وحيدون أمام الكاميرا ووراءها

كان الموت هو الفصل الأهم في حياة المخرج السويدي الشاب مالك بن جلول. انتحر في أيار من عام 2014 ملقياً بنفسه أمام عربات القطار بعد فترة قصيرة من حصوله على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عن فيلمه “البحث عن رجل السكر”. رغم أنه كان مفعماً بالحياة؛ لكن أسبوعين من الوحدة والعزلة كانا كافيين من أجل اتخاذ قرار الانتحار الذي تألّم بسببه الكثيرون.

“سأموت وحيداً،

قالت عرّافة قريتنا..

ستموت وحيداً”

من المدهش أن نكون قابلين للشعور بالوحدة؛ رغم أننا نسبح في نفس التيار مع بقيتنا. أن نكون محاطين بكل شيء ودواخلنا معزولة تماماً؛ وكأننا غرقنا وسط بحر من الغرباء، إلا أن طعم الملوحة هذه المرة سام. لن تكون النتيجة التي خلص إليها “سلافوي جيجك” بعد تحليل مطوّل لأحد المشاهد مفاجئة أبداً؛ نحن وحيدون. ونحاول تجاوز هذه الوحدة بالقراءة أو مشاهدة الأفلام أو الاستماع إلى الموسيقى الجيدة؛ لكن هذه كلها طرق للتخفيف لا للعلاج. التقط المخرج الإيطالي “مايكل أنجلو أنطونيوني” هذا فتكلّم في معظم أفلامه عن الشعور بالوحدة. شخصياته معزولة، أفراد يحاولون البحث عن آخرين يقومون باستيعابهم، والأهم من هذا أنهم دائمو البحث عن “ملاذ”.

المخرج السويدي الراحل مالك بن جلول (رويترز)

“الوحدة مهمة، كما أن الحب مهم بقدر ما يهم غيابه”

 المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي

في فيلمه “أزرق” سعى “كيشلوفسكي” إلى إظهار الوحدة بشتى الطرق، رغم أنها من أصعب المشاعر تصويراً. ساعده بذلك الحزن الرهيب الذي تملّك شخصية جولي (تلعب دورها جولييت بينوش). والتي أدت واحدا من أهم أدوارها؛ إذ تكون في حالة ترثى لها؛ لكنها لا تريد إبراز ذلك أبداً. تقرر بعد حادث مأساوي اعتزال العالم والعيش لوحدها لكن ألمها الذي لم نر منه دمعة واحدة يبدأ بالسيطرة عليها. في أحد المشاهد تمشي “جولي” إلى جوار جدار صخري فتقوم بحك قبضة يدها بالجدار أثناء مسيرها. المشهد -الذي يُفهم وكأنه تعبير عن فشل جولي بالتواصل مع العالم- كان حقيقياً، وبقيت آثار الدماء على يدها حتى نهاية الفيلم.

يظهر المخرج الفرنسي الثائر “جان لوك غودار”، في فيلم “مازلنا هنا” للمخرجة “آن ماري ميلفيل” عام 1997، مقتبساً من فلسفة “حنة آرنت” حول العزلة ومتبنّيها لنفسه؛ إذ يرى غودار ضرورة عدم الخلط بين مفهوم كل من الوحدة والاختلاء والعزلة. فالوحدة يرافقها الضجر، عندما يخذلنا من نحاول التواصل معهم (أشخاص، كتب، موسيقى..) وليس مشترطاً فيها أن نكون منفردين؛ بل من الممكن أن نكون وحيدين وسط الزحام.

أمّا الخلوة فهي عندما نكون منفردين لكننا برفقة شخص آخر في الوقت ذاته، يكون هذا الآخر هو نحن أيضاً؛ أي أننا نكون اثنين في واحد نستطيع حينها توجيه الأسئلة لذواتنا وتلقي عليها الإجابات. أي أن الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى مثل البحث عن الإله أو الحرية أو الخلود أو الوجود والعدم؛ كلها أسئلة يشكلها اختلاء المرء مع ذاته.

الوحدة والعزلة لا تحتويان على هذا الانشقاق. أمّا العزلة فهي التي لا تكون فيها مع ذاتك ولا بصحبة الآخرين؛ وإنما تكون مشغولا بشؤون العالم. وقد يتطلب إنتاج شيء ما أو قراءة كتاب معين شيئاً من العزلة، هي التي توفر الحماية من الآخرين ومن ذواتنا في سبيل إتمام العمل.

يرى “تاركوفسكي” أن أي شخص عليه أن يتعلم منذ طفولته البقاء وحيداً. وهذا لا يعني أن يكون وحيداً فقط؛ بل أن لا يشعر بالملل حينما يكون مع نفسه.

صورة من فيلم “البحث عن رجل السكر”

يفهم المخرج الروسي “أندريه تاركوفسكي” هذا جيداً، فنجده ينصح الشباب بأن يتعلّموا حبّ العزلة. أن يحبوا قضاء الوقت مع أنفسهم أكثر وأكثر. وأن يكفّوا عن المحاولات الصاخبة والعدوانيّة التي يمارسونها في سبيل تجنّب العزلة. يرى “تاركوفسكي” أن أي شخص عليه أن يتعلم منذ طفولته البقاء وحيداً. وهذا لا يعني أن يكون وحيداً فقط؛ بل أن لا يشعر بالملل حينما يكون مع نفسه “لأن الشعور بالملل مع النفس هو عرَض خطير؛ بل يكاد يكون مرضاً”. وهذا النوع من الأمراض قد يسبب الانتحار.

“تستطيع السينما أن تملأ الفراغات في حياتك وأن تملأ وحدتك”

 المخرج الإسباني بيدرو ألمودوبار

يعتبر فيلمه “سولاريس”، إنتاج عام 1972، تعبيراً عن اهتمامه الخاص بالوحدة وتبعاتها على النفس البشريّة. فرغم أنّ الفيلم يحكي قصّة إنسان يجد نفسه وحيداً في الفضاء الخارجي، لكنه يحفر عميقاً في دواخل ذلك الرجل طارحاً سؤالاً مهماً يبدو أنه شغل تاركوفسكي على نحو خاص، وهو: ما طبيعة الأفكار التي قد نواجهها إذا وجدنا أنفسنا وحيدين في أجواء لا نألفها؟

قد لا يجيبنا المخرج الياباني “ياسوجيرو أوزو” عن هذا السؤال؛ لكن صانع “قصّة طوكيو” و”أواخر الربيع” و”سيف الندم” يتعمّد تجاهل الحبكة الرئيسة في أفلامه لمدة من الوقت؛ كي يستغرق أكثر في التقاط بعض لحظات الحياة التي تعيشها شخصياته التي تحبّ الشرب والعزلة.

كان يتعمد ياسوجيرو أوزو ترك شخصياته في خلفية المشهد وسط مساحة مربعة من الفراغ في تعبير ملؤه الجمال عن وحدة تلك الشخصيات.

imdb

“أوزو” الذي سبق من عاصروه بسنوات كان يتعمد ترك شخصياته في خلفية المشهد وسط مساحة مربعة من الفراغ في تعبير ملؤه الجمال عن وحدة تلك الشخصيات. أوزو نفسه لم يتزوج ولم ينشئ لنفسه عائلة، لم يعمل في أي مكتب أو مصنع وكان مسرفاً في الشرب. تفانيه في العمل حجبه وأفلامه عن الأضواء العالمية خارج اليابان حتى وفاته.

يقول صديقه الناقد الياباني هديمي كون “نعم كان مرحاً، وأحبّ القيام بأشياء مسليّة؛ لكن كان هناك شعوره بالوحدة في نفس الوقت، ظهر ذلك في أفلامه؛ ولهذا أنا أؤمن به؛ الفنانون الذين يفتقدون للمسة من الوحدة مملّون”.

المصادر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s