السينما الفلسطينية.. رواية الوجع من القدس إلى الجليل

نشر على ميدان

في باريس في عام 2007 وقعت يد أحد موظفي شركة أفلام لوبستر(1)على مجموعة من الأفلام المصورة في أحد محلات الأنتيكا، فحملها جميعا بسعر بخس وعاد بها إلى مقر شركته حيث بدأ بفحصها حين عرف أنه أمام أحد أهم الاكتشافات السينمائية في القرن الواحد والعشرين، مجموعة أفلام يصل عددها إلى 93 فيلما للأخوين الفرنسيين أوجست ولويس لوميير، صاحبا الفضل في وجود السينما التي نعرفها اليوم كونهما أول من طوّر جهازا حقيقيا لتسجيل صور متحركة وأول من استخدمه في رحلات توثيقية حول العالم.

من القدس انطلق قطار السينما في فلسطين قديما عندما التقطت عدسة الأخوين لوميير مشاهد لفيلم قصير أسموه “مغادرة القدس عبر قطار” عام 1896. ظهر في التسجيل القصير(2) رجال على رصيف المغادرة يرتدون بذلات رسميّة، لم يكن من المستغرب ملاحظة الملمح العثماني في الزي، خصوصا عند النظر إلى غطاء الرأس، فقد كانت فلسطين في وقتها تحت السيطرة العثمانية.

جاء الأخوان لوميير إلى فلسطين بعد ست سنوات من بدء الحركة الصهيونية عملها في فلسطين، وكانت القدس آنذاك تزداد مساحتها بوتيرة متسارعة نظرا لتزايد أعداد السكان من المسلمين والمسيحيين واليهود الذين تجاوزوا جدران المدينة القديمة. قام الأخوان لوميير بتسجيل عدد آخر من المشاهد ظهرت جميعها في الفيلم الوثائقي قصّة أرض فلسطين(3).

أصبحت السينما كيانا منفصلا عن الفلسطينيين، بل إنها كانت أمرا لا يعنيهم، وبات ذلك واضحا في أسلوب تغطية بعض المجلات المحليّة لأخبار الإعلام والفنون، التي تجاهلت تماما أي ذكر للسينما كوسيط مرئي يشكل أدنى أهمية فترة العشرينيات (مواقع التواصل)

يذكر المخرج والباحث السينمائي جورج خليفي في كتابه “السينما الفلسطينية: الطبيعة، الصدمة والذاكرة” أن فلسطين شكّلت عامل جذب واستقطاب كبيرين بالنسبة لصانعي الأفلام الغربيين في مطلع العشرينيات أيضا، لم يكن الأمر متعلقا بالفلسطينيين بأي شكل، ولكنه أتى خدمة للجمهور المسيحي الذي يتوق لرؤية أماكنه المقدسّة وتتبع أثر المسيح، بل إن الفلسطينيين ذاتهم كانوا مجردين من ذاتيتهم داخل اللقطات(4) التي صوّرت الطبيعة في فلسطين ومعالمها الدينية المسيحية. وفي الوقت الذي بدأ فيه الفلسطينيون بالتعرف على السينما كتقنية جديدة كانت صورهم تعرض فعلا في أفلام تم إنتاجها داخل فلسطين لكن دون أن يُسمع فيها صوت فلسطيني واحد، إذ بقي الفلسطينيون مجرد خلفية للحدث الرئيس وهو المستوطنات اليهودية التي “أخذت على عاتقها بدء مشروعها الثقافي” هناك.

بذلك أصبحت السينما كيانا منفصلا عن الفلسطينيين، بل إنها كانت أمرا لا يعنيهم، وبات ذلك واضحا في أسلوب تغطية بعض المجلات المحليّة لأخبار الإعلام والفنون، مثل مجلة الكرمل التي تجاهلت تماما أي ذكر للسينما كوسيط مرئي يشكل أدنى أهمية فترة العشرينيات. واقتصر الحضور الفلسطيني على المسرح الذي استخدم لطرح مواضيع اجتماعية وتوعوية حول شكل العلاقة مع الوافدين من اليهود إلى أراضيهم، ثم انتشرت دور العرض العربية في المدن الكبرى واستقبلت مقاعدها جمهورها العربي الذي كان على اطلاع مستمر على جديد السينما الغربية آنذاك. لكن الوضع كان على وشك التغير عندما بدأ العقد الثالث من القرن العشرين، حيث تحرّك الفلسطينيون بأنفسهم لتصوير وتوثيق فلسطين التي يعرفونها جيدا حتى ولو كانت الأداة غربية بامتياز، فمرت السينما الفلسطينية بعدد من المراحل المرتبطة ارتباطا وثيقا بالحدث السياسي الذي واكب كلّا منها، فكانت سينما فلسطينية مشبعة بالهم المرحلي لكل فلسطيني في كل عهد، وإن كان ما يلبث أن يتغير، وكان ذلك واضحا في تلك المراحل التي يذكرها خليفي في بحثه سابق الذكر.

المرحلة الأولى: البداية (1936 – 1948)

كان الشيخ عز الدين القسّام قد أخذ قراره ببدء العمل المسلح حين ثار عام 1935 على كل من الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية في فلسطين، كانت هذه الثورة وقودا لثورة الفلاحين عام 1936 التي امتدت حتى عام 1939، وفي الوقت نفسه كان الشاب إبراهيم حسن سرحان ذو العشرين عاما قد بدأ ثورته الخاصة ليدخل عبرها كتب التاريخ كأول سينمائي فلسطيني.

بعد أن اشترى كاميرته اليدوية من يافا -التي ولد ونشأ فيها- مقابل 50 ليرة، حسم أمره بأن يقوم بتطبيق ما تعلمه عن الإخراج و الكاميرات والعدسات والتوليف من خلال ما قرأه هنا وهناك. دفعه شغفه لأن يقوم بصناعة معداته الخاصة بيديه قبل أن يستخدمها لاحقا في مونتاج أول فيلم وثائقي قام بتصويره في فلسطين بعنوان “زيارة الملك سعود بن عبد العزيز إلى فلسطين”، حيث تبعه سرحان من مكان إلى آخر بمباركة من مفتي الديار المقدسة آنذاك الحاج أمين الحسيني.

تعاون سرحان مع زميله المخرج الفلسطيني جمال الأصفر في إخراج أول فيلم روائي فلسطيني بعنوان “أحلام تحققت” إلى جانب أفلام أخرى، وفي عام 1945 أسس “استوديو فلسطين” الذي استمر بالعمل من خلاله على عدد آخر من الإنتاجات السينمائية والإعلانات المصورة. كانت تلك الأفلام تهتم بتوثيق الأحداث العامة مثل الزيارات المهمة والمهرجانات الدينية وأعمال لجان العمل السياسية أثناء الثورة وبعدها، إضافة إلى التركيز على بعض القضايا الاجتماعية، وهي مواضيع تلائم الوضع الاقتصادي والسياسي في فلسطين آنذاك. اضطر سرحان للهج4رة عام 1948 كما غالبية الفلسطينيين، وانتهى به المطاف في مخيم شاتيلا في لبنان حيث توفي عام 1987 بعد أن عمل سباكا في المخيم الذي يقع جنوب العاصمة اللبنانيةبيروت.

تنعدم أي معلومة حقيقية حول مصير تلك الأفلام، سواء التي صنعها إبراهيم حسن سرحان أو جمال الأصفر أو من عاصرهم من مخرجين فلسطينيين مثل أحمد الكيلاني وصالح كيالي وغيرهم، لكنهم شكّلوا معا بداية العمل السينمائي في فلسطين رغم النهاية المحبطة التي أدت إلى توقف تلك الإنتاجات وضياع أرشيفهم من الأفلام أثناء قصف يافا عام 1948، وبذلك انتهت المرحلة الأولى من تاريخ السينما الفلسطينية بنهاية تشبه إلى حد ما الطريقة التي انتهت فيها ثورة 36 نفسها، والأيام القليلة التي سبقت نكبة عام 1948.

المرحلة الثانية: عصر الصمت (1948 – 1967)

كانت النكبة حدثا مفصليا في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه مجبرا على الرحيل من قُراه التي دُمرت عام 48 والتي وصل عددها لأكثر من 350 قرية. كانت النتيجة الأولى لهذا الخراب هو مرحلة من الصمت المصحوب بالصدمة إزاء تحوّل أبناء الشعب الواحد إلى عدد من الشعوب المتفرقة بين مخيمات اللجوء والدول العربية المجاورة وأولئك من وجدوا أنفسهم أقليّة داخل الأراضي المحتلة.

جاءت أولى محاولات كسر الصمت من قبل جيل النكبة ذلك على يد بعض الكتّاب والشعراء الفلسطينيين، أمثال عبد الكريم الكرمي ومحمود درويش وسميح القاسم وغسان كنفاني وتوفيق زيّاد وغيرهم. أمّا على الصعيد السينمائي فلا يمكن تسجيل أي تحرّك فعلي في تلك الفترة من قبل السينمائيين الفلسطينيين الذين تأثروا بدورهم بالحادث المأساوي آنذاك، فمثلا استطاع إبراهيم حسن سرحان الهجرة إلى الأردن، حيث أنجز هناك فيلما روائيا بعنوان “صراع في جرش” عام 1957، واستمر من بعدها عدد من المخرجين الفلسطينيين بصناعة أفلامهم في العاصمة الأردنية عمّان مثل عبد الله كعوش الذي أنجز فيلما بعنوان “وطني حبيبي” عام 1964.

المرحلة الثالثة: سينما المنفى (1968 – 1982)

قادمة من القاهرة بعد دراستها لفن التصوير الفوتوغرافي هناك، أنشأت سلافة جاد الله مرسال أوّل وحدة تصوير فوتوغرافي فلسطينية داخل فلسطين عام 1967. إلى جانب أواني الطبخ وروائح التوابل الغنيّة بروح فلسطين وأرضها كانت معداتها البدائية تستقر في مطبخها الذي تحول شيئا فشيئا إلى معمل للتصوير. سرعان ما تغيرت الأمور، نقلت مرسال معداتها إلى عمّان حيث كانت القيادة الفلسطينية الجديدة تبدأ أولى خطواتها نحو الثورة المسلحة. كان الجميع في حاجة للصور التي تلتقطها مرسال بهدف توثيق الوضع الفلسطيني وعرضها في المعارض الدولية وتوفير المواد للصحافة العالمية عن الخطوات التي تقوم بها قيادة حركة فتح ومنظمة التحرير في وقتها.

لم يكن في مخطط القيادة الفلسطينية أن يدعموا أي توجه للإنتاج السينمائي، وصبوا جام تركيزهم على دعم الصور الفوتوغرافية التي تلتقطها مرسال، خصوصا بعد معرضها الذي عرضت فيه صورا للمعارك التي نشبت في مخيم الوحدات قرب عمان، حيث قررت قيادة فتح دعمها بمزيد من أجهزة التصوير الأكثر تطورا. وفي تلك الأثناء كان مصطفى أبو علي وهاني جوهرية (فلسطينيان درسا السينما وعملا في التلفزيون الأردني) قد بدآ بتصوير بعض الأحداث باستخدام معدات التلفزيون الأردني وأنتجوا أول فيلم لهما عام 1968 بعنوان “لا للحل السلمي”.

اضطر الفلسطينيون لمغادرة الأردن نحو لبنان، هذه المرة اصطحبوا معهم كاميراتهم وأجهزتهم البسيطة وبعض الأفلام التي صوروها من معركة الكرامة وأيلول الأسود. ورغم الحجب الذي فرضته السلطات الأردنية على إخراج أي فيلم من البلاد فإن ياسر عرفات قد بدأ باستشعار أهمية السينما في تلك المرحلة تحديدا، وهو ما دفعه لاصطحاب فيلم بعنوان “بالروح بالدم” لمصطفى أبو علي يوثق من خلاله أحداث أيلول الأسود معه شخصيا عندما توجه إلى القاهرة لحضور القمة العربية التي انعقدت لنقاش تلك الأحداث، وأصر على عرض أجزاء منه هناك.

وُصفت تلك المرحلة بالسينما النضالية، وهي التي بدأت فعليا مع تأسيس وحدة الأفلام لدى منظمة فتح، وهي أول وحدة سينمائية تتبع لتنظيم مسلح، وقد تبعتها وحدات ممثالة للتنظيمات الفلسطينية ذات التوجهات السياسية المختلفة قبل أن يتم توحيدها معا تحت مسمى مؤسسة السينما الفلسطينية التي أشرفت عليها منظمة التحرير من أجل إنتاج أفلام توثق المعارك السياسية والعسكرية للثورة الفلسطينية واستخدامها من أجل الترويج لعدالة قضيتهم أمام الإعلام العالمي.

لم يتعدَ اهتمام القيادة الفلسطينية بالسينما كونها وسيلة لنشر الدعاية المصاحبة للعمل العسكري نحو العالم، وقد ساعدهم على ذلك مخرجو تلك المرحلة، مثل أبو علي الذي كان ينظم عروضا خاصة للقيادة الفلسطينية قبل عرض فيلمه للتأكد من صحة الرسائل السياسية في فيلمه. بالتالي اقتصرت الأفلام على توثيق جامد للأحداث بنفس ثوري سيطر عليه شعار “لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة”. كان الفيلم الروائي الوحيد الذي ينتمي لهذه المرحلة مقتبسا عن رواية للكاتب الشهيد غسان كنفاني بعنوان “عائد إلى حيفا”، وأخرجه عام 1982 المخرج الفلسطيني من أصل عراقي قاسم حوال الذي شكّل بفيلمه هذا خاتمة المرحلة الثالثة من تاريخ السينما الفلسطينية، وهي مرحلة ثورية رافقها نشأة المنظمات الفلسطينية وبدء تشكيل قيادة حقيقية للشعب الفلسطيني من الشتات، وهو ما انعكس تماما على مواضيع تلك الأفلام التي تجاوزت في عددها العشرين فيلما.

فيلم “ليس لهم وجود” – مصطفى أبو علي (1974)

المرحلة الرابعة: الحنين والعودة (1983 – الآن)

خرج الفلسطينيون من بيروت متجهين نحو تونس التي ألقى فيها محمود درويش مرثية “مديح الظل العالي” معلنا انتهاء مرحلة وحلول أخرى جديدة. لم تكن المرحلة الجديدة أخف وطأة، حيث اشتعلت الانتفاضة في الأراضي المحتلة وبدا وكأن نتيجتها لم تكن كما أراد المنتفضون. حتى جاء عام 1992 الذي كان عنوانا للمباحثات السريّة التي توجّت باتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ووزاراتها التي كان من ضمنها وزارة الثقافة، المكان الذي آلت إليه كافة أنظار السينمائيين الفلسطينيين وقتها، ولكنها لم تكن الجهة الوحيدة، فقد بدأ المخرجون الفلسطينيون بالسعي للحصول على تمويل من جهات مختلفة كان منها ما هو إسرائيلي.

فيلم “عرس الجليل” – ميشيل خليفي 

  

يمكن اعتبار أن تدشين هذه المرحلة صار فعليا في الوقت الذي قرر فيه المخرج ميشيل خليفي العودة إلى الناصرة بعد عشر سنوات قضاها في بلجيكا. قام ميشيل خليفي بتصوير أول فيلم وثائقي له بعنوان “الذاكرة الخصبة”، وسرعان ما تحوّل إلى رمز لهذه المرحلة التي ضمت مخرجين آخرين منهم إيليا سليمان، وهاني أبو أسعد، ومي مصري، وعلي نصار، ورشيد مشهراوي، وغيرهم، وهم الذين عرفوا بمخرجي السينما المستقلة وسينما ما بعد الثورة، لكنها بقيت في مجملها جهودا فرديّة لم تشكّل في يوم من الأيّام سوقا لصناعة السينما الفلسطينية، ويرجع ذلك إلى عدد من الأسباب، منها قلة الإمكانيات وشح الموارد وضعف الخبرات وعدم وجود ثقافة سينمائية كافية لتبني لها جمهورا وفيا يدعمها، إضافة إلى ضعف حركة النقد السينمائي.

مع حصول فيلم “يد إلهية” لإيليا سليمان على جائزة مهرجان كان عام 2002 بدأت السينما الفلسطينية بشق طريقها نحو المهرجانات العالمية، وهي بذلك تطرح نفسها بقوّة على الساحة الفنية العالمية، بل إنها باتت تحصد جوائز وترشيحات لا تنتهي في كافة المهرجانات العالمية الكبرى وفي فئات مختلفة من الفيلم الروائي الطويل والقصير إلى الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة، وهي مرحلة تناسب تماما الوضع السياسي الفلسطيني وتشبهه، حيث تسعى القيادة الفلسطينية الحالية منذ سنوات إلى الوصول الرسمي لكافة الهيئات والمنظمات العالمية دون أن يكون هناك قيمة حقيقية ملموسة لما يجري سوى الهدف المعلن والواضح وهو “أن يسمع العالم صوتنا”!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s