قلم حمرة.. فلسفة الفناء والوجود

هناك جملة على لسان شخصية (ورد) التي تلعب دورها الفنانة سلافة معمار من المسلسل السوري(قلم حمرة) تقولها لشريكتها في السجن الإنفرادي الذي لم يعد كذلك منذ قدوم (صبا) إليه، حيث تنتمي الأخيرة إلى جموع المتظاهرين في بداية الثورة السورية وتمثّل كل ما هو معاكس لشخصيّة ورد في المسلسل، ليكون وجودهما الاضطراري في مكان واحد، والذي لم يكن ليحدث في حال كانت الأمور على طبيعتها؛ كسر لكل ما هو متعارف عليه في تكوين العلاقات الاجتماعية خارج حدود هذا السجن.

في تلك الجملة تعبّر ورد عن رؤيتها الفلسفية حول الحياة والموت، فتقول “الشي الوحيد اللي بيعطي الحياة قيمتها الحقيقية انها بتوقّف في الأخير، الشي اللي بيعطي الحياة معنى انه فيها موت”. كانت هذه النتيجة التي عرضتها (ورد) هي نفس ما توصّل إيه (جلجامش) أشهر بطل ملحمي لما يعتبره الكثيرون أقدم قصّة كتبها الانسان: ملحمة جلجامش السومرية. وهي ملحمة تروي قصّة بحث جلجامش عن سر الخلود، لكنه لم يكن سعيًا من مهزوم بل من بطل يملك من القوة والتحدي الكثير. يعتبر العديد من الدارسين أن هذه الملحمة هي الأصل لكل الديانات التي عرفتها البشرية نظرًا لتشابه أحداثها مع تعاليم الأديان السماوية وطرق نشوءها، ولتشابه قصة (اوتنابشتم) الخالد الذي لا يموت، مع الأحداث التي روتها الديانات السماوية عن النبي (نوح) وسفينته وأمور اخرى.

“انظر إليك يا اوتنابشتم 
شكلك عادي، واراك مثلي
نعم شكلك عادي، واراك مثلي”

يملك جلجامش فلسفته حول الموت، فهو يرى بأن الموت المحتم للإنسان مهما بلغت عظمته وقوته لا يدفع إلا باتجاه واحد، وهو ان “يفعل” الانسان، قبل أن يموت. أو كما يقول غسان كنفاني “ليس المهم ان يموت الانسان، أن يحقق فكرته النبيلة.. بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل ان يموت”. وفي هذا رفض للسكون والتسليم والخنوع، لتكون في الوقت ذاته هي فلسفة جلجامش حول الحياة أيضًا. فعندما ضاعت منه نبتة الخلود، وأكلتها الأفعى (ذات الأفعى التي نراها على شعار الصيدليات) حصل على لحظة إدراك عرف فيها أخيرًا راحته عندما تيقّن أن المعرفة تهب الحياة مذاقها وأنه لم يعد يطلب الخلود الذي حارب طويلًا من أجله.

يفكّر أندريه يفيمتش، الطبيب في رواية “عنبر رقم 6” لانطون تشيخوف، بأنه لا داعي لانقاذ الناس من الموت طالما أنه النهاية المشروعة لكل إنسان. بل انه يرى انعدامًا للجدوى من وراء محاولة تخفيف الآلام، فهي – الآلام – تفضي بالانسان إلى الكمال، عدا عن أن تخفيفها بالأدوية والقطرات سيتسبب في هجر الناس للدين “الذي لا يعتبر مجرد حماية من شتى المصائب بل سببًا للسعادة كذلك”. بينما يصدمنا جوزيه ساراماجو بجملة تراجيدية مذهلة في بداية روايته “إنقطاعات الموت” ليقول في الجملة الأولى منها “في اليوم التالي لم يمت أحد”، وهي جملة ستبدو لوهلة بأنها رائعة خصوصًا لمن يتمسك بالحياة إلى حد حبه للخلود، لكننا نكتشف أن انقطاع الموت لن يكون إلا كارثة تحل على الجميع، وأن الحياة لا تكتمل إلا بالموت، فلا يستطيع أحد أن يستوعب أن الموت قد يتخطى في يوم من الأيام كبار السن مثلًا، أو أن المستشفيات لم تعد قادرة على استيعاب مرضى لا يموتون، فيثير غياب الموت فوضى لا مثيل لها. ومع ذلك فإن الأديان راعت رغبة الانسان في الخلود لنجد (صبا) تحاجج بأنها ستنال الخلود لكن ليس في هذه الحياة بل في الحياة الآخرة، وهو أمر جيد طالما أنه لن يتسبب في تفجيرنا في يوم من الأيام بدعوى الخلود. إن الخلود مرتبط على الدوام بالحرية، فدعوى الخلود بعد الموت هي دعوة للحرية، وممارسة الحرية في الحياة هي طريق للخلود المعنوي.

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – آل عمران185. إن هذه الآية القرآنية هي أكثر ما يبعث في النفس الطمأنينة. فانشغال الفلاسفة في ما بعد الموت، واختلافهم  حول فكرة الخلود أو الفناء، يتلاشى عند حدود هذه الآية، فسؤال الخلود أو الفناء ينتهي بمجرد وقوع الموت، أي أن القلق حول ما بعد الموت لن يستمر إذا ما جاء الموت فعلًا، إذا متنا الآن فنحن إما نُخلّد أو نفنى، وفي كلا الحالتين فإن هذه قضية ليست على درجة من الأهمية طالما أننا مازلنا نتنفّس فوق الأرض.

في قرب نهاية الحلقة السادسة من مسلسل قلم حمرة يجري هذا الحوار بين ورد وصبا، ليعبر عن شخصية كل منهما ببساطة شديدة تجعلني أقف تبجيلًا للكاتبة يم مشهدي التي منحتنا عملًا (خالدًا) لا يفنى أبدًا. فتقول ورد: 

– “أخيل” في فيلم طروادة بيقول ان الآلهة بتحسدنا لانه نحنا فانيين.
–  استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم.
–  مجاز، والله مجاز.. ما قصدت شي اله علاقة بالإلحاد.

الجدير ذكره أن “يم مشهدي” كاتبة سيناريو سورية لها مسلسلات عدة تتشابه في خطّ ابداعها اذكر منها مسلسل “تخت شرقي”. في مسلسل قلم حمرة البطلة ورد كاتبة سيناريو تسجن على يد النظام السوري بداية الثورة عام ٢٠١١ بعد مشاركتها في احتجاجات يستمر سجنها عدة أشهر تُمنع خلالها من الاستحمام أو رؤية أي شخص من معارفها. هذه القصة هي ما حدث مع يم مشهدي بداية الثورة السورية حقيقةً، فقد سجنت وقامت بصايغة فكرة مسلسل قلم حمرة في سجنها. وهذا ينفي الانتقاد الموجه للعمل بكون لقطات السجن عبارة عن حشو لا طائل منه، فهي هنا تكسر البعد الرابع مرتين وتحقق مجزة حقيقية تجعل هذا المسلسل على قائمة أفضل 5 أعمال سورية من العقد الأخير بلا نقاش.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s