مصطفى العقاد ومسيرة الرسالة

هناك بعض المواقف المضحكة التي رافقت المخرج السوري مصطفى العقّاد في مسيرته من أجل صنع فيلم “الرسالة”، 1976، بالنسختين العربي والانجليزي. كان قد وضحها في احدى مقابلاته التلفزيونية المنشورة عبر الانترنت. فعندما دخلت الفكرة حيّز التنفيذ اتخذ الأمر منه 5 سنوات من أجل الحصول على تمويل يكفي. وسنة كاملة من أجل كتابة السيناريو بالتعاون مع الازهر الذي قام بختم كل صفحة فيه بختمه. ثم اضطر بعدها للحصول على موافقة المجلس الشيعي الأعلى في لبنان. ثم كان عليه التوجه نحو السعودية ومقابلة رابطة العالم الاسلامي ومشايخها. لكن ما فاجأه هو أنهم لم يقرأوا النص أصلاً. واعترضوا على الفيلم من مبدأ واحد وهو: الصورة حرام.

لكن الدور السعودي لم يقف هنا. انسحبت كل الدول العربية ولم يبق سوى ليبيا والمغرب. فاحتضن ملك المغرب عملية التصوير واشترط عدم لفت الانتباه إعلامياً حول الفيلم أثناء تصويره. بعد ستة شهور أبلغ الملك فيصل السعودي نظيره المغربي بضرورة وقف التصوير. بحرج كامل اضطر العاهل المغربي ابلاغ المخرج السوري مصطفى العقاد ضرورة ايقاف العمل وفوراً. خلال ثلاثة أيام كان على جميع طاقم التصوير وكافة المعدات مغادرة الأراضي المغربية بلا وجهة معروفة بعد.

طلب العقاد اجتماعاً مع الرئيس الليبي. الطرف الوحيد الباقي من معادلة الممولين لهذا الفيلم. خلال أيام اجتمع العقاد بمجلس قيادة الثورة الليبي ومعه مقاطع مصورة من الفيلم. عند عرضها لفت نظر القذافي مشهد يقوم في المسلمين بالتكبير في وجه المشركين الذين يرجمونهم بدورهم. هنا انفعل القذافي وأخذ يردد. الله أكبر الله أكبر. التفت القذافي إلى العقاد وقد أخذته الحماسة فقال: ما طلبك؟ قال العقاد: هناك ثلاثة طلبات، أولها التمويل. رجع القذافي إلى أحد معاونية ونطق بثلاث كلمات: “اعطه ما يلزم”. ثم عاد ليحاور العقاد فقال: ماذا أيضاً؟ قال العقاد أريد المجاميع. وهنا يقصد عددا كبيراً من الكومبارس من أجل مشاهد المعارك وغيرها. هنا توجه القذافي لأبو بكر يونس، قائد الجيش، فقال: اعطه القوات المسلحة. ابتسم العقاد وقال: القوات المسلحة لن تكون خيارا مناسباً فهم شباب وحليقو الذقن، نحتاج وجوهاً مثقلة. فقال القذافي: اعطه إذاً رجال المقاومة الشعبية.

امّا الطلب الأخير فقد أثار استغراب القذافي. حيث طلب العقّاد السماح بتوفر المشروبات الكحولية في موقع التصوير لأن الطواقم الأجنبية يجب أن تشرب الكحول كي توفّر ما يتطلبه الفيلم من دقة واتقان. فيلم عن رسول المسلمين لا يتم إلا بالمشروبات الكحولية. صمت القذافي لدقيقتين قبل أن يسمح بالأمر ضمن مخيّم مغلق للفنيين الأجانب.

قرر العقاد افتتاح الفيلم عالمياً من لندن. هناك اكتشف أن الحنق لدى المسلمين قد وصل إلى درجات كبيرة كان من الممكن أن تشكل خطراً على حياته. اذا ارتكبت صحيفة الأهرام المصرية خطأ بنشر خبر بعنوان “فيلم عن رسول الله بطله أنتوني كوين”. فاعتقد الجميع أن أنتوني كوين سيلعب دور الرسول محمد. وحتى وقت الافتتاح كان من المستحيل إيقاف هذه الشائعة التي تحولت إلى حقيقة فعلاً. عمّت المظاهرات لندن بينما أمر الملك فيصل بعدم عرض الفيلم في أي دولة اسلامية وهو ما حدث فالتزمت مصر مثلاً بعدم عرض الفيلم حتى عام 2007 اذ عرض لأول مرة على شاشة القناة المصرية الأولى.

في لندن، وبعد مداولات عدّة، توصّل العقاد إلى صيغة تفاهم مع الجالية المسلمة هناك. ان يُعرض الفيلم وإن لم يعجبهم سيقوم بإحراقه. بدأ العرض بالفعل والعقاد يجلس في نهاية قاعة السينما في لندن. يختتم الفيلم بمشهد لركعة صلاة موحّد بين جميع المسلمين في جميع انحاء العالم. حينها قام عدد من الحضور بالاقتراب من الشاشة والسجود أرضاً بحركة موازية للفيلم. تأثر العقّاد فبكى وجاء الحضور محتفين به بصورة مبالغة ولكنهم طالبوا بتغيير اسم الفيلم من “محمد رسول الله” إلى أي شيء لا يحمل اسم الرسول احتراماً للاسم وخوفاً من وضع الملصقات في اماكن غير لائقة. حاول العقاد اقناعهم بعكس ذلك، قبل أن يقرر أن هذا يمثل شعوراً للعامة ليس له حق في احتكاره. فقرر في لحظتها تغيير الاسم إلى “الرسالة”.

بعض الدول العربية بدأت تدريجياً في عرض الفيلم بعد مفاوضات. وبقيت ايران ومصر. وعند فحص الأمر اتضح أن الاعتراض في ايران يدور حول صيغة الأذان. إذ أن الأذان في الفيلم هو أذان سنّي وليس شيعي. عندها سال العقاد “هل يعلم الخميني بهذا؟” فكانت الاجابة أن لا. فعُرض الأمر على الخميني ليصدر حكمه بإجازة عرض الفيلم لأنه يحكي عن فترة لم يكن فيها سنّة ولا شيعة أصلاً. في مصر بقي الأمر مبهماً. فقرار الامتناع عن العرض لم يصاحبه أي تفسير. مع ذلك فقد امتد المنع كثيراً. رغم أن “الشعراوي” انذاك قد شاهد الفيلم وأعجبه.

يذكر العقاد عدداً من الصعوبات التي واجهته. والتي كان أهمها التصوير مع مجاميع من المسلمين البسطاء، الذين كان اندفاعهم أحياناً يعرقل مسيرة التصوير. ويروي أنه في أحد الأيام شاهد العقاد عامل كهرباء في الفندق الذي يقيم به، اسمر اللون وعيونه حادة. عرض عليه العقاد التمثيل. وافق الرجل وسأل: لكن ما الدور؟ فقال العقاد: وحشي قاتل حمزة. بعد أيّام حاول عدد من الممثلين من المجاميع في موقع التصويرعرقلة خط سير الشاب الذي سيلعب دور وحشي وعندما سأل العقاد عن السبب قالوا “لا ندعه يمر فيقتل حمزة”.

في أمريكا قام المتظاهرون فعليا باحتلال عدد من البنايات من ضمنها بناية معروفة لليهود في العاصمة واحتجزوا 149رهينة. لكن من قام بالأمر هم جماعة “المسلمين الأحناف” وقائدهم عبد الخالص المنشق عن جماعة اليجا محمد.
بعد انتهاء الأزمة تم اعادة افتتاح الفيلم بأكثر من 2400 صالة بدلا من 1600 في المرة الأولى. ثم أصدر عبد الخالص بياناً يهدد فيه بحرق كل صالة تقوم بعرض الفيلم عندها قرر العقاد سحب الفيلم من صالات العرض.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s