الموت الجميل في “أنثروبويد”

يمكنك قراءة هذا التقرير على موقع ميدان

نعيش في عالم مضطرب، عالم يعرف فيه كل منا واحداً على الأقل قد شهد حرباً مميتة. وعندما تشتعل الحروب فإن الموت ينقسم بنفسه إلى عدد من الأشكال ليست كلها متشابهة. فموت العدو هلاك وموت رفاقي شهادة أما موت المُقاوم فهو حياة. يتجلى الموت بتقسيماته هذه في الفيلم الإنجليزي “أنثروبويد” إنتاج 2016.

دائماً ما تضع أفلام المقاومة من هم في موضع الثورة في مأزق معيّن مع الضمير. وقد نلاحظ هذا الأمر في أكثر من عمل يجد البطل نفسه فيه محيراً بين أمرين أحلاهما مُر. يتشابه فيلم أنثروبويد مع هذا النمط لكنه يبرع في طريقة سرده له.

“إذا قمت باغتيال هايدريش فإن هتلر سيمزّق براغ إربا”. هذه المعادلة الأساسية التي يضعنا أمامها الفيلم المصنوع بجهد وإتقان كبيرين على يد الإنجليزي شون إليز، ولكن أجواء الفيلم العامة تجعلنا نشعر لوهلة أننا أمام عمل للاشتراكي كين لوتش الذي برع في تصوير المقاومة الشعبيّة.

اغتيال هايدريش
يتركنا الفيلم أمام حقيقة مهمة وهي عدم توفّر “النقاء” كصورة مطلقة يمكن تبنّيها  (مواقع التواصل الإجتماعي)
يروي الفيلم الأحداث الحقيقية لاغتيال رينهارد هايدريش، وهو أحد كبار الشخصيات العسكرية في ألمانيا النازية إبان الحرب العالميّة الثانية. وكان يترأّس عدداً من المناصب المهمة من ضمنها القائم بأعمال الرايخ في تشيكوسلوفاكيا.

يفتتح إليز فيلمه بهبوط كل من يان كوبيس وجوزيف جابسيك بالمظلات في عمق غابات براغ قادمين من لندن بعد تلقيهم تدريباً هناك، ومعهما مهمة واحدة؛ اغتيال هايدريش، الرجل الثاني بعد هتلر والملقّب بسفّاح براغ.

ينقسم الفيلم إلى جزئين رئيسيين وهما ما قبل عملية الاغتيال وما بعدها، وهي مراحل مليئة بالتوتر والتشويق المبني على عمق لدى الشخصيات التي تنوّعت نفسياتها؛ فبعضهم قوي وشجاع وبعضهم جبان وآخرون عقلانيون.

إن حدثا كبيرا، كاغتيال أحد أهم قياديي هتلر، لا يغيّر فقط مجرى الحياة في العاصمة التشيكية براغ، بل سيغيّر نفسيات كل هؤلاء أمامنا كمشاهدين، ليتركنا الفيلم أمام حقيقة مهمة وهي عدم توفّر “النقاء” كصورة مطلقة يمكن تبنّيها، فنحن نتخيّل أن الأكثر نقاءً هو أكثرنا قدرة على الصمود، وهي فكرة أثبت الواقع هشاشتها، وفي المقابل نتخيل بأن أكثرنا جبناً لن يقدّم إلا كل سوء، وأن كل من هو عقلاني خائن وأن الحكيم لا يخطئ.

لذلك سيكون حدث الاغتيال مدعاة لطرح الأسئلة بعكس ما كان متوقعاً منه بأن يوفر الإجابات، فالسؤال الأهم سيكون حول الدافع السياسي لقرار الاغتيال والذي يبدو فعلاً رمزياً فقط.

“مم أنت خائف؟” تساؤلٌ آخر طُرح ثلاث مرات طيلة الفيلم ضمن أسئلة كثيرة سبقت عمليّة الاغتيال، لكنها رافقتنا حتى ما بعدها. “الخوف” الذي بدا واضحاً على كافة الأطراف حتى أكثرهم شجاعة كان محوراً من محاور الفيلم.

لعنة الشجاعة
 يحظى الفيلم بمشهد ختامي مهيب يعيد تعريف الموت كضرورة في مواضع معينة يطيب فيها في سبيل الحرية  (مواقع التواصل الإجتماعي)
قام النازيون بإبادة إحدى القرى بادّعاء أنها كانت مأوى لأفراد الخليّة، ليدور حوار يحرّكه الخوف وتأنيب الضمير بين أعضاء الخلية الهاربين. اقترح أحدهم أن يقوموا بتسليم أنفسهم. ردّ آخر: “هذا حمق” مضيفاً ومبرراً بأن “المقاتل مهمته أن يبقى حيّاً ليقاتل حتى الرمق الآخير دفاعاً عن بلاده”.

منح هذا الجدل قضيّة “أخلاقيات الحرب” مرونة أكبر لفهمها كحالة معقدة للغاية وعززت تتبع ذهنية المنفذ أيضاً كمعامل لا يمكن تناسيه. يسهل القول بأننا سنقوم بتقييم أعمالنا لكن من الصعب تنفيذ ذلك، فالشجاعة التي تحلّى بها قائد العملية أصبحت لعنة فيما بعد.
لكن يتضح فيما بعد أن الأمر لا يتعلّق بوضع قواعد للاشتباك بقدر ما يتعلّق بالرضى الذاتي عن تلك القواعد، فليس هناك “شريك” للتفاهم معه حولها، بل إن المراجعة هنا داخليّة تماماً. وهذا يبرر قرار “المقاومة حتى الموت” لكافة أفراد الخلية.

في أحد المشاهد يبرع المخرج في مزج الصورة بالموسيقى؛ إذ يعزف أحد شخصيات الفيلم مقطوعة الكمان الثانية لباخ. وهي -بحسب تعبير جوشوا بيل- أعظم مقطوعة موسيقية بل أحد أعظم إنجازات البشريّة.

وتظهر براعة المزج إذا علمنا خطوط التشابه بين القصة وراء تأليف باخ لتلك المقطوعة وبين المشهد الذي نراه في الفيلم. حيث يرجّح مؤرخون أن المقطوعة المحمّلة بكميّة كبيرة من الحزن والانتحاب كان قد ألّفها باخ بعد عودته من رحلة ليجد زوجته قد ماتت. وكان ما فعله إليز هو أن وضعها في مكانها الملائم، برمزية مؤثرة للفتى كوريث لحزن باخ القديم، وأمه كموضوع ذلك الحزن وسببه. موت الأم هنا ومعاناة الطفل هو الربط التاريخي المقصود به إبراز مأساة هذه العائلة. وهو أحد الخطوط التي لا تنفصل عن صراع الضمير الذي يدور في عقول الثوار، إذا علمنا أنهم كانوا سبباً مباشراً لما حلّ بهذه العائلة.

تبدو الصورة التي يرسمها فيلم أنثروبويد للمقاتل المدافع عن حريته جيدة للغاية، فهي لم تحاول تجميل خطابه أو تهذيب آرائه بل عكسها على الشاشة بكل تناقضاتها وتوترها. كما يحظى الفيلم بمشهد ختامي مهيب يعيد تعريف الموت كضرورة في مواضع معينة يطيب فيها في سبيل الحرية.

ينضم بذلك فيلم أنثروبويد إلى قائمة أفلام المقاومة التي ستترك أثرها كعمل فني جيد جداً، وتتناول موضوعاً معقداً بسلاسة وإتقان كبيرين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s