بالأبيض والأسود: العنصرية في جوائز الأوسكار

ليلة حافلة في البيت الأبيض؛ عدد كبير من السياسيين ورجال الأعمال والفنانين الأمريكيين حضروا لتلبية دعوة الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة الأوريكية “وودرو ويلسون”. كان عمّال البيت الأبيض يضعون اللمسات الأخيرة قبل عرض فيلم الليلة؛ أول فيلم أمريكي طويل يتم عرضه داخل البيت الأبيض. كان الفيلم الصادر عام 1915 بعنوان “ميلاد أمّة” مصنّفاً في وقتها باعتباره نموذجاً للفن الحقيقي.

هذا الفيلم الذي أخرجه “ديفيد غريفيث” ويعتبر -حتى اليوم- عملاً تأسيسياً للسينما الأمريكية من الناحية الجماليّة؛ كان أيضاً انعكاساً لعنصريتها العميقة للدرجة التي جعلت من منظمة “كو لوكس كلان” العنصريّة تستخدمه في تجنيد أعضاء لها. (1) لاحقاً اعتبرته مكتبة الكونغرس فيلماً مهماً (من الناحية الثقافية والتاريخية والجماليّة)، وحفظته في السجل الوطني للأفلام الأمريكية.(2)

 (رويترز)

اليوم وبعد ما يزيد عن مئة سنة من العرض الأوّل لهذا الفيلم، لا يزال الحديث حوله مُربكاً للغاية، فالتقنيات السينمائية المبتكرة التي صنعت منه فيلماً عظيماً لم تغفر له عنصريته الوقحة. (3) حقق الفيلم أرقاماً قياسية بعدد مشاهداته، ويعتبر مرجعاً لعدد من الأفلام في مجال تصوير المعارك الحربية.(4) تقول الكاتبة “إيلين سكوت” في كتابها “الحقوق المدنية للسينما” بأن “ميلاد أمّة” هو الفيلم الأكثر عنصريّة في التاريخ، وأن السياسة التي يقوم عليها هذا العمل هو اعتبار إعدام وسحل الأمريكيين السود أمراً إيجابياً.(5)

في عام 2016 صدر فيلم أمريكي يحمل نفس الاسم؛ من بطولة وإخراج “نيت باركر” وطاقم كبير من الأمريكيين السود؛ لكنه كان يحمل رواية مختلفة، وهو دليل آخر على ما أثاره الفيلم الأوّل من حنق أثّر على صناعة السينما عموماً، وتجلت تأثيراته في الحملة التي قادها مجموعة كبيرة من الفنانين السود لمقاطعة حفل توزيع جوائز الأوسكار تضامناً مع الحملة الشعبية الضخمة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي حملت شعار (أوسكار شديد البياض) العام الماضي، متبنيّةً ادعاءً بوجود تمييز عنصري كبير في نتائج المرشحين النهائيين لجوائز التمثيل الأربعة (أفضل ممثل وممثلة بدور رئيس وأفضل ممثل وممثلة بدور مساعد) باعتبارها استثنت الأمريكيين من أصل أفريقي للعام الثاني على التوالي من تلك الفئات.(6)

أين تكمن المشكلة؟
على مدى خمسة عقود ماضية قامت الجمعية الوطنية الأمريكية للنهوض بالملونين (NAACP) بتنظيم حفلها الخاص للاحتفال بإنجازات الفنانين الأمريكيين السود في مجالات السينما والتلفزيون والموسيقى والأدب. كانت الفكرة هي عدم تقييد أي فنان أمريكي من أصل أفريقي بحظوظه التي تمنحها له لجنة توزيع جوائز الأوسكار أو غيرها من اللجان، وأن مقعداً خاصاً بكل منهم سيكون متاحاً في كل عام مهما كانت انحيازات الآخرين مجحفة بحقهم. (7)

لم يتوقف الأمر عليهم؛ ففي عام 1981 انطلقت فعاليات أول حفل توزيع جوائز “الأوسكار الأسود” في الوقت الذي لم يحظ فيه الأمريكيون السود باهتمام من قبل جوائز الأوسكار. فبعد 52 سنة على بدايتها رشحت لجنة الأوسكار 27 أمريكياً من أصل أفريقي فقط لجوائزها، ثلاثة منهم حصلوا على الجائزة. تم إيقاف جوائز الأوسكار الأسود عام 2007 بعد أن بدأت جوائز أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة بالانتباه بالفعل؛ لأهمية هذه القضيّة وأخذها في الحسبان عواقب تجاهلها أكثر من ذلك. (8)

باتت الحقيقة الأكثر إزعاجاً تتعلق بالبنية الأساسية للأكاديمية؛ فحوالي 94% من أعضائها(9) هم من الذكور أصحاب البشرة البيضاء، لكن وبناء على الضجة التي أثارتها حملة (أوسكار شديد البياض) العام الماضي قررت الأكاديمية في بيان لها تعديل شروط العضوية لديها بهدف الزيادة من معدل التنوع فيها.(10) هدف هذا الإعلان -بالأساس- إلى زيادة عدد النساء، وعدد الأمريكيين من أصل أفريقي في مقاعدها في خطة تكتمل بحلول عام 20200، وجاء في البيان “ستقوم الأكاديمية بالمبادرة، ولن تنتظر روّاد هذه الصناعة كي يلحقوا بها” مشيرة إلى أن هذه التدابير الجديدة تهدف إلى إحداث التأثير الفوري واللازم؛ من أجل تحسين ظروف الإدارة والتصويت لديها، وبهذا نجحت الحملة في لفت أنظار صناع القرار لدى الأكاديمية من أجل الانتباه والاعتراف بوجود مشكلة حقيقية لديهم.

لم تكن الإشارة في البيان السابق نحو “الصناعة” كجزء مهم في عمليّة تعزيز التنوّع العرقي في صناعة الأفلام عبثياً. ففي تقرير أصدره مركز “رالف جي بانش” للدراسات الأفريقية الأمريكية بعنوان “التنوع في هوليوود عام 2015”(11) يمكن ملاحظة الأرقام التي تشير بدقّة إلى أن المشكلة الأساسية ليست مشكلة أكاديمية الأوسكار؛ بل هي مشكلة في صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية من الأساس.

جرت الدراسة على 200 فيلم صدروا في عامي 2012 و2013 بالاضافة إلى كافة البرامج التلفزيونية التي عُرضت في نفس الفترة، وكان الهدف من التقرير هو توثيق درجة التمثيل التي تحظى بها النساء والأقليّات؛ سواء أمام أو وراء الكاميرا. فمثلاً، في فئة التمثيل بأدوار رئيسة في الأفلام السينمائية كانت نسبة الممثلين من أصحاب البشرة البيضاء 83.3% عام 2013 جسّد الذكور ما نسبته 74.7% منهم، بينما لا تختلف الأرقام كثيراً عند الحديث عن فئة صنّاع الأفلام.

لكن تبقى الإحصائية الأكثر تأثيراً؛ هي التي تتعلق بأعداد أصحاب القرار في هوليوود؛ حيث يُمنح الضوء الأخضر لأعمال بعينها، ويتم رفض أعمال أخرى، ويتم توزيع أدوار البطولة على من يرى أصحاب القرار هؤلاء بأنهم الأفضل في مواقعهم، فكانت النتجية بأن 94% من المدراء التنفيذيين في استديوهات هوليوود هم من أصحاب البشرة البيضاء، كما لا تملك هذا المسمى الوظيفي أي أمرأة.

بناء على هذه المعطيات قد تبدو فكرة مقاطعة الفنانين السود لحفل الأوسكار متسرعة بعض الشيء؛ لأن معركتهم الأساسية لن تكون مع الأكاديمية، بقدر ما ستكون مع صناعة السينما نفسها، ممثلة باستديوهات هوليوود الضخمة. فإذا كانت المشكلة تكمن في هوليوود كصناعة؛ فإنه سيكون من المفهوم إذا قرر السود البدء بإنشاء استديوهاتهم بأنفسهم كما فعلوا مسبقاً حينما قرروا بدء توزيع جوائز الأوسكار الخاصة بهم بأنفسهم.

أوسكار شديد السواد

نال هذا العام ستة ممثلين أمريكيين من أصل أفريقي ترشيحاً لجائزة الأوسكار، وهو رقم قياسي؛ بل يعتبر الأكبر منذ عام 2006، وذلك بالنظر لانعدام الترشيحات خلال العام الماضي والذي سبقه، بينما ترشح 3 فقط عام 2014 واثنان فقط عام 2013. (12)

كما كانت 2017 هي السنة الأولى في تاريخ الأوسكار التي ينال فيها الأمريكيون السود ترشيحات في كافة فئات التمثيل الأربعة، ثلاث منهم في فئة أفضل ممثل مساعد، وهو رقم قياسي آخر لعدد الممثلين السود المرشحين داخل فئة تمثيل واحدة. كما سجّل هذا العام حصول أول ترشيح لامرأة أمريكية من أصل أفريقي في مجال المونتاج. عدا عن الرقم الذي حطمه “باري جينكينز” كأوّل أسود يحصل على ترشيحات لجوائز أفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل فيلم مجتمعة عن فيلمه Moonlight، (13) وبما أنه لم يسبق للتاريخ بأن سجّل لأي فنان أسود الفوز بجائزة أفضل مخرج؛ فإن عيون الأمريكيين السود تتطلع بشغف نحو نيل هذا اللقب أخيراً.

لا يمكن فصل هذه الأرقام القوية التي حققها الأمريكيون السود هذا العام عن إعلان أكاديمية الفنون نيتها تعديل قوانين الانضمام إليها وإحالة من لا تنطبق عليه تلك القوانين إلى العضوية الفخرية؛ حيث قامت الأكاديمية بإضافة 638 عضواً جديداً إليها خلال العام الماضي؛ من أجل تعزيز التنوّع بين مستلمي جوائزها. (14)

 

يعود الفضل في التنوّع الكبير الذي يضمنه الحفل هذا العام إلى زيادة الفرص التي أُتيحت للأمريكيين السود للظهور بأدوار رئيسة أكثر أهمية من تلك التي حصلوا عليها العام الماضي. وهو بالضبط ما أوصت به الأكاديمية في بيانها سابق الذكر، والذي جاء استجابة لضغوط حملة (أوسكار شديد البياض).

يأتي هذا التنوع العرقي في ترشيحات الأوسكار في وقت يسيطر فيه اليمين المتطرف على السياسة الأمريكية؛ بعد تنصيب “دونالد ترمب” في الشهر الماضي. وعلى الرغم من الضجة التي أحدثها الخطاب السياسي للممثلة الأمريكية “ميريل ستريب” المناهضة لسياسات “ترمب” في حفل توزيع جوائز غولدن غلوب؛ لكنه لم يكن الخطاب الوحيد من نوعه.

فاز ثلاثة من الأمريكيين السود في جوائز التمثيل الأربعة في حفل توزيع جوائز نقابة ممثلي الشاشة الأمريكية، كان أحدهم “ماهرشالا علي”، الذي اعتنق الإسلام، ويؤدي دوراً مساعداً في فيلم مونلايت، قال: “تعلمت جراء عملي على هذا الفيلم ما الذي يحدث للآخرين عندما تقوم باضطهادهم، وهذا ما يجب علينا أن نحسّن من فهمنا له”. (15) جاءت كلمات علي بعد أن افتتح الممثل الأمريكي “آشتون كوشتر” الحفل موجهاً التحية لكل العالقين في المطارات بعد قرارات “ترمب” الأخيرة بمنع دخول المسلمين من بعض البلدان إلى أراضي الولايات المتحدة. (16)

وبهذا تصبح السينما أول الفنون التي قاومت هذا الصعود الخطير للعنصرية الأمريكية؛ واضعة نفسها في المعسكر المقابل لمعسكر العنصرية، وعلى خط الدفاع الأوّل عن الحريات واحترام الآخر، منبئة بحفل سياسي بامتياز هذا العام أكثر من أي وقت مضى. لهذه الأسباب سيحوّل العالم أنظاره نحو حفل الأوسكار الأكثر تقبلاً للآخر والأكثر تنوعاً واحتراماً للأقليات؛ في مواجهة الزمن الأكثر عنصرية على مستوى السياسة الأمريكية في عهد الرئيس “دونالد ترمب”!

المصادر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s