ومهما هززت إليك العتاب

(1)

كانت ليلة عادية كمثل سابقاتها. لا شيء يختلف سوى انها كانت أطول. اطول بكثير. اقصد انها تمتد الى ما يمتد اليه غضبك. الحقيقة لستُ أدري إن كان ما يتملكك الآن هو الغضب أم الحزن. لكن يبدو ميلك للحزن اكثر، والى رغبتك في ايقاع العقاب. نعم هذه رغبتك المدروسة. لماذا يبدو كل ما يبدر منك من تصرفات وكأنه محسوب بدقة. لم لا نتكلم الآن .. بلا حسابات مسبقة؟

لمعلوماتك. انا احبك. واعرف علمك بهذا مسبقا وان لم يصدر منك اي تلميح بخصوصه. واعلم ان لا نية من طرفك لاستغلال هذا الحب ابدا. اعلم ما فيك من نقاء وأعلم كم انا اناني وتافه.. لكن هذا لا يحدث الا معك.. والله.. يحدث معك فقط أن ارجع الى الكتابة على جدران كهفي طلاسم عقل بدائي. من حقك طبعاً التساؤل عن جدوى الحب المصحوب بهذا الكره. لا بد ان كل ما يدور في عقلك هو: كيف يستطيع قلب مُحبٍ ان يؤذي هكذا. لكنه لا يفعل. لا يفعل. كل ما في الأمر أن مهمة الحفاظ على اتزاني معك تبدو انتحارية وانا… جبان.

ماذا لو قمنا بعقد صفقة. أن تعطي شخصاً يحبك جداً فرصة ليطلب منك طلباً لن يُرد؟ هاه؟ ما رأيك بهذا. يبدو لي حلا عبقرياً. وبعدها لك أن نفترق… أعني ما أقول.
تبدو حياتي الآن وقد انسحب منها الكمان. وهو انسحاب مفهوم بالنسبة لشخص يمتلئ بالشرور مثلي. كل ما أرغب به الآن هو أن أفرد جانحي وأن أتجه صوب النار محرقاً نفسي. هذه النهاية المثالية لشخص لن يفهمه أحد.. ولا حتى أنت.

 ***

(2)

مرحبا. هل انت بخير؟ لاني لستُ كذلك. لا أدري ما بي تحديداً لكنه ليس أمراً طبيعياً. لم يمر يوم بعد على فراقنا وقد بدأت فعلاً برؤيتك في أجساد ومشية الآخرين في الشوارع. بالامس شممت رائحتك في مركبة عمومية. وأقسم أنني قد سمعت صوتك في مطعم بضحكتك الساذجة المميزة. كيف تتوقعين أن أعيش بعدك وكيف سأشاهد ما أشاهده وأسمع ما سأسمعه. لقد كنت، دون دراية منك، سمعي وبصري. بل وذوقي أيضاً. كيف يتخلى المرء عن كل هذا دفعة واحدة. كم أنا مجرم حقير. “العالم قدم ثقيلة جداً، تدوس على قلبي، تدوس على كل شيء، وفراقنا حذاء على المقاس بالضبط”.

لا أملك الكثير من الاسئلة. أسئلة العالم انتهت. لا شيء يثير اهتمامي الان. كنت أنت موضوع بحثي الدائم. أجلس في المقهى وحدي كما عودتك. حولي ثلاث كراسي عليهم أنت. وأغنية هادئة لعبادي الجوهر يقول فيها “أحتاج لك يا كل شي في عالمي القاسي” ويكرر “في عالمي القاسي” أربع مرات حزينات. أكاد أبكي. لكنني لن أفعل. لن يعجبك رؤية ذلك لو أنك هنا. أفكّر بانه يجب علي أن أخوض علاقة جديدة مع أي فتاة أراها. هل أصبحت أحقر من أي وقت مضى؟ سادخل في علاقة جديدة. سأتعلم العود. سأتطوع في منجرة. سأسافر. سأموت. سأفعل اي شيء كي لا أشعر بغيابك. أي شيء.

***

(3)

“هكذا هي الحياة”. كان هذا تعليقك الدائم على أي أمر نراه، سويةً، محبطاً. تصدر منك وكأن حكمة العالم وتجاربه كلها طُويت داخلك. كم كان مستفزاً يقينك من كل شيء إلا مني. نعم. الحياة مليئة بالمتاعب والاحباطات فعلاً. بل انها مليئة بالهزائم. وانت هزيمتي التي لم أستطع تجنبها. لكنها هزيمة ذات معنى. هزيمة طرأت في سبيل تحقيق حُلم. هُزمت وأنا أعلم سبب هزيمتي. أليست هذه وحدها نعمة. أليس هذا طريق يستحق أن نسلكه مغمضي الأعين؟ طريق المساكين والمعترين الذين يشبهونني ويشبهونك.

اليوم، أحاول تهدئة نفسي. أجبر خاطري. أصبر وأمارس من أجلك التبرير. “وأقول اللي هجر معذور، حسافة الوقت يظلمني”. هل أُصلي. وما نفع الصلاة إن كان الظلم الذي أوقعه فيّ الوقت أكبر من أي إيمان. كنتُ يوماً حسن الحظ. لكن هذا لا يدوم كما فهمت. الآن أنا سيء الحظ في معظم الأشياء. اعتدت ذلك وبدأت بتهيئة نفسي وإعادة ترتيب طريقة عيشي بأخذ الحذر المبالغ به والاستعداد لكافة الخيبات اليومية الممكن حدوثها. إلا أن خيبتي معك، وهي الحقيقة المطلقة كالموت تماماً، لم استطع الاستعداد لها. أسوأ الحظوظ على الاطلاق أن تكون الاختيار الخاطئ في حياة أولئك الذين اختاروك في حياتهم. هذا ألم لا يمكن تجاوزه، قال أحدهم ذات فقد.

***

(4)

THOMAS HORN as Oskar Schell in Warner Bros. PicturesÕ drama ÒEXTREMELY LOUD & INCREDIBLY CLOSE,Ó a Warner Bros. Pictures release.

 سأخبرك الآن شيئاً جديداً عن نفسي. وهذا فقط لأنني أمتلك بعض الجرأة الآن. سأحكي لك قصّة أربع عتبات عجاف. في الخامسة عشرة من عمري كنتُ أُحب المجازات كثيراً. كنت أتخيّل طيراني كعصفور. حياته قصيرة. مطالبه بسيطة. لا أحد ينتظر منه شيئاً. ولا يفكّر في أحدٍ أكثر مما يلزم. خفيفاً متحرراً من كل علاقات الثقل التي نعرفها أنا وأنت. كان هذا على العتبة الثانية لحياتي. (العتبة الأولى كانت سرقة الطعام من حقيبتي في الثالثة عشر لكن هذه قصة أخرى). وقد نام حلم الطيران هذا عندما عاشرتك. عرفت أن الطيران أحياناً لا يكون بجناحين ولكن بشفتين تشبهان شفتيك. وقد كانت هذه – الشفتين – العتبة الثالثة في حياتي. من سوء حظي وحظك معاً.

كنت أعتقد أن أهم الأفكار وأكثرها صواباً تأتيني على كرسي الحمّام. أدخل فأرفع الغطاء باستخدام قدمي. أنزل بنطالي وأجلس ليتراءى أمامي مستقبلي وكأنه طبخة من يد أمّك اكتملت ولم يعد بمقدورها أن تكون أكثر وضوحاً أو جمالاً. وفي كل مرة، أقسم، كنتُ أراك هناك. أرى معك نهاية مأساوية لهذه القصة التي لا تعدو كونها “طريق آخرتو لحن حزين” وأستمرُّ بالتسكّع فيه كأحمق تافه مرة بعد أُخرى.

أحاول تجاوز المرحلة فأتجنّب الاستماع إلى أي أغنية. فجأة أصبحت كل الأغاني تتحدث عنك يفضح عرضها من شغلة. أينما ذهبت أجد في كلمات ما أسمعه إحالة إليك. إلى وجهك الذي عمدت حفظ تفاصيله قبل الرحيل. إلى عيوبك. إلى ذكاءك وعدم اكتمالك. إلى سعيك لتشتيت الانتباه عنك. إلى عاديّتك القاتلة والتي لم يجدها أحد غيري (تقريباً) مثيرة للاهتمام. فاكتشفت حلاً جميلاً: الموسيقى الكلاسيكية لا تسبب أي مشاعر. بعيدة عن أي عواطف. لا تحمّلك ما لا طاقة لك به. فأقرر التعويض عن كل الأغاني التي تحاصرني ببعض من شوبارت وموزارت. أنظر إلى حائط فارغ وأرتدي “حفاية” ليست لي، واتساءل عن سبب وجودها هنا. هل أرسلها الله لأعبر فيها المرحلة؟ (لا بد ان ابتسامة ارتسمت على شفتيك الآن) إذاً، إن كان هناك “مرحلة” فأنا سأعبرها. لأن الحياة لا بد وأن تستمر. ولأن “الحياة هيك”.

سأنطلق بحثاً عن أسرار لا بد وأن تكون هنا وهناك. تماماً كما يفعل صاحبنا في الصورة أعلاه. فإن كان ما أعيشه الآن نكسة حقيقية، فلا بد وأنني في النصف الأوّل من أغنيّة “عدّى النهار”. وأنني سأصل لنصفها الثاني ذات يوم. إذ يمرُّ النهار في الدروب “ويغنّي.. قدّام كلّ دار”. أتساءل عمّا سيغنيه النهار عندما يحلّ أخيراً على عتبة حياتي الرابعة… “توّك على بالي”؟

***

(5)

أن أهزم الزمان، هذا كل ما أريد الآن. أيّ انتصار لأحققه، وهذا ليس بكثير عليّ كما أحسب. تعلمين أن ابتسامتك ستلقى نفس انفعالي مهما طال هذا الزمان الحقير. بل ان رؤيتك ستجعل من قابليتي للاندماج مجدداً في قصّة الفشل تلك حتمياً. قلبي تجمّد فماتت فيه الحياة.. وأيّامي القادمة لن تكون أقل سوءا. اذكر أنني توقفت عن حبّ جارف لفتاة قبل سنوات طويلة وكنتُ سعيداً جداً وخفيفاً لأقصى درجة. لكن اليوم لا أتمنى أن يتوقف هذا الحب معك. رغم علمي بضرورة ذلك إلا أنني لن أكون أكثر سعادة إذا تحقق هذا. لم يعد يهمني ذاك الوصول بقدر ما يحييني وجودك في داخلي. فأظلّ بين حاجتي للانتصار ورغبتي بالهزيمة. فإذا انتصرت فقد تحررت وإذا هُزمت فسأمتلك سرديّتي الكبيرة والتي بها أضفي المعنى لوجودي. كانت مماطلتك قاتلة كما كان استعجالك قاسياً. لكن أعترف اليوم بكل هدوء، كان معك حق.. نعم معك حق لكن هلا توقفت عن الظهور في أحلامي؟

أنا أكثر وعياً بالابتذال من التصريح بطلب لا تستطيعين فعله ولكنه معلوم لديك. وإن كانت هذه الرسائل تحرجك فإنني لا أهتم فبالنسبة لي “حينما أكتب ليس ثمة قارئ غيرك” والحقيقة أنني أبرر هذا كله بأنني لم أعرف الحب كما عرفته معك قط ولعل هذا هو قلب المعضلة وأصلها. أود لو نتحدث قليلاً عن شؤون السياسة في البلاد. هل تعلمين أن ما يجري خطير فعلاً؟ ألا يوجد لديك أي رغبة في نقاش هذا الخطر الداهم على طاولة مع كوبين من الشاي الساخن؟ من أنا لأقول لك ما يجب عليك فعله. أعتقد أن شعوراً بالأمر الصواب سيجتاحك. لكن عليك ضمان أن لا تبدأي بالتفوّه بعكس ما تريدين عندما تقررين الكلام.

***

(6)

صباح الخير. صباح الأخبار الجيدة. صباح إجازة طويلة تحتاجين لها. صباح يوم جمعة يمتد فيه نومك إلى ما بعد الظهر. صباح تقول فيه فيروز لك “أنا حبّي دمعة هجرت.. إن تَعُد لي أشعلت بردى”. حسناً، أعلم أن ما أفعله يصبح مملاً يوماً بعد يوم. لكنني سأكون صادقاً معك. لم يعد هذا الأمر يدور حولك أنا فقط أحاول استغلال هذه الحالة في الكتابة قدر المستطاع (إضافة إلى أنه مسلّي ومثير للبهجة). هل أخبرتك مسبقاً أن الكتابة تريحني؟ لا يهم. أمّا تساؤلك عن معنى الصورة أعلاه هذه المرة، فهي إعلان أنني سأعود لمشاهدة الأفلام في السينما وحدي مجدداً. وهذا سبب ليكون، كلانا، أكثر سعادة. أليس كذلك؟

بي اس: قد تكون هذه رسالتي الأخيرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s