“غرباء بالمطلق”.. عن هشاشة العلاقات الإنسانية

نشر على ميدان

كيف بإمكانك أن تصف علاقتك مع هاتفك المحمول؟ وكيف ترى مستقبلها؟ أعني؛ لعلك تقرأ هذا النص الآن عبر هاتفك أصلاً؛ لكن صدقني هذا سؤال بالغ الجدية. قد يظهر لك أنه مجرد مقدمة مفتعلة؛ أو استرسال لا داعي له. لكن صدقني؛ عليك أن تعرف بنفسك إلى أي مدى وصل ارتباطك بهاتفك المحمول.

يقوم الفيلم الإيطالي “غرباء بالمطلق” على فكرة طريفة. إن اجتماع عدد من الأصدقاء على طاولة العشاء هو أمر اعتيادي وغير مثير؛ لكن لا أحد كان على علم بأنه سيكون الاجتماع الأخير. تدور كافة الأحداث على طاولة العشاء؛ لكن رائحة الخوف والتوتر يطغيان على روائح الطعام الإيطالي الشهي.
يستقبل كل من إيفا وزوجها روكو خمسة من أصدقائهم في منزلهم بعد تجهيز عدد من الأطعمة. آخر الواصلين هو بيبي الذي يأتي وحيداً. أربعة رجال وثلاث نساء يقررون تحويل مناسبة سعيدة كهذه إلى فيلم رعب؛ إذ يتفق الجميع على لعب لعبة غريبة للغاية.

قانون اللعبة بسيط؛ على كل شخص أن يضع هاتفه المحمول على الطاولة، أي مكالمة هاتفية، أو رسالة نصيّة، أو مصوّرة تصل على هاتف أي منهم أثناء تناول العشاء؛ يجب أن يتم مشاركة فحواها مع الجميع.

الفيلم الطويل العاشر للمخرج الإيطالي “باولو جينوفيزي” ينجح في الوصول إلى أعماق المتابع؛ عبر نقل التوتر من على طاولة العشاء إلى الشاشة مباشرة، وكأن الرسالة القادمة ستكون على هاتفك أنت، وسيتوجب عليك مشاركتها مهما كانت خاصة.

لعبة خطرة تنجح في تحويل المكان إلى مجزرة للعلاقات؛ فلا شيء يبقى كما يظهر على الواجهة. إنه فيلم عن هشاشة الروابط الإنسانية.

يفتتح جينوفيزي فيلمه بعدد كبير من المواضيع الشائكة؛ مثل الزواج، والإنجاب، وعمليات التجميل، والعمل، والعلاقات الأسريّة وغيرها من المواضيع التي قد تنشأ على أية طاولة عشاء في أي مكان. الجدير بالذكر أن سيناريو الفيلم شارك بكتابته خمسة من كتّاب السيناريو من ضمنهم جينوفيزي. اعتماده على المكان الواحد في سرد أحداث فيلمه جعله يستند كلياً على السيناريو والحوارات.

تبدو الفكرة مألوفة، الحديث عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات الاجتماعيّة؛ هو موضوع مطروح في حياتنا اليومية وبسياقات مختلفة. ومع أنّ جينوفيزي لم يأت بجديد؛ لكنّه كان الأوّل الذي يعبّر عنه سينمائياً بهذه الطريقة.

إن اجتماع الأصدقاء السبعة على طاولة العشاء لم يجعل لأيّ منهم دور بطولة واضح، فالبطل هو الهاتف المحمول وحده؛ هو الذي يحرك الأحداث، وهو الذي يوقفها. وكأننا أمام تجسيد حقيقي لتحكّم الهواتف النقالة بطبيعة حياتنا اليومية.

يصف الفيلم أثر علاقتنا الوطيدة مع ما يسميه “الصندوق الأسود” أي هواتفنا النقالة؛ فنحن دائماً مشغولون بالضغط على الأزرار في سبيل إرسال شيء ما، أو التعليق على أمر ما. وفي وقتنا المتبقي ننتظر متلهفين لقدوم رسالة أخرى؛ لنرد عليها. بات الهاتف مخبأ أسرارنا؛ لكن ماذا لو انكشفت تلك الأسرار أمام من نهتم برأيهم؟

نحن والشبكة

تبدو علاقتنا مع الهاتف المحمول ملخصة في بقائنا على اتصال مع الشبكة، كما يصفها زيجمونت باومان في كتابه “الحب السائل”؛ حيث يعتبر باومان أن اللامكان بالنسبة لنا هو “المكان.. من دون الهاتف النقال”، أو المكان الذي تنفذ فيه بطارية الهاتف المحمول؛ فهو الذي يمنع تقييدنا بمكان بعينه؛ بل ويوفر لنا إمكانية التمايز عن محيطنا متى شئنا.

تتحول شبكة المعارف الافتراضية مع مرور الوقت إلى المكان الذي نلجأ إليه ونستنجد به؛ إذا ما أصبحنا لا نطيق وجودنا مع مجموعة الأفراد التي تحيط بنا؛ أي أنه بوسعنا الهروب من السرب والتمايز عنه ما دامت الشبكة متوفرة، وما دامت هواتفنا النقالة آمنة في جيوبنا.

تخلق هذه العلاقة الاستناديّة -مع الهاتف المحمول- نوعاً من العلاقات يدعى “العلاقات الافتراضية”. وأهم ما يميّز هذه العلاقات أن دخولها سهل؛ كما الخروج منها. كل شيء يمكن بدؤه أو إنهاؤه بكبسة زر. وهذا لا يجعل منها هشة بالضرورة؛ بل يجعلها تؤسس للتعويض عن شراكات الحياة في سبيل علاقات لا يوجد فيها ارتباط بعيد المدى.

فيصبح القرب الافتراضي صاحب الأفضلية على القرب الطبيعي؛ فالأخير تنقصه إمكانيات التواري عن الأنظار والمرونة التي تتوفر في القرب الافتراضي. بالتالي فإن القرب الواقعي المعهود يصير أمراً ثقيلاً، ويلقى مقاومة بالتأكيد.

تصبح الفرصة سانحة أمام القرب الافتراضي ليؤدي دور الواقع الحقيقي النقي، وحين تتداخل الحياتان -معاً- تنشأ الصراعات التي نشهدها في فيلم “غرباء بالمطلق”.

فالسهولة التي تنهار فيها علاقات بدت لوهلة أنها وطيدة؛ تجعلنا نتساءل عن مدى قوة تلك العلاقات على وجه الحقيقة؛ فإذا اتفقنا على أن القرب الافتراضي أصبح يؤدي دور الواقع الحقيقي يسهل علينا فهم سهولة إنهاء تلك الروابط “بضغطة زر”.

أدّى تنوّع الشخصيات إلى تعقيد الخطوط الدراميّة لكل منها؛ وهو ما صعّب مهمة كتابة الحوارات. يقوم أحد الأزواج بالاتفاق على تبديل هاتفه المحمول مع بيبي الذي يوافق على استحياء؛ لكن السبب وراء التبديل هو إخفاء أحد أسراره عن زوجته، وهو سر كان ثمنه ليكون مقبولاً إذا ما قارناه مع ما دفعه بسبب تبديله للهاتف.

فلا أحد قادر على تحمّل أخطاء الآخرين؛ لكن في هذه المرة يظهر لنا الموقف الوحيد الذي تبرز فيه قيمة الولاء للأصدقاء طيلة الفيلم؛ فينجح هؤلاء فيما فشل به الآخرون.

في أحد مشاهد الفيلم يقف الجميع لمراقبة خسوف القمر. اجتماعهم في ليلة الخسوف أمر يستحق التوثيق والتقاط صورة من أجله؛ لكن رمزيّة الموقف أنبأتنا بالتصاعد المخيف للأحداث التي سوف تليه؛ إذ أنهم يجتمعون على شرف نادر، وهو رؤيتهم الجانب المظلم من القمر.

ما يفعله جينوفيزي هو إبراز هذا الجانب الخفي والسرّي (المظلم) الموجود في داخل كلّ منا بصورة أو بأخرى، وهذا يذكّر بما يقوله الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، إن كلا منا يمتلك أكثر من حياة؛ إحداها حياة عامّة، وواحدة خاصّة، وأخرى سريّة.

يكمن جمال الفيلم في قدرته على تسريب النكتة بين أمواج التوتر التي تمتد على طوله، فهو فيلم كوميدي؛ إلا أن التراجيديا سوف تمسح بيدها على ثلثه الأخير معلنة أن النكتة لا تدوم، قبل أن يفتعل المخرج قفزة ذكية مبهمة وتحتاج بعضاً من التركيز؛ لتدرك أن كل ما شاهدته لم يحدث فعلاً كما تصوّرت.

كان السبب الوحيد الذي جعل مخرج الفيلم يقوم بتغيير النهاية المأساوية للفيلم هو أننا “قابلون للكسر” جميعاً، وأن بعض الحقائق لا يمكن لنا أن نواجهها سوى بانهيار ارتباطنا فيها رسمياً. وكأنه يعطي بذلك فرصة جديدة، لشخصيات فيلمه ولنا، أن نعيد النظر أكثر حول طبيعة صندوقنا الأسود.

ita2

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s