دراما رمضان تختنق بثلاثين حلقة

نُشر هذا المقال في صحيفة السفير

يشكّل شهر رمضان المبارك موسماً سنوياً لعرض جديد أعمال الدراما العربية. يتهافت المنتجون طوال العام على أعمال مكتوبة تلقى إعجابهم ويسارعون لبدء تصويرها وإنهاءها قبل فترة الإعلانات التلفزيونية الرمضانية التي تسبق حلول الشهر الكريم. في رمضان نحن معرّضون على الدوام لمشاهدة ثلاثين حلقة من كل عمل درامي مهما كانت خلفيته. هذا الرقم الثابت كان سبباً، في الغالب، لوجود ضعف في بنية الأعمال الدرامية العربية. فالعمل الذي لا يحتمل أكثر من 10 حلقات قد تم تمديده ليملأ فراغ عشرين حلقة أخرى. بات تعاملنا كمشاهدين مع مسلسلات رمضان مفهوماً في الآونة الأخيرة. فبعض الأعمال التي ستنال الضجة الكافية حولها على مواقع التواصل الاجتماعي ستكون محط اهتمامنا. حيث يكون من الصعب عملياً للمشاهد العربي أن يتابع أكثر من ثلاثين عملاُ درامياً عربياً كي يختار واحداً أو اثنين من أجل الاستمرار بمشاهدتهم. كما يلعب التوقيت الذي تُعرض فيه المسلسلات على بعض القنوات الكبرى أهمية في تسليط الضوء (عنوةً في بعض الأحيان) على بعض الأعمال دون غيرها. وفي مجمل الأعمال التي قد يتبناها المشاهد في هذا الشهر سيجد أن الفترة الزمنية التي يستغرقها المسلسل في عقد حبكته وحلّها لا تسعف دوماً جودة العمل ككل.

إتاحة مشاهدة المسلسلات العربية على مواقع الانترنت المختلفة لا يُعد حافزاً كافياً لمشاهدتها. يمكننا على الأقل أن نستثني مؤقتاً مشكلة المنصة التي يُعرض عليها العمل. سواء كان المسلسل معروضاً عبر محطات التلفزة أو في بث خاص عبر الانترنت، فإن المشكلة بكل تأكيد تتجاوز “المكان” هنا. إن غياب شغف المتابعة الكاملة للمسلسل يندرج تحت مسببات أخرى. حيث تكمن اشكالية المسلسل العربي من وجهة نظري في ثلاث نقاط أساسية: 1- فترة عرض المسلسل. 2- عدد حلقاته. 3- مدة الحلقة الواحدة. ورغم أننا نمتلك أمثلة عديدة لمسلسلات أمريكية أذهلت العالم على الرغم من طول مدة الحلقة الواحدة فيها، حيث تصل لساعة أحياناً. إلا أن ذكرنا لمدة الحلقة كمشكلة أساسية للمسلسلات العربية لا يأتي بشكل منفصل عن مشكلة عدد حلقات المسلسل العربي. ولنا في مسلسلات هذا العام مثالاً محترماً للأعمال الدرامية التي قامت بخطوة جريئة وعالجت هذه المشكلة من خلال تحديد مدة كل حلقة بما لا يزيد عن 20 دقيقة (مسلسل “أفراح القبّة” مثلاً) أي أصبحت كل حلقتين تعادل حلقة. أمّا آفة العمل الدرامي العربي فستبقى على الدوام التزامه بعرض ثلاثين حلقة من المسلسل، سواء اتسع العمل لذلك أم لا. وهذا يرتبط بالطبع بكون شهر رمضان المبارك هو الموسم الوحيد طوال العام. ولو كان رمضان 20 يوماً لكانت المسلسلات كلها تنتهي بعد عشرين حلقة. ولكن هذا لا يعني أن “رمضان يفسد الدراما”. حيث أحب أن أرى الأمر بطريقة معكوسة، رمضان ينقذ الدراما العربية إن شئنا أن نقول. فعدم وجود “موسم” كان سيهدد المسيرة الفنية التلفزيونية برمتها. فنحن نعيش في منطقة تعتمد كلياً على “الموسم” في تسويق بضاعتها. إما رمضان أو الأعياد أو الإجازات (الصيف وبداية عام جديد). بالتالي سيكون عدم وجود موسم مخصص للأعمال الطويلة، أي المسلسلات، كان سيجعل من استمرارها صعباً امام جمهور المواسم. إذاً لماذا نجعل من “فترة عرض المسلسل”؛ النقطة الأولى في توصيف إشكالية الدراما العربية إن لم يكن رمضان كموسم عائقاً حقيقياً؟ إن ما يؤذي الدراما ليس عرضها في موسم بل في عرضها بموسم 1- محدود. 2- غير قابل للتكرار. فالاشكالية الكبرى في موسم رمضان هو وجود تاريخ بدء وانتهاء محددين على الجميع الالتزام بهما. أي تكثيف العرض خلال مدة محدودة وقصيرة من العام ودفعة واحدة. حتى إن لم يكن العمل جاهزاً بشكله النهائي والأفضل.

إن لم تكن المشكلة في “المكان” الذي يُعرض عبره العمل، ولا في “الموسم”. فإننا في هذا المقال لا نعدكم بإيجاد حلول سريعة وقابلة للتنفيذ بسهولة. لكننا سنلقي نظرة نحو صناعة المسلسلات والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة والتي أصبحت أعمالها الآن الأكثر إنتشاراً عبر العالم. وهو ما نلاحظه من توجه مكثّف من قبل المُشاهد العربي نحو تلك الأعمال التي تحملها عدد من المميزات تجعلها قابلة لأن تكون جهة مقارنة حقيقية.

1962016-024412AM

السنة كلها رمضان

تبدو الأمور في أمريكا يحكمها قطاع الانتاج بالكامل. فبالنظر إلى المراحل التي يمر من خلالها المسلسل منذ نشأته كفكرة وحتى وقت عرضه على شاشات التلفاز، سواء قنوات الكيبل أو الشبكات، فإننا قد ننجح بالامساك بالآلية التي استقر عليها العمل التلفزيوني هناك. يبدأ الأمر في الخريف من كل عام حيث يتوجه كتّاب الأعمال الدرامية بأفكارهم إلى القنوات والشبكات الكبرى في البلاد. موضحين فكرة المسلسل وشخصياته وخطوطه العامة. بعد دراسة لما يناسب السوق أو لا يناسبه، تقوم ادارة الانتاج بإعطاء الضوء الأخضر لعدد من الكتّاب لتسليم سيناريو مكتمل للمسلسل. بعد استلام السيناريو وابداء الملاحظات عليه يتم اختيار عدد منها من أجل تسليم حلقة تمهيدية تُسمى Pilot. وهي حلقة مكلفة يتم عرضها على مستوى ضيق للمنتجين من أجل الحصول على موافقة لبدء انتاج المسلسل رسمياً. ففي الشهور الأربعة الأولى من كل عام يتم تقييم الحلقات التمهيدية. بينما يحصل القليلون على تلك الميزة فإن عددا أقل بكثير يحصل على الموافقة النهائية. فمن بين 500 فكرة يتم دراسة 50 سيناريو فحسب، ستّة إلى عشرة منهم سيتحوّل إلى حلقة تمهيدية. بينما عدد أقل سيتحول فعلاً إلى مسلسل يُعرض بشكل موسع. وتكون مدة الحلقة اما 22 دقيقة تعرض في نصف ساعة أو 45 دقيقة تُعرض في ساعة تلفزيونية. بينما قد يستغرق انتاج الحلقة التمهيدية من أشهر إلى عدة سنوات منذ وقت الموافقة عليها. قد تخرج على شكل مسلسل قصير من 4 إلى 10 حلقات وبدون مواسم لاحقة. وإما على شكل مسلسل طويل مع 10 إلى 22 حلقة وبمواسم متتابعة. إلا أن الأمر لم يكن كذلك فيما سبق. فالتلفزيون الأمريكي في حالة تغيير مستمرة وسريعة. حيث كان عدد الحلقات للمسلسل الواحد حتّى بداية الستينيات يصل إلى 30 حلقة على الأقل. بعض التغييرات حدثت بعدها ليقل العدد إلى 24. حيث بدأ تمويل المسلسل بموسمه الأول لعدد قليل من الحلقات. وإذا ما لاقى العمل نجاحاً جماهيرياً فإنه يتم التجديد لموسم جديد، وهكذا. ما يُعتبر الحل الأكثر نجاحاً لإيقاف مسلسل فاشل قبل أن يتورّط منتجوه ومشاهدوه في ثلاثين حلقة منه. ويُعتمد فصل الخريف كبداية لعرض المسلسلات الجديدة الكبيرة. وفصل الخريف التلفزيوني هو الذي يمتد من بداية أيلول إلى نهاية أيار. وهو ما يشمل 9 شهور من العام، لتبقى ثلاثة شهور فقط للعروض الصيفية.

إن عملية الإنتاج التلفزيوني في الولايات المتحدة دقيقة جداً. يصل الأمر إلى تقسيم ساعات النهار بناءا على نوع الفئة المستهدفة من الجمهور. بالتالي توزيع البرامج والإعلانات حسب قيمتها وملائمتها للجمهور المستهدف. فيما يمتلك المعلنون غالباً حق اختيار نوعية البرامج التي تظهر إعلاناتهم خلالها. وإن مثل هذه الإتفاقيات قد تؤثر على بنية بعض المسلسلات بالكامل. وهذا ما يفسر الجرأة في طرح بعض القنوات لقضايا حساسة لكن دون مبالغة، في حين تعرض قنوات أخرى قضايا مشابهة مع مشاهد لا تناسب العائلة. وفي سياق آخر تتبع القنوات عدداً لا نهائيا من السياسات من أجل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الانتشار الجماهيري. مثلاً يتم بث مسلسل رئيسي يتبعه مباشرة مسلسل ضعيف، وذلك من أجل زيادة التركيز على المسلسل الثاني فيحقق المزيد من الأرباح. بالتالي فإن مواعيد العرض تحكمها سياسة انتاجية بحت، تشبه ما يحدث في منطقتنا قليلاً. إذ يشكّل رمضان شجرة مثمرة وعلى منتجو الأعمال الدرامية التسابق لقطف ثمارها. ولا يعد الخريف الأمريكي موسماً عبثياً. حيث يشكل موسم الجوائز التلفزيونية مثل Emmy (أيلول) أو جوائز جمعية النقاد الأمريكية (آب) وغيرها؛ نهاية الموسم التلفزيوني الحالي وبدء الموسم الذي يليه.

لكن كل هذا لا يعني أن فرض تغيير ما على بنية الأعمال الدرامية من ناحية انتاجية سيجعل منها أفضل حالاً. حيث فشلت بعض المسلسلات الأمريكية رغم أنها اتبعت نفس طريقة العرض المتبعة هناك من عدد حلقات ومدة عرض قليلان. لكن ما يجب الانتباه إليه هو عدم التعامل مع الجمهور كتجربة، وإذا ما تم ذلك فإنه من الصعب أن يخوض أحدنا تجربة طولها ثلاثون حلقة تحتوي الواحدة منها على 45 دقيقة مشاهدة خالصة بالإضافة إلى إعلاناتها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s