فيلم “الوافد”.. دينيس فيلنوف محترفاً اللغة

تنويه: يحتوي التقرير على حرق لبعض أحداث الفيلم.

 

في رواية جورج أورويل (1984)، كان ونستون سميث، الموظف البالغ من العمر 39 عاماً، يعمل في وزارة الحقيقة. كانت مهمته، إلى جانب العشرات غيره، أن يقوم بتلفيق الأخبار المزيفة والانتصارات الوهمية للأخ الأكبر. كانت الدولة الفاسدة والتي يقودها الأخ الأكبر تعتمد على اللغة في ضمان استمرارية بطشها وسيطرتها على الجماهير.

يدرك ونستون هذه اللعبة فيبدأ هو بمواجهة هذا التسلّط، المصحوب بجاسوسية دقيقة تقتحم حتى منازل المواطنين في أي وقت تريده، فيواجهها سميث أوّل ما يواجهها باللغة أيضاً، فيبدأ بكتابة مذكراته الخاصة على دفتر اشتراه بطريقة “غير شرعيّة” وقد أدرك أنه في تلك اللحظة تحديداً قد صار في عداد الموتى لارتكابه ما يسميه الحزب الحاكم “جريمة فكر”، وأوّل ما يكتبه في ذلك الدفتر هو “أنا أكره الأخ الأكبر”. إذا كانت اللغة بهذه الأهمية، فما هي اللغة؟

غلاف رواية “1984” للكاتب البريطاني جورج أورويل

مواقع التواصل

سواء كانت اللغة أصواتا يعبّر بها كل قوم عن حاجاتهم (1) أو طريقة للتواصل بين البشر، إما عبر الكتابة أو النطق وتتكون من جمل ذات قواعد مخصصة، فإن هذه التعريفات قد لا تنطبق بالضرورة على لغات الكائنات الأخرى – إن ثبت وجودها في مكان ما خارج مجموعتنا الشمسية.

من النادر رؤية فيلم حول سكان العالم الخارجي يتمحور حول طرق إيجاد لغة للتواصل معهم. فالأفلام التي تعاملت مع تلك الفئة المتخيّلة كثيرة مثل (Independence Day) الذي يصب جهده التواصلي عبر قيام ويل سميث(2) بلكم الفضائيين في وجوههم، أو فيلم (Close Encounters of the Third Kind) الذي يعتمد على الموسيقى في فهم الآخر، أو حتى فيلم The War of the Worlds)  3) الذي يحاول كاهن مسيحي في أحد مشاهده قراءة شيء من الكتاب المقدس أمام مركبة الوافدين الفضائيين قبل أن يحترق بأشعة أسلحتهم.

في فيلم “الوافد” (Arraival) يقدّم المخرج الكندي دينيس فيلنوف، 49 عاماً، واحداً من أهم الأفلام الصادرة عام 2016 والذي يتعامل مع الوافدين من الفضاء بطريقة مختلفة تماماً نستكشف عبرها أهمية اللغة في تحديد مسار رؤيتنا للعالم. يرتكز “الوافد” على قصة قصيرة(4) كتبها الأمريكي تيد تشيانغ عن السعي البشري للتواصل مع الكائنات الفضائية التي تصل الأرض بمركباتها المتطورة للغاية وتتخذ من عدة مواقع حول العالم أماكن لبقائها.

الفيلم من بطولة إيمي آدامز وجيريمي رينر، ويحكي قصّة عالمة لغويّة وعالم فيزيائي تنتدبهم الحكومة الأمريكية ليقوموا بالتواصل مع الزوار الخارجيين تحت إشراف جنرال في الجيش الأمريكي. وأثناء هذه العملية نشاهد سلسلة من مشاهد العودة بالزمن (فلاش-باك) لعالمة اللغويات لويز، تعيد من خلالها ماضياً مؤلماً سببه وفاة ابنتها، أو هذا ما نعتقد على الأقل.

بعد دخولها مع فريقها إلى داخل المركبة الضخمة والتي تشبه نصف بيضة حديدية، تبدأ لويز بمحاولاتها الأولى للاتصال بهذا الكون الغريب من خلف زجاج يقف في جهته الأخرى اثنان من الفضائيون يحاولون التواصل معها بلغتهم الخاصة. تكتشف لويز أن اللغة التي قد يتحدثها هؤلاء الوافدون تختلف عما يكتبونه، حيث تكون لغتهم الكتابية عبارة عن رموز دائرية دُخانية تصدر من أحد الأذرع السبعة التي تشكّل جسدًا ما باتوا يدعونه “هيبتابود”.

ينجح فيلنوف في خداعنا، ومعه إيمي ادامز، بأداء ممتاز. فملامح الحزن لديها كانت تضم في حقيقتها ارتباكاً ودهشة من المشاهد التي تراها، فهي لم تتزوج ولم تنجب أي أطفال، وما رأته في خيالها كان مستقبلها البعيد، فالتواصل الذي استطاعت تحقيقه مع هؤلاء الوافدين كان سببه فهمها للغة التي يتحدثون بها؛ هذا الفهم الذي جعلها تفكّر بالزمن بطريقة دائرية كما يفعلون هم تماماً فسمح لها برؤية المستقبل كما ترى الماضي.

يستند هذا التطور المثير في طريقة معالجة لويز للأحداث بعد تعلمها لغة الفضائيين إلى نظرية الحتمية اللغوية(5) التي قدّمها كل من إدوارد سابير وبنجامين لي وارف، وتشير ببساطة إلى أن اللغة تحدد طريقة فهم الناس لواقعهم والكيفية التي يرون فيها العالم، ورغم أن هذه النظرية لم تعد تروق كثيراً لعلماء اللسانيات اليوم إلا أن الفيلم نفسه يدعم توجهها في بناء حكايته.

تقول(6) البروفيسورة في علم اللغويات بيتي برونر أن بنجامين لي وارف وأثناء دراسته لإحدى قبائل سكان أميركا الأصليين وتدعى الهوبي، قدّم إدعاءه بأن تلك القبيلة تستخدم أفعالاً لكلمات معيّنة يستخدمها متحدثوا اللغة الانجليزية على أنها أسماء، مثل (رعد، إضاءة، عاصفة، ضوضاء). فمستخدمو هذه الكلمات من الهوبي يرونها كأحداث لا مجرد أشياء كما يراها متحدثو اللغة الإنجليزية، وبهذا قدّم ادعاؤه بأن الإنجليزية تساعد على تشييء الوقت، وذلك بسبب استعمالهم لكلمات مثل ساعة ودقيقة ويوم على أنها أشياء يمكنك عدّها أو تمضيتها.

فإذا كان متحدثو الإنجليزية بالنسبة لوارف يرون الزمن خطياً، يكون فيه اليوم والساعة والدقيقة كل منها معلّب داخل صندوقه بشكل انفرادي، فإن الهوبي يرون الزمن بمفهوم دوراني بحيث لا تكون الأيام فيه أشياء منفصلة بل يكون اليوم حدثاً يذهب ويجيء. لذا وبحسب تعبير برونر فإن الغد ليس مجرد يومٍ آخر بل هو عودة جديدة لليوم، وهي الفكرة التي حاول الفيلم الوصول إليها في نهاية المطاف.

رغم ترشيحه لثمان جوائز أوسكار لكنه لم يحظ إلا بواحدة فقط وهي جائزة المونتاج الصوتي، وخسر البقية ومنهم أفضل سيناريو مقتبس، فالفيلم يفشل في تجاوز بعض الصور النمطية التي رافقت أفلام سكان العالم الخارجي وتفاعلهم مع الإنسان وهو تقديم أميركا وجيشها على أنهم أفضل من بإمكانهم التعامل مع هذا الحدث الجديد على البشرية فيما يستمر الآخرون في دول مختلفة في تدمير ما يحاول الأمريكيون الوصول إليه من أجل إنقاذ البشرية جمعاء.

فيلنوف.. ما قبل هوليوود وما بعدها

اهتم الكندي المولود في 3 أكتوبر 1967، منذ صغره بالعلم.(7) بل حلم بأن ينجز أعمال خيالٍ علميّ منذ كان بعمر الثانية عشر، وكل ما كان يأمله هو أن يجد القصّة المناسبة ليقوم بإخراجها، والتي يبدو بأنه قد حصل عليها أخيراً عندما أخرج فيلم “الوافد”، محققاً بذلك حلمه باحتراف اللغة الفنية التي تسعفه لإتمام هذا النوع من الأفلام.

كره(8) فيلنوف فيلميه الأول والثاني الذي استغرق بعدهما تسع سنوات من أجل إتمام ثالث أفلامه. كان يرى ضعف أفلامه الأولى سببه ضعف في مستوى الكتابة، لذا، استغل إجازته الطويلة تلك في أمرين اثنين، الأول هو دراسة كافة الطرق الممكنة لتحويل أعماله المستقبلية إلى أفلام أكثر واقعية، والثاني تجلّى في جهده المبذول على تربية وتنشئة أبنائه. فكانت النتيجة عملاه التوأم (Polytechnique و Incendies)، وكلاهما أنجزهما قبل أن يضع قدمه داخل هوليوود.

في إحدى الليالي كان فيلنوف يشاهد (Incendies) كعمل أدائي على أحد المسارح، وعندما شاهد رد الفعل الذي ناله القائمون على المسرحية من قبل الحضور صار كل ما يفكر فيه هو “لو أستطيع بلوغ 10% من هذا الإعجاب إذا قمت بتحويل هذه المسرحية إلى فيلم”. كان رد فعل الجمهور عظيماً ومؤثراً. لاحقاً وفي مهرجان البندقية السينمائي وبعد العرض الأول لهذا الفيلم وقف الجمهور مصفقاً لمدة لا تقل عن 10 دقائق في واحدة من أجمل اللحظات في حياته. حظي الفيلم بإشادة واسعة وخلق موجة من الكتابات التي ناقشته وحاولت تحليله، تكللت كل هذه الضجة بحصول الفيلم على ترشيح لأفضل فيلم أجنبي في سباق الأوسكار عام 2011، كان هذا الترشيح بمثابة وضع قدمه اليمنى على أرض الأحلام.

أصبح بعدها (Prisoners) فيلمه الأوّل في هوليوود، واستغرق(9) في الإعداد له فترة طويلة، استعان فيها بأعمال عدد من المصورين من أجل الوصول إلى أفضل صورة ممكنة يمكن تحصيلها من الإضاءة الطبيعية، كانت الفكرة أن يُستخدم الضوء الطبيعي من أجل تحقيق موازنة ما مع الظلامية الدرامية التي تحيط بالعمل، ومن أجل تحقيق البساطة المنشودة اعتمد على الحركة البطيئة للكاميرا.

تابع عمله في هوليوود عبر تجسيده لأحد عوالم جوزيه ساراماجو في فيلم (Enemy) عام 2013 وتلاه فيلم (Sicario) عام 2015 عن حروب عالم المخدرات في المكسيك. يختار(10) فيلنوف سيناريوهات قوية قادرة على خلق أحداث بنفس القوة سينمائياً. سيناريوهات يستطيع معها أن يطوّر على بنيتها كصانع للأفلام، وعلى الرغم من ادّعائه المستمر بأنه الصديق المفضّل للكاتب؛ يحافظ على أصالة نصوصه وشاعريتها، لكنه في الوقت ذاته ما ينفك يثبت أنه عدوه اللدود الذي يخونه، يغيّر بعض المشاهد ويقطع بعض الحوارات. فهو بحسب وصفه لنفسه، الغازي الذي سيعيد تشكيل النص باعتباره ساحة معركة.

دينيس فيلنوف بعد فوزه بجوائز من أجل ما حققه في الإخراج والسيناريو المقتبس

رويترز

يستعد فيلنوف لإطلاق فيلمه الجديد (Blade Runner) كجزء متمم للفيلم الأصلي الصادر عام 1982،(11) ولكنه لا يزال معلّقاً ناظريه نحو مشروعه الأكبر(12) على الاطلاق؛ فيلم (Dune) الذي لطالما حلم بأن يحوله من قصص مصورة إلى فيلم سينمائي باتت غالبية مشاهده متكونة بالفعل في خياله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s