فيلم إسعاف: حرب غزّة بعيون طواقمها الطبية

إسلام السقا

تحتم حالة الحصار والحروب المتكررة التي استهدفت قطاع غزة خلال السنوات العشر الأخيرة خروج أعمال فنيّة تعكس حجم الألم والمعاناة. إلا أن الأعمال التي صدرت من قطاع غزة بدت قليلة ولا تلبي الحاجة الحقيقية لتجسيد كل تلك الأوجاع كما نريد. في ظل هذا الانتاج الشحيح يخرج فيلم محمد الجبالي، (25 عاماً)، من قطاع غزّة، ليكون بمثابة توثيق للحرب الأخيرة التي اندلعت في الثامن من يوليو عام 2014.

تكمن أهمية فيلم إسعاف، والذي يُعرض للمرة الأولى ضمن فعاليات أيّام سينمائيّة، تزامناً مع بدء عرضه في مهرجانات وأماكن أُخرى حول العالم، في أنه مصوّر بالكامل من داخل عربة اسعاف. رافق الجبالي طاقمها الطبي طيلة أيّام الحرب ونرافقهم نحن اليوم أيضاً للاطلاع عن قرب هذه المرّة على كافة الأحداث الرئيسية والتي صادف تواجد ذلك الطاقم في أغلبها. فكانت سيارة الإسعاف تلك أول الواصلين لموقع قصف أطفال عائلة بكر على شاطىء بحر غزّة وكانت من ضمن الطاقم الذي وقف على تخوم الشجاعية ليلة المجزرة التي ارتكبها العدو الاسرائيلي هناك، كما كانت في أحداث أخرى مختلفة سرعان ما تهزّ ذاكرتنا وتقحمنا فوراً في جوّ من الألم كنا قد حاولنا نسيانه بالأمس القريب.

لم يسعف أبو مرزوق، الشخصية الرئيسية في الفيلم، طموح المخرج في إثراء محتوى فيلمه الوثائقي. فأبو مرزوق قائد الطاقم الطبي وسائق سيارة الإسعاف ظهر صامتاً طوال الوقت. وهو صمت من الممكن أن نفسره بسببين رئيسيين، الأول هو التاريخ الكبير الذي يحمله أبو مرزوق كموظف في وزارة الصحة، فهذه ليست الحرب الأولى التي يشهدها الرجل ولربما لن تكون الأخيرة، وبحكم تلك الخبرة فهو غير متفاجئ بعكس بقيّة الطاقم الذين نشاهد انفعالاتهم أمام الكاميرا طبيعية وبلا أي تلميع. أمّا السبب الثاني لصمت الرجل فهو المسؤولية التي يحملها أمامنا وأمام بقية الذين يتفاعلون معه، سواء كانوا مصابين أو زملاء. هذا الصمت الذي بدا مزعجاً في البداية نكتشف لاحقاً أنه أعمق بكثير، ويجسد حالة عامة من الحزن التي تسيطر على الرجل، كما سيطرت على الكثيرين من أبناء قطاع غزة بعد موجة قاسية من الحروب.

حاول الجبالي أن يكون على قدر من الحيادية فيقف أمام الكاميرا مسجلاً الأحداث كما يراها لكن قسوة الموقف دعته أحياناً للخروج عن مساره ليكون فاعلاً في المشهد. فتارة يوجه الناجين وتارة يحاول توجيه المسعفين أنفسهم. يصرخ، يركض، يبكي ويلهث. لم يسلم الطاقم الطبي من الاستهداف ليتم قصفهم، ومن ضمنهم الجبالي، أثناء أداءهم لواجبهم داخل أحد المنازل المقصوفة في مدينة غزّة. يرى مخرج العمل الموت بينما يُصاب أبو مرزوق في رأسه بأحد الشظايا. لكن هذا لم يمنعهم من الاحتفال بعيد ميلاد الجبالي على طريقتهم، فيغني له أبو مرزوق داخل سيارة الإسعاف ويتمنى له عاماً سعيداً، على وقع أصوات القصف ومشاهد الدماء ورائحتها التي مازالت عالقة في زوايا العربة المسرعة.

قسوة المشاهد وفجاجتها هي تعبير عن رؤية الفيلم بعكس الواقع كما هو. لم يكن هذا وحده ما تم استخدامه لتكثيف الحالة الشعورية للحرب، بل تعمد صانع الفيلم أن يدور بنا مع سيارة الاسعاف الدورة الكاملة أكثر من مرّة مع كل مصاب يتم نقله بسيارة الاسعاف. فنقضي الفيلم فعلياً في شوارع غزة بين مكان الاستهداف وبين المستشفى. أحاديث قليلة تجري أثناءها، كانت أغلبها تأثر وهلع جراء ما يحدث. بينما يروي مخرج الفيلم بصوت حزين قصّته مع هذه التجربة الفريدة من حين لآخر. ليكون العمل منذ دقيقته الأولى التجسيد الحقيقي لمقولة غسان كنفاني “الموت ليس قضية الميت، بل قضية الأحياء الباقين“.

ينتهي الفيلم بإهداء إلى طواقم الإسعاف العاملة في قطاع غزة. وهو إهداء يلبي حاجة المشاهد لأن يقول “شكراً” من أعماق قلبه لكل طبيب وممرض ومُسعف اضطر لأن يشهد موت إخوته وأبناءه وكان مطلوباً منه دوماً أن يكون هادئاً وأن يعمل على طمئنة الآخرين في لحظات موتهم المتكررة والبطيئة.

يسهم هذا الفيلم في مراكمة الأعمال المرئيّة التي تحكي قصّة غزّة وحروبها، ومن هنا فهو على مكانة كبيرة من الأهميّة في مجال الوثائقي الفلسطيني. وما زالت غزّة تحتاج الكثير من الأفلام التي تحكي قصّة أُخرى مختلفة تماماً.. قصص ما بعد انتهاء الحرب.

event-4885

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s