أفلام القصص المصوّرة.. التعطّش للبطولة

نشر على ميدان

في أحد مشاهد فيلم “V for Vendetta”  يقوم أناركي مجهول يرتدي قناعاً أبيضاً بتفجير إحدى الأماكن في لندن. كان هذا الحدث كناية عن رفض للنظام القائم وسياساته ولهذا استهدف التفجير مبنى المحكمة العليا تحديداً.

يناقش الفيلم قضية سياسية بامتياز عبر متابعة مجموعة من المضطهدين الذين يقررون الوقوف في وجه الشرطة المستبدة التي تُحكم سيطرتها على الناس بسلطة الخوف. ما لم يعلمه مخرج الفيلم الأسترالي جيمس مكتيغ، أو كاتب القصّة المصوّرة من قبله؛ الانجليزي آلان مور، أنه وبعد العرض الأول للفيلم بسنوات سينزل مجموعة من الشبان إلى شوارع القاهرة منددين بالنظام ومطالبين بسقوطه. في تلك المظاهرات ارتدى الشباب قناع فينديتا الأبيض. لكنهم لم يفجروا أي محكمة هذه المرة.

لماذا تنجح أفلام القصص المصورة؟
يمكن اعتبار عام 2000 بداية “عصر النهضة”* في عالم أفلام القصص المصوّرة. جاءت هذه النهضة كنتيجة* للتطور التكنولوجي. حيث حلت تلك الأفلام مكان الرسوم المتحركة بفضل هوليوود التي سخّرت وجود الحاسوب من أجل تحويل تلك الرسوم إلى أجساد تتحرك بميزانيات ضخمة جداً مدعومة بماكينة تسويق إعلامي لا تنضب.   

في ذلك العام ظهر فيلم “X Men” للمخرج الأمريكي بريان سينغر. ويروي الفيلم حكاية عدد من الأشخاص الذين يملكون طفرات جينية معينة تجعل منهم بشراً خارقين للعادة. تمكن الفيلم من النجاح جماهيرياً وتحقيق إيرادات تجاوزت 300 مليون دولار. يعود السبب في ذلك للطريقة التي عولجت فيها شخصيات الفيلم الغريبة. فهي شخصيات خيالية سببت قواها الخارقة مشاكل منعتهم من الاندماج الطبيعي في المجتمع.

وبهذا أصبحت هذه الشخصيات مرتبطة بالحياة الواقعية للمشاهد كونها تعكس نفسية الفرد الذي ينتمي إلى فئة مضطهدة مجتمعياً سواء لسبب عرقي أو جنسي أو ديني. كان الربط بين الخيالي والواقعي من خلال طرح الأسئلة الفلسفية المتعلقة بالحياة اليومية قد لقي قبولاً واسعاً وكان سمة دائمة تصف تلك المرحلة من أفلام القصص المصوّرة.

في مقالة نقدية له، اعتبر* الناقد الأمريكي الراحل روجر إيبرت، أن الجزء الثاني من سلسلة “الرجل العنكبوت” والصادر عام 2004،  أفضل فيلم مقتبس عن قصّة مصورة منذ العام 19788 وأرجع السبب في ذلك لمناقشة الفيلم قضية إنسانية بامتياز.  

فبعد تضاؤل قدرات بيتر باركر وتعرقل علاقته العاطفية مع حبيبته وخسارته لوظيفته وبدءه بتفويت دروسه، تظهر ملامح استسلامه لأزمته الوجودية التي ترافق بحثه عن الذات وأسئلة عن معنى حياته. يُفسّر إيبرت نجاح هذا الفيلم بأن المتابعون يرغبون بمشاهدة أبطال يشبهونهم، ولديهم من المشاكل ما قد يصيب أي منهم، لا مجرد نماذج آلية مثالية لا وجود لها.

 ولأن السينما مثلها مثل معظم أشكال الثقافة الشعبية يُمكن استخدامها كأداة لجس نبض المجتمع فإن هذه النهضة لأفلام القصص المصوّرة والتي تجسد في معظمها حكايات لأبطال خارقين تعني بالضرورة أننا نعيش في وقت يتعطش فيه الفرد للقصص والشخصيات البطولية.

ولعل ثلاثيّة المخرج الإنجليزي كريستوفر نولان عن باتمان هي الأكثر شهرة من بين تلك الأفلام خلال السنوات الماضية بل والأكثر تعبيراً عما سبق. حيث قدّم نولان صورة مختلفة لأفلام القصص المصوّرة خصوصاً مع الجزء الثاني “The Dark Night” الصادر عام 2008، والذي كان الأكثر عمقاً من ناحية فلسفية والأكثر تعقيداً من ناحية درامية.

عند النظر إلى شخصية باتمان نلاحظ أنه وعلى الرغم من ارتدائه البدلة السوداء فإنه إنسان عادي، يتميز أنه ثري للغاية ومدرّب بشكل احترافي ولديه عدد من المعدات القتالية المتطورة والتي يجيد استخدامها.

كما يؤثر ماضيه الشخصي على الطريقة التي يراه فيها الجمهور، فشهادته على موت والديه هو حدث هام في حياته أدي إلى تغيير طريقة تفكيره وهو أمر يشبه كثيراً ما يمكن أن يحدث مع أي منا. كما أن باتمان تحركه العواطف أحياناً، ففي “The Dark Night” نجده يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذ الفتاة التي يحب.

وخلال ذلك نلاحظ أنه قابل لأن يفقد سيطرته على زمام الأمور ويتسبب في مقتل عدد من الأبرياء كما يفشل أكثر من مرة في إنقاذ آخرين. وهو ما سوف يرتبط مباشرة مع تجربة المُشاهد الشخصيّة. ثم نراه في نهاية الفيلم وهو يقدم نفسه ضحية إعلامية لجرائم لم يرتكبها فقط من أجل تقديمه للمصلحة العامة على مصلحته الشخصيّة. ومن منا لا يحب الشخصية التي تؤثر على نفسها هكذا.

اكتشف المنتجون أن أفلام الأبطال الخارقين تجني الكثير من الربح. وأن الجمهور يرى في الأبطال الخارقين تلاحماً مع تجربتهم الانسانيّة فيرى المشاهدون جزءا من واقعهم على شاشة السينما من خلال شخصيات خارقة للطبيعة. وهذا لا يعني عجز الأفلام الأخرى عن تقديم البديل ولكن أفلام القصص المصورة تأتي مدعومة بالإبهار البصري وهذا ما يعزز رواجها أكثر من غيرها.

لكل بطل كبوة

أثبت “X Men” للجمهور إمكانية أن تكون أفلام القصص المصورة أفلاماً درامية وواقعية للغاية. وأن شخصياتها تنتمي للعالم الحقيقي بكل تفاصيله. على الرغم من ذلك فإن تأثير شركة “مارفل” على مسيرة أفلام الأبطال الخارقين والتي بدأتها بفيلم “Iron Man” لم يكن ايجابياً بصورة خالصة. حيث أصبحت أفلامها تشبه بعضها البعض فيما يخص طريقة السرد. فهي بعكس الأفلام التي سبقتها تفتقر إلى عنصر المفاجأة. فكل شيء متوقع وكل مشهد نراه نعلم أنه سيؤثر على أحداث الفيلم بطريقة ما.

بات عمل هذه المؤسسة العملاقة والمملوكة لديزني يشبه في طريقته عمل استديوهات هوليوود الضخمة في أربعينيات القرن الماضي. وهو ما يصعّب مهمة أي مخرج  لأفلامهم؛ إذ عليه الالتزام بعدد من المبادئ التي لا تحيد عنها قصّة الفيلم.

إدراك مارفل لوضعها الحالي جعلها تبدأ بتغيير بعض من سياساتها عن بقية انتاجاتها فاطلقت فيلم Deadpool وذلك بالتزامن مع اطلاق شركة DC لفيلم Batman vs. Superman.
في فيلم “سوبرمان ضد باتمان” نجد أنفسنا لأول مرة أمام ضغط الإختيار. فالعداء هنا بين أشهر شخصيتين في عالم أفلام القصص المصورة وعليك أن تختار جانباً لتنحاز إليه. عدم وضوح العدو كان خطوة ذكية من دي سي جعلت بعض التحليلات تشير إلى أن الصراع الفعلي في الفيلم هو بين الله الذي يجسده سوبرمان وبين الإنسان الأعلى بالتصور النيتشوي والذي يجسده باتمان.

أما فيلم “ديدبول” فإن بطله شخصية تعلم تماماً أنها من قصّة مصوّرة، بل انه يكسر الجدار الرابع مع الجمهور طوال الوقت. وهي حيلة خطرة إذ تعارض في طريقتها ما اعتاد الجمهور على رؤيته. لكن فكاهة ديدبول وخفّته تنقذ الموقف وتتسبب في نجاح الفيلم على كلا المستويين، شباك التذاكر وتقييمات النقّاد.

من الصعب التنبؤ بالوقت الذي سوف يمل فيه الجمهور من أفلام الأبطال الخارقين وبالتالي يُعلَن عن وفاتها رسمياً عبر الانتقال بها إما لمرحلة أكثر تعقيداً أو بالتخلي عنها تماماً. كما من الصعب اتهام الأرقام التي يحققها شبّاك التذاكر بالزيف، لكنها لا تعني في الوقت ذاته تفضيل الجمهور لتلك الأفلام التي حققت الإيرادات العالية. وردود الفعل المتواضعة على عدد منها مؤخراً يؤشر إلى إمكانية أفول نجم هذه النوعية من الأفلام، لكن ليس على المدى القريب.

إذا عقدنا مقارنة بسيطة بين أكثر الأفلام جلباً للأرباح في تاريخ السينما وبين أعلى الأفلام تقييماً على الموقع الأمريكي “IMDb” نجد أنّ تلك الأفلام التي حظيت بهيمنة ماليّة ودعائية في وقتها لم تنل أي فرصة للتقدير من قبل المولعون بالأفلام لاحقاً، إلا أعداد قليلة جداً. بعكس أفلام فعلت ذلك بمهارة دون أن تنجح جماهيرياً مثل فيلم الخلاص من شاوشنك الصادر عام 1994 وفيلم نادي القتال الذي صدر بعده بخمسة أعوام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s