عودة جون سنو

حتى لحظة كتابة هذا النص، تعتبر شبكة (إتش.بي.أو) الأمريكية (الجهة المنتجة والمالكة لحقوق بث المسلسل) هي حالة الاستثناء في عالم صناعة البرامج التلفزيونية. سعيها الدائم لاستقطاب جماهير محدودة (معيّنة) أجبرها على أن تكون شبكة تحمل سياسات بث مختلفة، وهو ما فرض عليها القبول بنصوص تميل إلى كونها “صيغ” غير مجرّبة أو مُختبرة بشكل كاف. وقد أدّت تلك السياسة إلى نجاح كبير على مستوى الأرقام، وهو الأمر الذي يهمّ المنتجين في نهاية المطاف. إلا أن الحديث عن مسلسلات وبرامج تلفزيونية غير معيارية لا يعيب البرامج والمسلسلات الشعبية سواء على نفس هذه الشبكة أو في شبكات تلفزيونية أمريكية أُخرى. وبطبيعة الحال فإنها لا تعيب مشاهدة تلك المسلسلات الشعبية على الإطلاق. فذوق الأقليّة قد ينجح بعد وقت قليل نسبيّا ليكون هو ذوق العامة، والازدياد الملحوظ في عدد المشاهدين لمسلسل صراع العروش هو واحد من أمثلة عديدة باتت تستخدم اليوم في الاستدلال على حركة الجماهير وتوجهّاتهم.

 

واجه المسلسل في موسمه الحالي (السادس) تساؤلات كبيرة في بدايته كادت تلقي بظلالها على مستقبل هذا العمل الضخم إلى الأبد. وإن هذه التساؤلات قد تبقى في ذهن المشاهد لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الموسم. فكما كان شعار آل ستارك “الشمال يتذكّر” فإننا كمشاهدين نتذكّر أيضًا. كان حديث الساعة يدور حول عودة “جون سنو” إلى الحياة من جديد. على الرغم من أن موت شخصية محورية ومحبوبة مثل “جون سنو” في نهاية الموسم الخامس من المسلسل كانت صادمة، إلا أنها كانت ضرورية من وجهة نظر صنّاع المسلسل. فالرقابة الليلية في كاسل بلاك قد أقسموا على عدم ترك الحراسة إلا في حالة واحدة، وهي الموت. فإن كان لجون سنو أن يحقق خطته في التحرّك جنوبًا بصحبة الهمج فإنه كان من الضروري له أن يموت (على مستوى درامي فحسب). أما فيما يتعلّق بعودته فإن إله النور كان على استعداد منذ الموسم السابق من أجل وهب الحياة لأحدهم. إذاً، ما الذي يسبب الإرباك الآن بالنسبة للجمهور طالما أن أسباب الوفاة والانبعاث تنتمي فعلًاً إلى عالم المسلسل؟

يمكن قراءة هذا الخلاف الحادّ في الآراء بين جمهور المتابعين في ضوء سببين: 1- العودة الدرامية الضعيفة لجون سنو. 2- وقوع تلك العودة كحدث توقّعه الجميع قبل سنة من مشاهدته. وإن النقطة الثانية هي ما يمثّل مشكلة كبيرة في عقل المشاهد كونه قد اعتاد على المفاجآت طيلة 5 أعوام قضاها في متابعة هذا العمل. أما النقطة الأولى فقد تركت عددا من الأسئلة حول أصالة العمل اليوم، كان أهمها: هل انحاز صنّاع المسلسل إلى ذوق الجمهور؟ وهو سؤال يبدو من المبكّر الإجابة عنه رغم المؤشرات التي قد تحيلنا إلى أن نقول (نعم)، قد تحوّل المسلسل إلى ما تُسمِّيه مدرسة فرانكفورت النقديّة بـ”الثقافة باعتبارها صناعة” وهو مصطلح يشير إلى موقفٍ كان قد اتُخذ بناءًا على الأداء الركيك الذي اتسمّت به صناعة الأفلام في هوليوود فترة الأربعينيات في طريقها لاستمالة “الثقافة الجماهيرية” وتعزيز وجودها كصناعة مادية بحتة. في حالتنا اليوم قد يتحدّ هذا الرأي مع الأخبار القديمة التي أفادت بأن القصة ستبدأ من الآن فصاعدًا بالارتجال بناءًا على ما يراه “كتّاب السيناريو” مناسبًا وليس اعتمادًا على ما يراه “جورج مارتن”. ذلك لأن المسلسل قد سبق أحداث الرواية فعليًا. فهل نلحظ ضعفًا في خطوط المسلسل الأخرى مثلًا؟

قد يكون الإشكال الأساسي بالنسبة لي هو “موت” جون سنو وليس “عودته”. فرغم أن عودته كانت ركيكة دراميّا إلا أنها تمتلك تفسيرًا محكمًا لا غبار عليه. أما مسألة موته فهي ما يعيق السلاسة التي كان يسير عليها هذا العمل منذ بدايته، ويجعلنا نتساءل بمزيد من الإلحاح: هل كان موت جون سنو هو الحل الدرامي الوحيد؟ فبالنسبة للكاتب، كان من الضروري أن يموت جون سنو كي يخرج من الحراسة الليلية. وكان من الضروري أن يعود كي نستكمل المسلسل من جديد! لقد اعتدنا على أن يكون الموت في هذا المسلسل هو النهاية، ولطالما كان كذلك حتى وقت قريب. فهذا ما أضفى طابعًا محببًا أثناء مشاهدته، فإن وقع الموت داخل المسلسل فلا عاصم منه وإن كنتم في بروج مشيّدة.. أليس كذلك؟
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: