الفيسبوك: موجز تاريخي للكذب

إسلام السّقا

حرره: رضا حريري

بات انهيار الفيسبوك بصورة أبديّة، واحداً من أمنياتي القليلة في هذه الحياة. أن نستيقظ جميعاً وقد عاد كل منّا إلى موقعه الطبيعي، مع نفسه ومع الآخرين.

رغم معرفتي بأن زوال الفيسبوك يعني بالضرورة أن يحلّ محله ما هو أكثر سوءاً منه، إلّا أنّ هذا الوافد الجديد لن يكون على الأقل ضمن اهتمامات جيلنا الذي عانى بما فيه الكفاية مع Facebook. فإن كان الله سيحاسب هذا الجيل كما سيحاسب من سبقه أو لحقه من أجيال، فاسمحوا لي أن أدعوه إلهاً ظالماً.

يروي المخرج السويدي انغمار بيرغمان في فيلمه Persona  1966 قصّة ممرّضة تشرف على مريضة أصابها الخرس فجأة، لتكتشف لاحقاً أن اندماجاً غريباً يحصل بينهما بصورة مربكة ومريعة إلى حدٍّ ما. يستدعي هذا الفيلم فكرة كارل يونغ عن الشخصية المظهرية  أو (البيرسونا).

في هذا المقطع القصير يشرح يونغ معنى هذا المصطلح ضارباً المثل بطبيب وطريقة تفاعله مع المجتمع. الطبيب مثلاً لديه طريقة خاصة للعيش، فهو يتصرف كما يُتوقع من طبيبٍ أن يتصرف، بل إنّه يعرّف عن نفسه على ذلك النحو ويصدّق تماماً ما يظهر من شخصيته. عليه أن يظهر بشخصيّة معينة وإلا فلن يعود الناس للتصديق بأنه طبيب. الطبيب هنا مجرد مثال على كل فرد منّا. بالتالي فإنّه من الممكن تعريف البيرسونا، أو الشخصية المظهرية، بأنّها القناع الذي نرتديه في العلن ويقف على النقيض مما نحن عليه في الحقيقة.

يرى يونغ أن البيرسونا أمر طبيعي تماماً، بل إنّها النمو النفسي المتوقع بين الفرد والمجتمع. إلّا أنّ المشكلة قد تقع إذا ما تحوّل هذا القناع ليكون هو الأصل دون دراية من صاحبه. يملك كلّ منّا عدداً من الشخصيات المظهرية، فأنا كابن لستُ أشبه أنا الصديق، أو كحبيب، أو كعامل، أو كزبون. كلّها شخصيّات مهمة وضرورية. لكن ماذا لو اخترت أن أعيش في واحدة منها للأبد؟ لن تسير الأمور على خير. هذا أكيد.

’’فلسفتي بهذا الشأن واضحة لا لبس فيها: لك أن تتمتع بأي وهم تشاء، ما دمت تعلم أنه وهم. ولكن، حالما تبدأ بالظن أن وهمك حقيقة فأنت في خطر.’’

جبرا إبراهيم جبرا/ السفينة

لكن ما علاقة هذا بالفيسبوك؟

في عام 1960، وضع الانجليزي وينكوت مصطلحاً جديداً في علم النفس أسماه “الذات المزيّفة”، وهو نقيض للذات الحقيقية. يقول وينكوت في تعريفه للمصطلح: “ممّا لا شك فيه أن الذات المزيفة هي بُعد من أبعاد الذات الحقيقية، تخفيها وتحميها. بل إنّها تطوّر طريقة لتجاوز فشل الاندماج والتكيّف مع بيئة معينة من خلال تطوير نمط آخر يتوافق مع الموقف الحاصل”. بهذه الطريقة تتجاوز الذات الحقيقية مغبة التورط في تفاعل غير محمود العواقب، بالتالي فإنها تحافظ على وجودها. نحن ندرك منذ صغرنا الفرق بين ما هو صحيح وما هو خاطئ. وإذا عرفنا الأمور التي من الخطأ إظهارها، مثل الغضب والحزن وغيرها، فإننا نتعلّم طرق إخفاءها والتظاهر كأنّ شيئاً لم يحدث. نُظهر الذات المزيّفة (ادعاء اللطف، المواربة والمجاراة، الخ…) من أجل حماية ذاتنا الحقيقية (مشاعرنا الدفينة).

كما رأينا مع يونغ، فإن وينكوت يرى بأن إظهار الذات المزيفة هو أمر طبيعي. إلّا أنّ المشكلة قد تقع إذا ما تم تجنّب إظهار الذات الحقيقية بشكل كامل. الذات الحقيقية هي التي تشكّل كل ما نشعر به وكل ما يصنعنا من الداخل فعلاً، فإذا ما تم إقصاؤها فإنها تشعر بما يمكن أن نسميه “الهجران”. وهو حالة الاعتماد الكلّي على “الذات المزيفة” ونسيان الذات الحقيقية، وهو ما يقود إلى اكتئاب خطير.

أعطي رجلا قناعا وسوف يصبح على حقيقته

 مجددًا، ما علاقة هذا بالفيسبوك؟ نود أن نطرح تساؤلاً في ضوء نظريات يونغ ووينكوت عن الشخصيات المظهرية والذات المزيفة: هل يحدّ الفيسبوك من طريقة تعبيرنا عن أنفسنا؟

إن وجود والدك وأختك وصديقك ومديرك وحبيبتك وابنك على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قد يكون مربكاً. ففي الماضي كان يمكنك أن تستدعي بيرسونا خاصة، وذات مزيفة مختلفة لكلٍّ منهم. أما على فيسبوك فقد لا تستطيع ذلك، إلّا إن قمت بضبط مستميت ودقيق لإعدادات حسابك على فيسبوك بحيث تظهر منشورات من نوع معين لأشخاص معيّنين ولا تظهر لغيرهم، وهكذا. الأمر الذي أجده مستحيلاً. معظمنا قد واجه موقفاً أراد فيه التعرّف على شخصية بدت مهمة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلّا أنّه صدم بشخص آخر مختلف تمامًا وقد يكون تافهاً مقارنة بما يبدر منه على فيسبوك. ولربما حدث العكس في مواقف أخرى.

لست هنا لكي أوفّر لك الإجابات بدرجة أولى، بل لأساعد على طرح الأسئلة الصحيحة فقط. هل تشبه شخصيتك ما يظهر منك على فيسبوك. لماذا نندم على نشر شيء وقد امتلكنا فرصة عدم نشره بالأصل. متى نتوقف عن التعامل مع طلبات الصداقة بهذا الارتياب الكبير. إن هذه الأزمات الحديثة هي تعبير واضح عن الصراع بين الذات الحقيقية والذات المزيفة لدى كلّ منا.

أحياناً نشعر بأنّنا أسرى لهذا الفيسبوك، للصورة التي شكّلها عنّا. يجب أن تكون كما يعرّفك الناس وإلّا فقدت قدرتك على الاندماج وأصبحت وحيداً خارج السرب. ربّما سيكون كل ما نفعله هنا وهناك هو من أجل الهرب من الوحدة والملل. الفيسبوك يصنعنا دون أن نعلم. نستيقظ ذات يوم وقد وجدنا أنفسنا اندرجنا تحت تعريف الفيسبوك لنا، فيصير لزامًا علينا أن ننحاز لتعريفنا، وإلّا تهنا وأصبحنا على حافة العدمية. علينا أن ننجو.

Advertisements

8 أفكار على ”الفيسبوك: موجز تاريخي للكذب

    • والله الموضوع كان مُأرق بالنسبة الي .بالأخر قررت اني اصير من الجماعة الصامته … بس بالنسبة للموضوع البرسونا حلومفكر فيه…

      إعجاب

  1. أزمة الشخصية المزيفة أكثر ارتباط بتويتر كونه مساحة تظهر فيه شخصية الفرد بشكل أكبر لأنه بعيد عن أزمة “الدوائر القريبة” الأهل العمل الخخ من أطراف التحكم، لا تبدو لي الأزمة على فيس بوك بهذا الشكل، الأزمة هناك بوجود أطراف التحكم والأشخاص الأقل تقبّل لتوسّع المساحات وقبول الفرد “كما يحب”، فيتم ببساطة “الاختباء” وحذف أجزاء، والالتزام بما هو أقرب للمقبول والاعتيادي والممل، الذي يعتبر بطبيعة الحال أكثر أمان، أقل مخاطرة، أبعد عن المشاكل.. وهكذا
    الفيس بوك موقع الخطوط الحمراء

    إعجاب

    • ممكن نقول انها ظاهرة مرتبطة بكل وسائل “التواصل الاجتماعي” توتير فيسبوك واحلى اشي متابعتها ع انستقرام وسناب شات مؤخرا ..

      إعجاب

  2. فعلاً هاد اللي بصير معنا. بداية استخدامي للفيسبوك كانت ب 2008 ومن سنتين بلشت انتبه عحالي. حسيت باكتئاب لأنه شخصيتي عالفيسبوك مختلفة تماماً عن شخصيتي بالواقع. ما بعرف أي الشخصية الأفضل بصراحة بس تهت وضعت بينهم. لهيك قررت انه ابتعد عن الفيسبوك وأتحول لحدا صامت وما اله وجود نهائياً. كانت فرصة حلوة انه ابعد عن الفيسبوك والتويتر كمان والاقي موقع ثاني ما حدا بعرفني فيه وما بستناني على هفوة أو تعليق تافه. لقيت موقع بكتب وبعبر عن رأيي بدون أي اهتمام بأي رأي.

    إعجاب

  3. ; néanmoins mieux vaut prévenir que guérir : Comme tous les autres traits de caractère, la timidité se manifeste très tôt chez les enfants. Abandonnés à leur sort, ils peuvent conserver  ce trait une fois devenus

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s