كيف نتعامل مع موروث حسين برغوثي الأدبي

بتُّ أدرك بشكل قطعي أن مرتبة “الإله” التي نمنحها للأديب الفلسطيني حسين البرغوثي، تضر أكثر مما تنفع، وأنها أول من تضر هو الراحل حسين نفسه. عندما انظر إلى أسباب تحوّل الموروث الأدبي المتواضع لحسين برغوثي إلى “ترند” منذ بضع سنوات فإنني أُحال إلى سببين لا ثالث لهما (ونحن هنا لا نناقش نتائج هذا الانتشار المحمود لكتب حسين برغوثي بقدر ما نحاول فهم السياقات التي جاء من خلالها). أما وقد صار السبب الأوّل معروفًا على مستوى واسع فإن السبب الثاني لن يعجب الكثيرين. فكان السبب الأول هو حالة التسلّق التي مارسها عدد من المحيطين بحسين في أيامه الأخيرة، حالة لا تنفصل على الاطلاق عن ضعف في البنية الأدبية الفلسطينية بشكل عام. ضعف وركاكة كان يجب التعويض عنهما بالتسلّق على ما قام الآخرون بإنجازه. ليتحوّل حسين من كاتب رائع إلى كاتب إله، وهنا يمسك القارئ المتحمس ببدايات التناقض عندما يحاول تقييم نتاج الرجل من منظور القارئ العادي لا القارئ الذي ينتمي إلى القطيع.

إن الانتماء إلى القطيع هنا ليس شتيمة، فنحن دومًا في قطيعٍ ما وإن اختلفت السُبل، قطيع تقوده مراكز المال وقطيع تقوده قوى الثقافة وقطيع تقوده الدولة وغيرها من القطعان التي لا يتعارض أحيانًا أن تكون في أكثر من واحد منها. فكان القطيع الخاص بحسين يقوده زمرة من المحيطين به، والذين حاولوا الامساك بزمام الأمور حتّى على مستوى عائلته الصغيرة بعد وفاته، فنتج قطيعًا تحوّل خلال فترة زمنية قياسية إلى بوق لن يهدأ أبدًا.. وإنها والله لورطة.

أما السبب الثاني لتفسير ظاهرة الاحتفاء الشبابي بحسين برغوثي فهو افتقار المعرفة، وهي سمة عامة للمثقفين الشباب (وأنا لستُ واحدا منهم، أقصد المثقفين لا الشباب طبعًا) و صفة عامة خطرة للقراء (وأنا لست واحدا منهم) وهي صفة فيها من الادعاء والجهل الكثير، وتتلخص بقيام الفرد بمحورة حياته حول الكتاب الذي انهاه للتو، فيقتبسه في كل كلامه وكتاباته، ثم يكتشف كاتبًا جديدًا لم يقرأ له من قبل، فيتقمص شخصية ذلك الكاتب دهرًا من الزمن، ليفقد مع الوقت أي معنى وشخصية كان من الممكن تكوينهما، لينصهر بين هذا وذاك بلا جدوى أو قيمة حقيقية سوى أنه “يفعل” و“يباشر” الفعل و“ينهي” الفعل، وأن كل هذه الأمور تحتاج إلى جمهور كي يشهد عليها.. ها أنا أقرأ.. ها أنا أنهي القراءة.. ألا من مشجّعين؟

إن وضع حسين برغوثي على طاولة النقد سيكون أفضل من وضعه على كرسي العرش، فحينها فقط يمكن لمحبي حسين أن يفهموا شخصيته بحقّ، فحسين المتفلسف الذي عاش ومات مبكرًا يبدو أهم من حسين الأديب، وإذا ما قرأنا سيرته الذاتية مرتبة زمنيًا حسب فترة وقوعها تاريخيًا (أي ابتداءا من الضفة الثالثة وانتهاءا بسأكون بين اللوز) فإننا سنقف أمام ملحمة عظيمة نرقب فيها تحوّل شخصية حسين برغوثي خطوة بخطوة، متغاضين عن عثراته الأدبية إن وجدناها. في سيرته الذاتية تلك لم أشعر بأن حسين هو الشخص الأهم، بل كانت الشخصيات الثانوية أكثر أهمية منه، ولا أعتقد أن هذا كان خللًا، بل انه كان مقصودًا والله أعلم. يصل حسين في نهاية رحلته إلى حالة فريدة من التوحد مع الطبيعة، والرضا عن الأشياء، حالة عظيمة تقول بأنه رجل قد وجد “الطريق” أخيرًا، وجد “سببه الرئيسي” فعرف فاستراح. إن تناول حسين كشخص عبّر عن ذاته التي عاشت ولم تستطع حسم حياتها من أجل أي شيء في الدنيا، فبقي “مشتتًا كالندى فوق العشب”، قبل أن يستقر المرض فيه فيهدأ معه، لهو أعظم من تناوله كأديب. بيد أن حملة الترويج لحسين التي قادها رفاقه (المعروفون لدى الجميع) لم تكن حملة لأنه “حسين” بل حملة لما “كتبه” حسين.

كل ما ندعو إليه هو أن نحاول الامساك بالخط الفاصل بين حسين الكاتب وحسين “البسيط جدًا والذي يُساء فهمه دائمًا” الذي بقي يقاتل شبحًا خاصًا به، “فوقف في داخله في المكان الصحيح، فكان حيث يقف هو المكان الصحيح”. لذا، فإنني أرى على عكس الجميع، أن أهم ما قدّمة حسين برغوثي هو كتاب “سقوط الجدار السابع” وهو أهم بالنسبة لي من كل كتبه الأخرى، بل انه الأقرب إليَّ، ليس لأنه حمل أفكارًا جديدة مثلًا أو أن لغته كانت أقوى، بل لما حملني للوصول إلى حالة من التوحد مع أفكار حسين هناك، عدا أنني لم أقرأ الأعمال الشعرية إلا بعض مقتطفاتها وقد كانت مبشرة بوجود موهبة حقيقية. وإن كان كتاب “سقوط الجدار السابع” يواجه لدى المهتمين بالفلسفة نقدًا عميقًا، لكنه نقد يثريه ويحوّله إلى “أنثى عارية في موسم حج وثني”، وهذا ما لن تستطيع بقية كتبه أن تفعله، مهما تغنّينا باللوز أو بغيره.

إغتال المرض حسين برغوثي، فرحل مبكرًا ليتركني بإيمان كامل بأن العمل الأجمل لحسين برغوثي هو العمل الذي لم يكتبه بعد. ذات مرة قال أحد الأصدقاء أن حسين هو (أهم من كتب الرواية فلسطينيًا)، وهو أمر لم أستطع التأكد منه لعدم قراءتي كل ما كتب حسين آنذاك، هل يعقل أن كتاباته الأدبية أهم من كتابات اميل حبيبي (مهما اختلفنا معه) أو جبرا ابراهيم جبرا، الذي أعتبره الأول فلسطينيًا على مر الزمان؟

اليوم وأنا أشكك في كون صديقي ذاك قد قرأ حسين حق القراءة، أو كان مطلعا على الأدب الفلسطيني حق إطلاع، فإنني أقف على مسافة من هذه المقولة المسيئة لحسين نفسه قبل أي شخص آخر، وقد رأيت القطيع وقد امتد ليصل إلى باحتي الخلفية متسلّقًا أسوار حصني منبّها بمدى هشاشة هذا الحصن، وأقول “أحيانًا اللطف مع الناس جريمة ضد النفس”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: