سبيلبرغ.. صهيونية مخرج أميركي

يمكنك قراءة هذا التقرير على موقع ميدان

 كان صمته وانزواؤه وضآلة حجمه أمراً عادياً، لكن اسمه اليهودي هو ما جعل منه هدفاً سهلاً للمضايقات في مدرسته بولاية أوهايو الأميركية.

المشي في ممرات المدرسة بالنسبة للفتى “ستيفن” يعني مواجهة مستمرة مع الحياة واشتباكا دائما مع متاعبها التي ضمّت أشكالاً متعددة، تنوعت بين الشتم والضرب. واجهها وحده فخلّفته بأنف مهشم أكثر من مرة. لكن تلك الوحدة التي سيطرت عليه دفعته لحَمل إرثه الشخصي من المعاناة باعتباره اليهودي المضطهد، حتى كبر فأسس جمعيّة خيريّة تُعنى بدعم المجتمع اليهودي وتنظيمه سمّاها “رجال الصلاح”. قامت هذه الجمعيّة، في عام 2006، بالتبرع بمبلغ مليون دولار دعماً لدولة الاحتلال في حربها على لبنان.(1)

“أنا مستعدٌ للموت من أجل إسرائيل”. (المخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ)(2)

يُصر سبيلبيرغ على إبراز الجانب اليهودي فيه، ليس عبر أعماله اليومية فقط، ولكن أيضاً من خلال أفلامه، فصانع أفلام “قائمة شندلر” و”إنقاذ الجندي رايان” و”ميونخ” و”لينكولن”، لا يوفر فرصة يدعم فيها الأفكار الصهيونية عبر تصوير مشاهد بعينها.

ميونخ والموساد
في فيلم “ميونخ” الصادر عام 2005، والذي يروي مطاردة فرقة موساد لأحد عشر فرداً من العقول المدبرة وراء عملية ميونخ الفلسطينية التي استهدفت رياضيين إسرائيليين، نرى واحدا من تلك المشاهد المعقّدة التي لا يمكن توقع نهايتها، فنحن أمام موقف يُفترض بأنه تاريخي، ولكن ظروف تعقيده تجعل منه محط اهتمام بالأبعاد غير الدرامية له.

نصاحب فرقة اغتيال إسرائيلية مكونة من خمسة أفراد أثناء دخولها لبيت آمن في أثينا مطلع السبعينيات، سيكون البيت ملجأهم حتى الانتهاء من مهمة اغتيال أحد القادة الفلسطينيين هناك. يستيقظون في المساء على صوت جلبة على أبواب الغرفة، يستعد الجميع لإمساك سلاحه والاحتماء. تدخل مجموعة من الشباب إلى الغرفة لتحصل مواجهة كلامية بالغة التوتر بينهم.

كان من الواضح أن كلتا المجموعتين تتحدثان بلغة مختلفة، لكن ما نفهمه من المجموعة الوافدة أنهم أعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية.

استطاع “سبيلبيرغ” أن يجمع الشتيتين: الفلسطيني والإسرائيلي، مع نيّة الأخير قتل الأوّل. بل وجعلهم يقضون ليلة معاً في غرفة واحدة. فكلا الجانبين كان قد دفع أمواله من أجل استئجار المكان، فيما يمكن أن يكون سوء فهم مدبّر.

لاحقاً وعلى سلالم ذلك المنزل يلتقي كل من “علي” و”آفنر”، قائدا المجموعتين العربية والإسرائيلية، فيدور بينهم حديث حول الأوضاع السياسية في فلسطين دون أن يعرف عليٌ هويّة آفنر أو ديناته الحقيقيتين.

يُعرب عَلي عن طموح الفدائيين بتحرير فلسطين بعد ممارسة ضغوط على الدول العربية مستغلين كرههم لليهود، وترتسم على وجه آفنر ملامح ضيق تدفعه ليقول: “إن هذا مجرد حلم، لا تستطيع استرجاع بلد لم يكن لك أصلاً”. يبدو هذا الكلام بالنسبة لعلي هو كلام صادر عن يهودي، يبرر آفنر جملته بأن الفلسطينيين ليس لديهم ما يفاوضون من أجله، ولهذا لن يسترجعوا أرضهم أبدا، ولا قتلاهم ولا عجائزهم من مخيمات اللجوء.

يحافظ علي على ابتسامته وبظهره المستند إلى الحائط يرد بثقة: “إذا قتلنا اليهود قد يرانا العالم متوحشين، لكنه سينتبه حينها إلى قضيتنا”.

في المشهد التالي يكتشف آفنر أن علياً يعمل مساعداً للرجل الذي ينوون اغتياله، وعند تنفيذ العملية يحصل اشتباك سريع بين الطرفين يُقتل على إثره عليّ وهو يحمل مسدسه ويوجهه نحو سيارة الفرقة الإسرائيلية التي تبادله إطلاق النار.

في هذا المشهد يتضح مدى تمسك علي بقضيته التي كان مستعداً للموت من أجلها كما قال لآفنر مسبقاً. لكن إصرار سبيلبيرغ على تقديم علي في المشهد السابق ثم قتله لاحقاً يعني موت ذلك “الحلم” الفلسطيني، وتثبيت الرؤية الصهيونية في أن ما يسعى إليه الفلسطيني محض وهم لن ينالوا منه إلا القتلى واللاجئين.

رغم إدراك علي أن استرداده لأرضه يمر عبر طريق طويلة قد لا يرى هو آخرها، إلا أن موته كان رمزية لوفاة سالك الطريق في ظل وجود المُطالب الصهيوني بالأرض والوطن والدولة والأمة.

سأل آفنر في المشهد السابق: “هل حقاً تفتقد الزيتون الذي زرعه أبيك؟ هل ترغب بكل أمانة في العودة إلى اللاشيء؟ إلى مجموعة الصخور اليابسة وقطعة الأرض الناشفة، هل هذا ما تريده فعلا لمستقبل أبنائك؟”.

“هذا بالضبط ما أريده، وسننتصر حتى ولو بعد مئات السنين. أنت لا تعرف معنى عدم امتلاكك لوطن، الوطن هو كل شيء” يرد علي الذي لم يدرك أنه يقول هذا الكلام للرجل الذي سيقتله. وكأن ما أراد سبيلبيرغ قوله هو أن آفنر يعلم فعلاً معنى أن لا يكون لك وطنٌ. فيظهر المشهد برمته كمحاولة لقلب الأماكن بين الظالم والمظلوم وإعادة تعريف النضال من أجل الوطن من وجهة نظر صهيونية، نعم نحن نعرف معنى الشتات، ولهذا نفعل ما نفعله. دعوة صريحة لاعتبار الاستعمار الصهيوني حلاً للمسألة اليهودية في أوروبا بل وبروباجندا في هذا الصدد خصوصاً بعد ما ذكره عليّ من لوم للأوروبيين الذين يعيشون في أوطانهم ويتحاملون على الفلسطينيين في نضالهم في الوقت ذاته.

أحد الذين قُتلوا في عملية ميونخ عام 1972 استعان سبيلبيرغ بابنه ليلعب دور أبيه. كما حضر سبيلبيرغ بنفسه افتتاح الفيلم مع عائلات ضحايا تلك العملية في القدس. وفي ختام الفيلم ثبّت سبيلبيرغ عدسته على أبراج التجارة في نيويورك جاعلاً منهما نهاية القصة.

لينكولن والأرض المقدسة
أمّا في أحد المشاهد الختامية في فيلم آخر قدّمه سبيلبيرغ بعنوان “لينكولن”، وهو فيلم عن حياة الرئيس الأمريكي الراحل أبراهام لينكولن، فإننا نرى إحالة أخرى إلى صهيونيته. فبالاضافة إلى قيامه بتجاوز حادث اغتيال لينكولن الذي نفذه يهودي، واكتفائه بالإعلان عن موت الرئيس دون رؤيتنا للطريقة التي مات فيها. لكن الفيلم الصادر عام 2012 الذي حظي بتغطية إعلامية كبيرة واهتمام سياسي واضح يقدم لينكولن كمتدين رغم ما عُرف عنه من تشكيك في الدين.

يستقل لينكولن وزوجته عربة بعد أن تمت الموافقة على قانون تجريم العبودية وإعلان انتهاء الحرب الأهلية في البلاد. يميل الرئيس إلى زوجته فيخبرها بأنه يشتاق إلى الذهاب “إلى القدس والسير في أزقة البلدة القديمة؛ حيث مشى كل من سليمان وداوود”.

لينضم المشهد إلى قائمة سبيلبيرغ الصهيونية، بالدعوة الصريحة إلى اعتبار فلسطين هي الأرض المقدسة من وجهة النظر التوراتية. فذكر لينكولن لكل من النبي سليمان والنبي داوود يعطي ملامحاً واضحة لطبيعة هذا الحنين الديني للأراضي المقدسة، والذي ربطته الصهيونية كحركة في كافة أدبياتها عن الدولة والوطن المنشود.

يهتم سبيلبيرغ بنهايات أفلامه على نحو خاص يتكثف هذا الاهتمام في المشاهد الختامية لفيلم قائمة شندلر الصادر عام 1993. ويحكي الفيلم قصة الصراع اليهودي من أجل البقاء إبان الحرب العالمية الثانية بعيون رجل أعمال اسمه شندلر يقوم بمواجهة قائد نازي فيساهم بأمواله في إنقاذ أكثر من 1000 يهودي عبر توظيفهم للعمل في مصنع لأواني الطبخ.

في المشهد الأخير يأتي جندي سوفييتي على ظهر حصان إلى بوابة المصنع ليجد اليهود مستلقين هناك على الأرض. يخبرهم بأن الجيش الروسي قد حررهم، فيسألونه أين نذهب؟ فيرد بأنه لا يعلم، لكن من المؤكد أن لن يذهبوا نحو الشرق، فإنهم مكروهون هناك، ولا نحو الغرب فهم أيضاً مكروهون هناك. ثم يسألون عن الطعام، فيشير بيده نحو مكان بعيد ويقول: “أليست هذه القرية التي هناك؟” لنرى بعدها جموع اليهود وقد تكاتفوا يداً بيد وبدأوا المسير نحو تلك “القرية”، وقد توسطهم سبيلبرغ نفسه.

فالإشارة بأن اليهود مكروهون في كل بقاع الأرض والتي تبعها توجيه صارخ إلى قرية فيها طعام هو إشارة واضحة إلى تبني الفكرة الصهيونية بالهجرة نحو البلد “التي تفيض لبناً وعسلاً”. وقد جاء مشهد الهجرة على وقع أنغام نشيد “قدس الذهب” العبري. وهو نشيد إسرائيلي صدر عام 1967 يتحدث عن حنين اليهود لمدينة القدس وعدم قدرتهم على الوصول إلى بلدتها القديمة. هدف هذا النشيد إلى إعادة الانتباه إلى مركزية القدس صهيونياً. ويعتبر نشيداً قومياً غير رسمي لدولة إسرائيل.

ينهي سبيلبيرغ فيلمه بمشهد وثائقي لبعض الناجين من المحرقة وهم يزورون قبر شندلر في القدس ويضعون بعض الأحجار عليه. وهو تأكيد أخير على موقع القدس كحجر زاوية في المشروع الاستعماري الصهيوني.

لم يتقاض سبيلبيرغ دولاراً واحداً عن عمله في فيلم قائمة شندلر، بل قام بالتبرع بكافة أرباحه إلى صالح مؤسسة “المحرقة” والتي تهتم بتسجيل شهادات حول المحرقة النازية ممن عاشها ثم أرشفة هذه التسجيلات.

 أنشأ سبيلبرغ هذه المؤسسة بنفسه بعد الانتهاء من تصوير الفيلم، فيما يعتبر أن فيلم قائمة شندلر هو أقرب أفلامه إلى قلبه.

يُطلق اسم سبيلبيرغ اليوم على أكبر أرشيف مرئي يهودي، وهو “أرشيف ستيفن سبيلبيرغ للأفلام اليهودية” كتكريم له. أسست الجامعة العبرية في القدس ذلك الأرشيف عام 1960، ثم أعلنت منظمة الصهيونية العالمية عن اعتباره المخزن الرسمي لأفلامها.

أثناء إحدى زياراته لبولندا للحديث مع بعض الناجين من المحرقة، قال سبيلبيرغ: “إن كنت يهودياً اليوم، في الواقع إن كنت أي شخص يؤمن بحرية الدين وحرية التعبير، فأنتم تعلمون أننا مثل مجموعات أخرى نواجه اليوم شياطين التعصّب” معرباً عن تخوّفه بأن معاداة السامية عادت لتزداد في جميع أنحاء العالم بعد أكثر من 70 سنة على المحرقة.(3)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s