقدّم أو يؤخر تجاه قضيته الأساسية. ولربما كان لهذا علاقة مباشرة بثنائية “عبد الحقل وعبد المنزل” التي طرحها ذات يوم، فعبد المنزل الذي يعيش بالقرب من سيّده الأبيض ويحبه أكثر من حب السيّد لنفسه، ويأكل من طعامه ويلبس من لباسه، وإذا ما مرض سيّده فإنه يمرض معه، يحافظ بكل قوته على ممتلكات سيّده. في المقابل دائما هناك عبيد أكثر في الحقل من هؤلاء داخل المنزل، لدينا عبد الحقل، وهو رجل ليس لديه ما يخسره، يرتدي أسوأ الملابس ويأكل أسوأ الطعام، ويكره السيّد، فإذا ما اشتعلت النيران بمنزل السيّد فإنه يصلّي للرياح كي تهب عليه. لم يكن استدعاء مالكوم لهذه القصص عبثيّا، فهو هنا يختتم قصته بقوله “انا عبد الحقل” الذي يكره سيده ولا يتمنى له إلا كل شر كي تنتهي عبوديته هذه.

بهذا يذكّر دومًا بأنهم في القرن العشرين وبرغم كل ما تدعو به أمريكا نفسها بأنها أم الحرية والتحرر فإنهم مواطنون من الدرجة الثانية. كما تأتي هذه القصة لإسقاطها مباشرة على واقعهم، فالتعامل مع الحكومة الأمريكية لا يجب ان يكون إلا مثل التعامل مع سيّد المنزل، فهي ليست “حكومتنا” بل “الحكومة” وإذا ما انهارت فإننا لن ننقذها، وإذا ما قررت أن تخوض حربا فإننا نخوضها عنها.

عارض مالكوم اكس حرب فيتنام ودعا السود لمقاطعة الجيش والعصيان على أوامر التجنيد وقد سانده العديد من رموز السود الأمريكيون، وقد استخدم في معارضته هذه كل الحديّة الممكنة من أجل مواجهة ما يسميه عقدة الرجل الأبيض، ومواجهة الارسال الإجباري للحرب، ففي خطبة “حرب فيتنام” عام 1963 يقول” إذا كنتم أغبياء إلى هذه الدرجة، وبالرغم من كل ما تعرفونه، فاجعلوا الرجل الأبيض يلبسكم ملابسه العسكرية، ويرسلكم عبر البحار للقتال والموت نيابة عنه! إذا كنتم أغبياء فاذهبوا إلى الجحيم وقاتلوا!” داعيا إلى القتال في المسيسيبي من أجل حقوقهم على أن يهدروا طاقتهم في حرب لا يعرفون سبب وجودهم فيها.

براعته الغوية الرهيبة مكّنته من التلاعب بالألفاظ فأثار بذلك حماسة السامعين، فخطبة “التصويت أو الرصاصة” بالانجليزية تعني The Ballot or The Bullet، وإذا ما أراد الدعوة إلى العنف فإنه لا يقوله بشكل مباشر بل يعطيه مسحة من السخرية فيقول مثلًا Its time to stop singing & start swinging في إشارة تهكمية إلى الغناء الذي يمارسه أتباع مارتن لوثر كينغ في احتجاجاتهم، ومذكّرًا بأن صديقه “محمد علي” لو قرر الغناء لما كان يذكره أحد اليوم كأفضل ملاكم في العالم. لم يسلم أعداءه الشخصيين من لسانه رغم أنه لم يتوجه لهم بغير الكلام، فقبل إغتياله بأسبوع كان قد تعرض لمحاولة اغتيال عبر تفجير منزله من قبل أفراد ينتمون لجماعة المسلمين السود، وهي نفس الجماعة التي اغتالته، فقال في تصريح صحفي عن “إلايجا محمد” زعيم الحركة: لا يمكن هزيمة رجل مجنون في السبعين من عمره ويحيط به فتيات مراهقات!

الفيلم

أتفق مع رأي “حمد العيسى” مترجم خطابات مالكوم إكس إلى العربية وجامعها في كتابه “النصوص المحرمة ونصوص أخرى” بضعف الفيلم الذي تم انتاجه عنه وهو من بطولة دنزل واشنطن، أحد الممثلين المفضلين مهما كانت ادوارهم، فهو فيلم جيد لمن لا يعلم أي شيء عن مالكوم اكس، لكنه ليس مصدرا للمعرفة على الإطلاق ولن يكون، فالفيلم يواجه نقدًا بأنه أضاع اكثر من نصف وقته في حياة مالكوم قبل إلتزامه بالقضية التي وهب نفسه لها، متجاوزًا بذلك أهم الخطابات النارية والمواقف الخطرة التي يجدر الإشارة إليها، فالفيلم كان الصورة الملطّفة عن حياة مالكوم اكس التي لا تشمل كل ما كان يجب أن تشمله، فحاول المخرج “سبايك لي” أن ينقل السيرة الذاتية لمالكوم اكس والتي كتبها أليكس هاليي بعنوان “مالكوم اكس السيرة الذاتية“، إلى فيلم يحمل بين كادراته نفس الثقل الذي حملته تلك الصفحات المذهلة عن حياة الرجل لكنه لم يفشل تمامًا، لم يكن الفيلم مساويًا للكتاب لكنه كان طموحًا ومعقدًا كحياة مالكوم اكس رغم أنه لا ينجح قرب نهايته من جعل الأمور تبدو وكأنها نتيجة حتمية، يسرف “لي” في تبجيل الرجل من خلال سرد رتيب وممل للأحداث متناسيّا البعد الدرامي المطلوب للوصول إلى النهاية المعروفة للجميع باغتيال مالكوم اكس قبل أن يكمل رحلته الخاصة والذاتية، والتي يبدو كل شيء هامشيًا إلى جوارها، من أجل الحصول على التنوير المعرفي الفكري والروحي المطلوب.

 

Advertisements

فكرة واحدة على ”السخرية والحديّة في خطاب مالكوم إكس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s