كيف تأخرت السينما العربية؟

نشر على ميدان

في مبنى بورصة طوسون باشا الواقع في شارع باب الجديد بالإسكندريّة، وفي مساء الخامس من نوفمبر من عام 1896 جرى أوّل عرض سينمائي في مصر والمنطقة العربيّة؛ على يد المخرجيْن الفرنسيين أوجست ولويس لوميير. ليبدأ المصريون بصناعة أفلامهم بأنفسهم بعدها بسنوات؛ فكان فيلم “زيارة الخديوي عباس حلمي الثاني للمعهد العلمي لمسجد سيدي أبو العبّاس” الصادر عام 1907 أول فيلم وثائقي مصري؛ كما هو مدوّن في “تاريخ السينما في مصر” لأحمد الحضري.

في ذلك العام كانت مصر قد امتلكت 10 قاعات عرض سينمائية؛ عرضت أفلاماً غربية؛ منها ما تم تصويره في مصر؛ لتصبح بذلك البلد العربي الأول الذي استطاع استيعاب هذا الفن وتلك التقنية في أواخر القرن التاسع عشر، والتي أعلنت رسمياً عن ذلك في عام 1925 عند تأسيس “ستوديو مصر”؛ حيث خلقت لها سوقاً إنتاجياً محلياً كبيراً.

عرفت دول عربية أخرى السينما كفن وسوق إنتاجي؛ مثل لبنان وتونس والمغرب والجزائر وسوريا. أنتجت تلك البلدان كمية من الأفلام التي رسمت أهم ملامح المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في بدايتها؛ إلا أنها كانت محكومة بظروفها التاريخية السياسية، وسقف حرية التعبير المنخفض.

قد تتباين ظروف نشأة السينما في الدول العربية؛ لكنها تشترك جميعها بأنها كانت ضمن تأثير التدخل الثقافي الذي رافق التدخل السياسي والعسكري في المنطقة؛ إذ يرى المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل، أن وجود المستعمر في المنطقة العربية سمح له بجلب تجربته السينمائية من أجل إنجاز أعماله؛ مستغلاً التنوع البيئي، وطبيعة الضوء في تلك المنطقة.

لكن التسليم بأن واحداً من أسباب نشأة السينما في الوطن العربي قد نتج عن وجود المُستعمر؛ لا يعني أن المساعي توقفت هناك. فكما أسلفنا اندمجت مصر داخل الحركة السينمائية بسرعة، وبرزت تلك المساعي أكثر فيما بعد؛ في محاولة للإجابة على سؤال الهوية وأسئلة أُخرى.

أزمات شوهت المشهد

تجعل الهيمنة الثقافية الغربية، المخرجين والمؤلفين العرب متأثرين بالأفكار السينمائيّة الغربية على الدوام؛ محاولين تجسيدها في أعمالهم طلباً لرضى الجمهور. تُمرر تلك الأعمال خطابات أيديولوجية متناقضة؛ تساهم في إطالة أمد السيطرة الفكرية والثقافية.

لطالما اعتُبر أن آفة السينما المصرية هي الاقتباس، وقد ركّز جان الكسان على هذه القضية؛ خصوصاً أن الاقتباس من أعمال أدبية عالمية، أو أفلام أجنبية معروفة؛ قد زاد عن حده في إحدى المراحل؛ مما سبب تكرار أفلام مقتبسة عن نفس العمل أكثر من مرة.

كما لا يمكن تحديد مواصفات معينة لسينما عربية ذات خصوصية وأسلوب ومسار؛ بسبب التفاوت في الحضور الجماهيري والانتاج والتسويق. عدا عن إشكالية الحلول الفردية التي انتهجها السينمائيون العرب؛ بعد فشل عدة محاولات للنهوض بقطاع السينما في العالم العربي، وتوفير قاعدة راسخة للإنتاج السينمائي تسمح للسينمائيين بتحقيق طموحاتهم.

كان من ضمن تلك المحاولات تأسيس “جماعة السينما الجديدة” في مصر عام 1968 والتي دعت في بيانها إلى تطوير سينما مصريّة تعبّر بصدق عن قضايا الواقع المصري، وهموم الناس؛ بمستوى فني وتقني متطور. نجحت الجماعة فعلاً بإنتاج فيلمين روائيين طويلين بدعم من قطاع الإنتاج السينمائي العام؛ لكنها توقفت بعد عامين، بعد إلغاء القطاع السينمائي العام في مصر.

 (وكالة الأنباء الأوروبية)

وفي سياق آخر؛ يعطي الكسان ملاحظة مهمة حول اللغة في السينما العربية؛ حيث تحمل الأفلام المنتجة في الدول العربية لهجات محليّة يصعب فهمها في أقطار أُخرى؛ بالتالي لم تكن اللغة بالنسبة له عاملاً إيجابياً في رسم ملامح السينما العربية. وهي ملاحظة جيدة؛ لكنها لا تعني أنها متحققة على الدوام. فمثلاً ساهم الإنتاج الغزير والنوعي للسينما المصرية في الستينيات بانتشار اللهجة المصرية؛ فأصبحت مفهومة ومتداولة بين جنسيات عربية أخرى، ولا يوجد ما يمنع من تكرار هذا الأمر مع أي لهجة عربية محلية موازية؛ كما استطاعت السينما الأوروبية أن ترسم لنفسها شكلاً واضحاً على الرغم من الاختلاف الجذري بين لغات بلدانها.

عدا عن كون مشكلة اللغة هي فشل في تحقيق الهوية بالأساس، وليست مشكلة السينما؛ أي أن الفشل المسبق للغة الواحدة والدين الواحد في تحقيق أي نوع من التوازن في المنطقة العربية؛ قد انعكس على مجالات شتى، ومن ضمنها السينما كأحد أبرز تجلياتها.

عانت السينما العربية من ضعف النقد العربي الموازي لها؛ مما أثر بشكل عام على تطورها. فكما كانت مساهمة النقاد الفرنسيين في السينما الفرنسية ذات تأثير واسع على تلك السينما وعلى السينما العالمية عموماً؛ كان من الممكن أن يساعد النقد العربي على تعديل مسار السينما العربية، والتركيز على القضايا الجذرية فيه أكثر من الاعتماد على سرد ملخصات الأفلام، ورواية أخبار وفضائح الممثلين والممثلات؛ بدلاً من الكتابة الجادة؛ إلا من قبل بعض كبار النقاد.

على المستوى الأكاديمي لم يدمج الفكر العربي المعاصر حقل السينما في نطاق اهتماماته كحقل للإبداع الثقافي، أو كمجال للتذوق الجمالي، أو إنتاج الأيديولوجيا؛ إلا متأخراً. فلم يكن هناك تبادل حقيقي بين السينمائي العربي وبين المثقفين العرب إجمالاً إلا في مواقف نادرة. وهذا ما جعل المخرج توفيق صالح يقول بأن المثقف العربي ليس فقط بعيداً عن الفعل في السينما العربية؛ ولكنه أيضاً ينظر إليها نظرة متعالية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s