النكتة الكلاسيكية لدى الأخوين كوين

في كهف أفلاطون بدا أن السجناء الذين رأوا الظلال واعتقدوا أنها أصل الأشياء وحقيقتها، بدوا وكأنهم بُلهاء عندما خرجوا من الكهف واكتشفوا أن الظل ما هو إلا صورة عن الحقيقة المحسوسة، وعندما قرر بعضهم العودة للكهف من أجل إقناع البقيّة بالخروج، حُوربوا بشراسة واتهموا بالجنون. كان من نصيب أولئك من اكتشفوا الحقيقة أن يعيشوا كنكتة طيلة الوقت، نكتة لمن رأوهم يخرجون من الكهف، ونكتة لمن شاهدوهم يعودون إليه مجددًا.

عند الحديث عن أفلام الأخوين كوين فإن آخر ما نفكر به هو الكوميديا فالأحداث بالغة الجديّة دوماً، لكننا ومن موقعنا خارج الكهف لا نتمالك أنفسنا من الضحك على أولئك الذين يكتشفون طيلة الوقت في أي خدعة كانوا يعيشون. من أجل الوصول إلى ذلك إستخدم الأخوين كوين ما يسمى بكوميديا الأخطاء في أعمالهم الأولى، كوميديا ترتكز على الفكاهة التي تولّدها التصرفات “الغبيّة” من شخصيات تتسم بالبلاهة وما يخلفه ذلك من فوضى.

تحاول شخصيات الأخوين كوين فهم واستيعاب العالم الذي يعيشون فيه بالتالي عزل “اللامنطق” عن محيطهم وطريقة تفكيرهم. مثل فرانسيس ماكدورماند في Fargo أو ج. ك. سيمونز في Burn After Reading أو بيلي بوب ثورنتون في The Man Who Wasn’t There. يتم تقديمهم ضمن ظروف غريبة داخل عالم غير متوقع ويزيد من تشتيتها. نرى ذلك التوجه واضحًا في فيلم Blood Simple الذي تقع أحداثه على خلفية جريمة قتل متقنة، كما نلاحظه في Fargo حيث جيري ليمبرغارد هو الشخصيّة الرئيسة، ورغم أنه يقوم بأفعال سيئة، لكن سيكون من الخطأ تصنيفه كشخصية شريرة فهو شخصيّة بالغة الغباء وتحميه النوايا الحسنة لخدمة عائلته.

تُحررنا النكتة من الأشياء التي تقهرنا، تعطينا مساحة فاصلة عن تلك الأشياء وتحقق بعض الألفة في المكان الذي لا نتوقع حدوثها فيه أبدًا. نرى “هايّ” في لقائه الأول مع حبيبته “إد” في فيلم Raising Arizona وهو يتودد لها في أكثر الأماكن استبعادا لذلك؛ السجن. خصوصاً وإن كانت امرأة تعمل شرطية في ذلك السجن.

عمل الأخوين كوين على بناء شخصية بسيطة لـ “هاي” فهو يرى نفسه كمجرم وخارج عن القانون لكنه فاشل حتّى في أبسط السرقات، ولذلك يستمر بالعودة إلى السجن. بينما يحمّل الرئيس ريغان (ومستشاريه) السبب في تحوله إلى مجرم بسبب سياساتهم. ورغم أنه يملك فرصة للعمل لكنه يفضل العيش على السرقات، فلا يدفع حتى سعر جريدة الأخبار بل يسرقها ببساطة. يحب “هاي” الإثارة التي تجلبها حياة الخارج عن القانون، وما يترتب عليها من دخول إلى السجن. لكن كل هذا يتغير مع حدث واحد.

يتزوج هايّ من إد ويبدآن بتكوين حياة جديدة بعيدة عن الإجرام. يبدأ هايّ بالالتزام بأمور عائلته واتباع المنهج السليم للعيش بلا مشاكل، لكن المشاكل لا تود ترك هايّ وشأنه. وكأن العيش بلا إجرام هو مكافحة حقيقية لدى الأمريكي تحت ظروف معينة أي أنك تشاهد كوميديا البحث عن الذات لفرد أمريكي كل ما أراد تحقيقه هو معرفة ماهية “الحلم الأمريكي” وتطبيقه واقعًا!

هناك نوعان من المعاني المحتملة للأحلام كما يعتقد فرويد، الأول هو المعنى الحرفي الواضح لما نشاهده في الحلم، والثاني هو المعنى المخفي. تكون أحلام “هايّ” مهمّة في Raising Arizona لأن الفيلم بمجمله يتحرك عبر القضايا التي تنشأ في أحلامه والتي تحمل معان مختلفة، وإن كان البعض يرى في الافلام تشبّهاً بالأحلام فإن هذا يجعل من أحلام “هايّ” متداخلة واحداً مع الآخر، وكلها تجتمع تحت مظلة الحلم الكبير وهو الفيلم الذي نشاهده.

خروج رفيقيه من السجن هو حلم ونكتة في آن واحد. فهم أشبه بسفراء من ماضيه جاؤوا لتذكيره بحقيقته وما يجب عليه فعله. يأتون إليه ويرونه وقد نظّم أمره وقرر العيش بهدوء وبعيدا عن الحياة الصاخبة. ووجودهما أمامه وفي منزله يذكره بما كان بإمكانه أن يفعله إن لم يتزوج تلك الشرطيّة. فنجده يتساءل عن معنى الحياة إذا كانت مملة. رفيقاه إيفل وجيل عدا عن كونهما خارجين عن القانون لكنهما طفوليان وأبلهان وعلى عكس شخصيّة هايّ الجديدة (التي خرجت من الكهف) فهما يعشقان المتعة اللحظية.

على هاي مكافحة ميوله الإجرامية والتي شكلّت لوقت طويل عنصراً أساسياً من هويته. هذا الصراع الداخلي في عقله يستمر طيلة الفيلم منذ هرب رفيقاه من السجن واقتحما حياته، وعندما يتغلّب على هذا الاقتحام الفج نجدهما قد عادا إلى الحفرة التي خرجا منها (الكهف)، وكأن تغلّبه على نفسه هو إعادة لحبس كافة مشاكله الماضية.

يوظف الفيلم النكتة السياسية كمؤشر على التوجه النقدي السياسي للأخوين كوين عندما ناقشا قضية توزيع الثروات مثلًا عبر جملة يقولها بطل الفيلم لزوجته “إذا لم تستطع إنجاب طفل فاسرق واحدًا مم أولئك الذين لديهم الكثير من الأولاد”.

قد لا يكون Raising Arizona هو أفضل أفلام الأخوين كوين لأنه يعتمد بالأساس على كوميديا كلاسيكية لم تعد موجودة، لكن وعلى الرغم من ذلك ما زالت تحيط به هالة من التقديس والاحترام فقد أصبح مع الوقت واحدًا من أنجح الأعمال التي انتمت لهذا النمط.

عند انقضاء محكوميته يجري حوار يكاد لا ينتهي بين “هايّ” و مأمور السجن:
– هل تعلمت شيئًا من سجنك يا هايّ؟
– نعم بكل تأكيد تعلمت.
– أنت لا تخبرنا ما نود سماعه فقط؛ أليس كذلك؟
– لا طبعًا.
– لأن ما نود سماعه هو الحقيقة فقط.
– إذًا، أعتقد أنني أخبركم ما تودون سماعه يا سيدي.
– ألم ننهك الآن عن فعل هذا يا فتى؟

وهذا بالضبط أحد أنواع الحوارات التي قد نجدها في فيلم للأخوين كوين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s