“عقيدة الحشاشين”.. أمنيات العالم الحُر!

نُشر على ميدان

“الأصل في السؤال عن الحريّة؛ وهل أنا حر هو أنني أريد أن أكون حراً. ولهذا فإن إمكان الحرية ناشئ من إرادتي للحرية؛ فالحرية ليست شيئاً يحتاج إلى برهان؛ بل هي قراري أنا أن أكون حراً. وإذن لا تأتي الحرية من خارج، ولا تحتاج إلى شيء لإثباتها” بل يكفي أن أقرر أنني حر كيما أكون حراً.”

(عبد الرحمن بدوي – دراسات في الفلسفة الوجودية)

على أبواب قلعة ألموت، جنوب بحر قزوين، كان يقف الحسن بن الصباح مع أحد زواره. كان الحسن هو زعيم طائفة الحشاشين، والذين أخذوا من هذه القلعة مقراً وقاعدة لهم ينطلقون منها لتنفيذ عملياتهم. نظر “الصباح” إلى أحد الأبراج وخاطب ضيفه قائلاً “هل ترى هذا النصير المتحمس الذي يحرس أعلى البرج؟”، ثم استطرد: “انظر..” ثم أعطى إشارة من يده للرجل الذي قام على الفور برفع ذراعيه إلى أعلى، كنوع من التحية لزعيمه، ثم ألقى بنفسه من ارتفاع 700 متر تقريباً، ليلقى حتفه.

كانت هذه القصة قد وردت في أحد الكتب التي تهدف للتسلية(1) تماماً كما تفعل لعبة Assassin’s Creed والتي تدور أحداثها حول أحد أعضاء تلك الطائفة، يتابعه اللاعب وهو ينفذ عمليات اغتيال في أماكن مختلفة. على خلاف تلك القصة وأحداث اللعبة أيضاً؛ فإن أحداث الفيلم لا تعتمد على الإثارة أو عمليات الاغتيال المعقدة بشكل أساسي؛ بل إنه يغلّف ذلك كله بغطاء من المواضيع الاجتماعية الكبيرة.

يركز الفيلم على معركة عمرها قرون بين فئتين، الأولى هي فرسان المعبد؛ وهم متدينون مسيحيون يسعون للسيطرة على الجنس البشري، وفي الجهة الأخرى مجموعة سريّة تُعرف بالحشاشين الذين يهمهم الحفاظ على الإرادة الحرة للإنسان. وبين هاتين الفئتين يوجد “لينش” الذي سيكون مطلوباً منه أن يشق طريقه بين العقبات التي يضعها فرسان المعبد في طريق سعيه لحيازة عضويته وانتمائه لجماعة الحشاشين.

شخصيات بسيطة

الجهد المبذول لإخراج صورة بهذا الجمال قد واجهه نقص بالاهتمام في بناء شخصيات الفيلم.. “لينش” و”أغيلار”، اسمان لشخص واحد؛ لكنهما لم يلتقيا أبداً، فأحدهما مات قبل أن يولد الآخر بأكثر من 500 سنة

صورة من الفيلم

يتمتع الفيلم بعدد من الإيجابيات؛ سيكون أهمها هو إبهار الصورة. وربما هذا الجهد المبذول لإخراج صورة بهذا الجمال قد واجهه نقص بالاهتمام في بناء شخصيات الفيلم. “لينش” و”أغيلار”، اسمان لشخص واحد؛ لكنهما لم يلتقيا أبداً، فأحدهما مات قبل أن يولد الآخر بأكثر من 500 سنة؛ إذ يسير الفيلم بخطين من الأحداث أحدهما في مكان ثابت في مدينة مدريد الإسبانية في الربع الأخير من عام 2016. أمّا الخط الآخر فتجري أحداثه في القرن الخامس عشر في الأندلس الإسلاميّة.

يلعب الألماني “مايكل فاسبندر” دور “لينش” وتشاركه البطولة الفرنسية “ماريون كوتيارد” بدور “صوفيا”. لينش الذي يستيقظ في أحد الأيام ليجد والدته مقتولة على يد أبيه لا يتذكر أي شيء من حياته سوى هذا الحدث. بعد سنوات عديدة يستيقظ “لينش” مرة أخرى لكن هذه المرة داخل مقر لمؤسسة ما تقوم بتجارب، وموضوع تجربتهم القادمة هو “لينش” نفسه. عليه أن يعود بجسده وعقله 500 سنة إلى الوراء؛ مستخدماً جينات محملة بذكريات من أحد أسلافه الذي انتمى إلى جماعة “الحشاشين”. المشكلة في هذا كله أننا لا نرى أي جانب آخر من شخصيّة “لينش”، فهو هنا ويقوم بهذه التجارب؛ وهذا كل ما نعرفه عنه.

أمّا “صوفيا” فعلى الرغم من كونها عالمة وذكية؛ إلا أن رؤيتها للأحداث دوماً ضبابية، لا تستطيع التمييز بين ما هو خاطئ وما هو صحيح. كما أنها مستعدة لاستخدام الآخرين لتنفيذ أهدافها مهما تكلف الأمر. لا يبدو هذا ضعفاً في بناء الشخصية؛ لأنها مكتوبة لتكون على هذا النحو أصلاً، ولكن براءتها في التعامل مع الأحداث قد لا تتناسب وحس مع الشخصية العالمة، والباحثة البارعة.

صعود اليمين

من الصحيح أن الحشاشين يؤمنون في الفيلم بالإرادة الحرة للجنس البشري؛ بعيداً عن سيطرة اللاهوت، ويقاتلون من أجل ذلك، لكن هم أنفسهم ينتمون في الوقت ذاته إلى ما يمكن تسميته بالعقيدة أو المذهب أو الجماعة، هذه الجماعة لديها قوانينها الصارمة، وهذا ما يوقع بعض الارتباك بين ما يؤمنون به، وبين ما يسعون لتحقيقه.

يمثل مذهب الحشاشين في الفيلم أكثر من مجرد جماعة يجيدون أساليب القتال، وينفذون مجموعة من العمليات المعقدة؛ كما نرى في اللعبة أو حتى في التاريخ المكتوب عنهم؛ بل إنهم تجسيد لمسعى الحريّة، لذا ففي أحد المشاهد يضع “أغيلار” الحب في مرتبة أقل من قانون الجماعة؛ أي أن الحرية لديهم أهم من الحب؛ أو حتى أهم من أي شيء آخر.

أما الفرسان فإنهم يؤمنون بأن البشرية قد فسدت، وأن العنف قد تفشى، وعلى البشر أن يكونوا تحت إمرة سلطة عليا تحكمهم. وذلك كله من أجل التخلص من العنف الذي حكم البشر لفترات طويلة، ويظهر أن الترويج لسياساتهم يعتمد كلياً على هذا العنف ومحاربتهم له. لكن إيقاف العنف بالنسبة لهم مرتبط ارتباطا شرطياً بسلب الإرادة الحرة من الناس. وهذا يعني أن كلا الفريقين ينتهج نهجاً؛ ولكنه يتناقض معه في بعض أفعاله. فالفرسان غير قادرين على تحقيق مطلبهم إلا باستخدام العنف أيضاً؛ وإن كان يستتر تحت شعار العلم، فكانت نتيجة استخدامهم للعنف أنهم أعادوا خلق جماعة الحشاشين وكأنهم بُعثوا من القرن الخامس عشر.

كان انبعاث الحشاشين قرب نهاية الفيلم أمراً مفهوماً كرد فعل على حالة قمعية شرسة كتلك التي يمثلها فرسان المعبد، ولكنه على مستوى آخر فإنه خلق للعنف المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقديس. فالإنسان الذي يحتاج -من أجل العيش في المجتمع- كلا من العنف والمقدس و”الحقيقة”، سيكون مستعداً على الدوام لاستخدام العنف دفاعاً عن “حقيقته” المقدّسة. حتى وإن تطلب الأمر قتل أحد أعضاء الجماعة نفسها؛ كما حاول بقية الحشاشين قتل “أغيلار” لاعتقادهم بأنه خائن.

 

إذا اعتبرنا، بجانب الانفصال الأيديولوجي، أن الجماعتين هما مجموعتان سياسيتان في المجتمع؛ فحينها يمكننا القول بأن فرسان المعبد يمثلون اليمين. يؤمن أنصار اليمين بأن الأكثر حكمة (من وجهة نظرهم) هو الأحق بالحكم. وبمساعدة كل من يؤمن بجدارة هذا الأمر؛ فإن على بقيّة الناس أن تنقاد وتنصاع لهذا الحاكم. وفي هذا كان لـ”نيتشه” رأي فيما دعاه “الأخلاق المسيحية” ووصفها بأنها أخلاق العبيد؛ لأنها تحط من قدر الإنسان. وهم ينقسمون إلى نوعين، الأول يريد السيطرة على الجماهير وحسب (والد صوفيا)، والثاني يريد فعل ذات الأمر؛ لكن مع اعتقاد منه أنه يفعل الصواب ولمصلحة الآخرين (صوفيا) التي تمثل نوعا من الرومانسية العلمية الحالمة بدور للعلم في تحييد الصراعات؛ لكنها توظَّف بشكل خفي من قبل والدها.

يرفض الحشاشون كلا الموقفين ويؤمنون بالحرية الكاملة لأي فرد في الاختيار، وأنه من غير السليم أن يُجبر أحدهم على فعل أي شيء. لكنهم أيضاً يؤمنون بأن كل فرد مسئول عن أفعاله في عالم يستمر اليمين فيه بالصعود منذراً بأوقات أكثر مرارة، وبانعدام الخيارات أمام الشعوب.

“لا أشياء أملكها لتملكني..”  

(الشاعر الفلسطيني محمود درويش)

في أحد الحوارات الرئيسة مع زعيم الفرسان نكتشف أنهم -ومن أجل كبح الإرادة الحرة- قد جربوا الدين أولا؛ ثم السياسة، والآن يجربون النزعة الاستهلاكية والتي يبدو أنها قد نجحت.

يرى الفرسان بأن الناس اليوم يهتمون بنمط حياتهم أكثر مما يهتمون بالحريات المدنية. وهذا ما يذكرنا بالقانون الأول لدى الحشاشين الذين يفضلون قانون الجماعة على الحب؛ بل وعلى أي شيء آخر يحبونه، وبهذا فإن الحشاشين هم نقيض هذه النزعة الاستهلاكية التي يسيطر من خلالها الفرسان على البشر. هم الفوضى المربكة لهذا النظام السلطوي (ذات النظام الذي يشكّل وجوده إعادة خلق لهم). وبهذا فإذا تجاوزنا التقسيم الأوّل والثاني لهما (الاختلاف الأيديولوجي والسياسي)، فإنهما أيضاً مختلفان من حيث مواقعهما من المجتمع، أحدهما يمثّل النظام والمؤسسة والآخر هو نقيض هذه المؤسسة وعدوّها.

 

في تسلسل “ماسلو” الهرمي للاحتياجات، نجد أنه وبعد تحقيق الحاجات الفسيولوجية؛ فإن الإنسان يرغب بالانتقال إلى حاجات تتعلق بتحقيق الذات والتقدير. لكن في الحياة الواقعيّة نجد أن الاهتمام بات متوجها نحو تحقيق ظروف أحسن للأمور الأساسية؛ بمعنى أن الحاجة لم تعد للانتقال خطوة إلى الأعلى في هرم “ماسلو”؛ بل الانتقال خطوة إلى الأمام في نفس الدرجة الأولى من ذلك الهرم. أي السعي لطعام أكثر جودة، ومسكن أفضل، وملبس أجمل.. وهكذا تزداد النزعة الاستهلاكية. أمّا من يتخلى عن هذه النزعة فيصبح خارج السرب، وبعيداً كل البعد عن كل ما يركض وراءه بقية أفراد المجتمع، وهذا ما يجعل منه منبوذاً.

في تفسير كلمة حشاشين حسب رؤية الفيلم، يخبر كبير الحراس بأن الكلمة تعني المنبوذين، ورغم أن المعنى الحرفي لها هو متعاطو الحشيش والمدمنون؛ لكنها بالمفهوم العام تدل على فئة مهمشة ومنبوذة؛ وهي -هنا- الفئة التي تجاوزت نزعتها الاستهلاكيّة.

في نهاية الفيلم يقف مجموعة من الحشاشين على أحد المباني العالية في لندن؛ بعد اغتيال زعيم فرسان المعبد، وحيازتهم لما يسمونه بسر الإرادة الحرة. وهي رسالة الفيلم الأخيرة بانتصار الإرادة الحرة على أي محاولات لسحق النزعة الاستقلالية والتمرد وكسر المفروض. ونحن نعلم في وقتها أن امتلاك الحشاشين لهذه القوة ليس خطيراً؛ فهم ليسوا تواقين للسلطة؛ إذ أنهم امتلكوها مسبقاً وكل ما قاموا بفعله هو أن سلّموها لـ”كريستوفر كولومبوس” في أحد المشاهد، كتعبير عن موت العالم القديم، وولادة عالم جديد كانت كل الأمنيات حوله بأن يكون عالماً حرّاً على الأقل!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s