أفلام أربعة تشرح أزمة الكاتب

إذا كانت الكتابة جسراً للتواصل مع الآخرين فإن السينما تتحول أحياناً إلى مرآة لذلك الاتصال. خصوصاً إذا جسدت السينما حياة الكاتب الأدبي سواء على شكل سيرة ذاتية أو قصة خيالية. وإذا كان النص كياناً متكاملاً له ذكاؤه الخاص كما يقول أمبرتو إيكو فإن السينما هي الوسيط العقلاني والعاطفي في آن واحد.

إن الاتحاد بين الكتابة والسينما له تاريخ طويل ومستويات مختلفة. أحدها هي ما سعت إليه السينما من إبراز لبعض العقبات التي تحيط بالكاتب عن طريق أفلام خيالية إبداعية. منها أزمة نقص الإلهام أو تحديد مصير الشخصيات وغيرها من المواضيع التي نستعرض جزءا منها في هذه القائمة:

1. فيلم Barton Fink الأمريكي، 1991، إخراج الأخوين كوين:

 

يعتبر هذا الفيلم واحد من أهم أعمال الأخوين الأمريكيين جويل وإيثان كوين، والذي حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان كان علاوة على جائزتي أفضل ممثل والسعفة الذهبية.

يلعب الممثل جون تورتورو دور كاتب مسرحي يُدعى بارتون فينك، وهو كاتب من نيويورك قد حاز مؤخراً على شهرة كبيرة بسبب أحد أعماله المسرحية مما تسبب في انهمار العروض عليه للعمل في هوليوود. ورغم تحفظاته على العمل في بيئة هوليوود الصارمة إلا أنه قرر الذهاب لخوض هذه التجربة مؤقتاً.

يعبر الفيلم عن أزمة بارتون فينك في نقطتين أساسيتين، وهما حالة العجز الكتابي التي تنتابه والعبودية المطلقة للسلطة العليا في هوليوود.

فيما يبدو أن تركيز الأخوين كوين في هذا الفيلم على هجاء هوليوود وخصوصاً سلطة الاستديوهات الكبرى فيها ورتابة التنفيذ وعشوائية الأوامر، إلا أن الفيلم به عدد آخر من الجوانب التي تتعلق بصعوبة التعامل مع الكتابة كوظيفة.

2. فيلم Stranger Than Fiction الأمريكي، 2006، إخراج مارك فورستر:

 

كانت حياة موظف مصلحة الضرائب الملتزم للغاية بعمله، هارولد كريك، روتينية ومملة وعادية جداً حتى بدأ بالاستماع لصوت في عقله يروي أحداث حياته خطوة بخطوة. اعتقد كريك أن هذا صوت الإله، أو أن الأدوات من حوله تتحدث إليه، أو أنه قد جُن.

لكن الطريقة التي يتكلم فيها هذا الصوت توحي بكتابة أدبية ملحمية تصف أتفه الأشياء وأكثرها عاديّة وكأنها أمر جلل. كان هذا حين أدرك كريك أن ذلك الصوت ينتمي لروائي ما يقوم بكتابة قصّة حياته.

بعد لجوئه لاستشارة أديب وبروفيسور معروف (داستن هوفمان) حول هذا الأمر ينصحه الأخير بمحاولة معرفة إذا ما كانت قصّة حياته تلك هي أدب تراجيدي أم كوميدي.

يُشير عدد من المواقف أن القصة ستكون درامية تراجيدية بالتأكيد، ليبدأ كريك التساؤل حول السبب الذي يجعل الكاتب ينهي حياة أبطاله بطريقة محزنة. فيندفع محاولاً تحقيق كل الأمور التي يرغب في تحقيقها قبل أن يأتي يومه الأخير في تلك الرواية. وكأنّ موته كان سبباً في حياته.

يمكن اعتبار الفيلم إسقاطاً للرواية على حياتنا الشخصية خصوصاً عند التساؤل عن أي النهايات تحمل المغزى الأهم، النهايات الحزينة أم السعيدة؟ كما يطرح طريقة تعاملنا مع الأدب في حياتنا كتعويض عن النهايات المأساوية أو بحثاً عن نهايات سعيدة أو عدالة لم نجدها أو سخرية نحتاجها.

3. فيلم In The House الفرنسي، 2012، اخراج فرانسوا أوزون:

يحكي الفيلم عن العلاقة بين كاتب فاشل يعمل كمدرس للغة الفرنسية في إحدى المدارس الثانوية. يشتكي دوماً من ضعف مستوى الكتابة لدى طلابه، فيطلب منهم الكتابة عن موضوع مختلف بعنوان “كيف أقضي عطلة نهاية الأسبوع؟” والمهم هو الكتابة بشفافية.

من بين كل الأعمال التي تلقاها لم يعجبه إلا ما كتبه طالب واحد يُدعى كلود. لكن المشكلة فيما يكتبه أنه يتطرق للكثير من التفاصيل الخصوصية عمّا رآه كلود في منزل صديقه عند زيارته أثناء عطلة نهاية الأسبوع.

بدلاً من معاقبته على نشر مثل هذه التفاصيل، يقوم المدرس المهووس بالكتابة بطلب استكمال الموضوع اسبوعاً بعد اسبوع بل إنه يشارك زوجته قراءة تلك النصوص التي تصبح شغلهم الشاغل.

طالب موهوب أدبياً لكنه غير مستقر نفسياً ويتلاعب بالمحيطين به وعلى رأسهم مدرّس اللغة الفرنسية في المدرسة. شغف الأخير وإعجابه بطريقة كتابة الفتى تجعله يتورط بأمور خطيرة تهدد حياته المهنية.

4. فيلم Ruby Sparks الأمريكي، 2012، اخراج جوناثان دايتون وفاليري فارس:

 

الروائي العبقري كالفن يبدأ بكتابة روايته الجديدة على آلته الكاتبة. تتناول الرواية حياة فتاة أحلامه واسمها روبي. يستيقظ كالفن في اليوم التالي ليجد روبي في منزله، تماماً كما وصفها في الصفحات الأولى من روايته.

يتناول الفيلم عدداً من القضايا المفصلية إلى جانب سلطة الكاتب في روايته. ففي العلاقة التي تنشأ بين كالفن وروبي نجد أن كل ما يهم كالفن هو أن تكون روبي كما يريدها، فهو لا يحبها كما هي بل كما يتصورها في مخيلته. بالتالي فإن كل ما عليه فعله هو أن يقوم بإضافة جملة واحدة في روايته لتتغير على أثرها شخصيّة روبي للأبد.

يفتح هذا الخيال البديع المجال للتفكير في علاقاتنا والطريقة التي يتأسس عليها حبنا وكافة مشاعرنا. هل نستطيع منح الآخر الحب الذي يستحق دون أن يمنحنا الصورة التي نريد؟ هذا ما يجعل المشهد الأخير في الفيلم ملخصاً لذلك الجانب من القصة، عندما يقول كالفن “لم أستطع رؤيتك عندما كنتِ هنا، والآن بعدما رحلتِ فإنني أراكِ في كل مكان”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s