“مهدي فليفل” يسعى لصنع سيرة ذاتية لكلّ لاجئ

بمَ يفكّر اللاجئ؟ هل يفكر بما قد مضى أم بما هو آت؟ وهل ما مضى قد تركه فعلا، أم أنه لا يزال حاضرا في تفاصيل تغريبته هذه؟ هل الجحيم هو الوطن، أم الجحيم هو الآخرون؟ لربما كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش هو أبلغ من عبّر عن لسان حال اللاجئ حين قال في “مديح الظل العالي”: القمح مرٌ في حقول الآخرين، وأضاف عليه بعد سنوات عديدة الشاعر المصري أحمد بخيت في قصيدة “رام الله” حين قال: وشراء زيتُ المُترفين.. مذلّة!

في عام 2012 كان المخرج الفلسطيني-الدنماركي مهدي فليفل حديث الوسط السينمائي مع صدور فيلمه الأبرز في مسيرته الإخراجية والذي اتخذ من أحد كتب غسان كنفاني عنوانا له “عالم ليس لنا”. بخفّة ظل ورشاقة تصويرية عالية كانت كاميرا فليفل وصوته يتنقلان بين أزقّة مخيّم عين الحلوة جنوب لبنان، وهو المكان الذي انتمى إليه رغم ولادته في دبي عام 1979. (1)

 

لا يبدو فليفل غريبا عن المخيم بقدر ما تحكُمه نوستالجيا نابعة من وجوده في المنفى، وبمجرد أن وضع قدميه داخل حدود المخيم عاد ليكون واحدا من أهله وكأنه لم يغادر قط. “أنا جزء من الناس هناك” يقول فليفل الذي لا يشعر بمذاق القهوةفي “الحمرا” بقدر ما يستلذ بطعم كوب من الشاي في المخيم. (2) هناك يعاود الاتصال بصديقه “أبو إياد” المُنهك من الحياة داخل المخيم ويحلم بالهروب منه، كما يلتقي بجدّه “أبو أسامة” حاد المزاج في صورته الخارجية ومُحب السلام إذا ما جلس مع نفسه، كاره للسياسة رغم متابعته المستمرة لها.

يضفي أبو إياد لمسة محببة للفيلم بشخصيته المتناقضة والتي لا تضع حدودا لما يمكن تحقيقه رغم أنه يبدو وكأنه “يعيش في مكان يستأجره ولا يملكه” (3) كبقية سكان “عين الحلوة”. ورغم اعتماد الفيلم على أبطاله في سرد حكايته التي تبني نفسها بنفسها بلا شك لكنه لا يخلو من تدخلات بديعة من مخرجه الذي يضع إطاره العام عندما يُجدول زيارته الخاصة في وقت فعاليات كأس العالم الرياضية وما يتخلل ذلك من مواقف لا تخلو من حزن قاس عن إهدار أحلام وأماني كل أولئك القاطنين في تلك المساحة معدومة الخصوصية.

 

إعلان فيلم “عالم ليس لنا”

لم يجد فليفل صعوبة في التعامل مع الكاميرا فطالما كانت جزءا من العائلة خصوصا مع وجود والده الذي يهوى التصوير فكبر ابنه مع حب السينما. ومع مرور الزمن، “اقترب من شغف والده التسجيلي، وعبر الكاميرا اكتشف أنه يستطيع الإضاءة على المخيم لفهم أعمق للحياة التي يعيشها من يسكنون هناك”. (4) ليس هذا وحسب ولكنه استمر لما هو أبعد عندما استكمل عمله على أفلام أخرى كانت كلها حول اللاجئين “لأنه واحد منهم” كما يشرح فليفل. (5)

هذا العام يعود فليفل ليحتل اسمه واجهات الصحف الثقافية مع صدور فيلمه الجديد عن اللجوء والشتات “رجل يغرق” والذي حصل “ميدان” على فرصة خاصة لمشاهدته قبل اختياره للمنافسة في مهرجان دبي المُنتظر نهاية العام.

 

رجل يغرق

المساحة التي يفتتحها مهدي فليفل في “رجل يغرق” (إنتاج 2017) تدعو للتأمل، الترقب والخوف منها على حدّ سواء. يكتسي عمله بجرأة قلّ نظيرها عندما نتحدّث عن قضيّة المهاجرين، وفي الوقت ذاته تبتعد عن أي احتمالية لرائحة ابتذال في عرضها للموضوع. تلاحق الكاميرا شابا فلسطينيا من المهاجرين الذين انتهى بهم المطاف في العاصمة اليونانية “أثينا”. في الواقع فإن حدود الفيلم الزمنية لا تتجاوز اليوم الواحد، وهو أحد الأمور المرعبة، أي مجرّد تخيّل أن المعاناة تتكرر يوميا ربما بوتيرة أكثر قسوة أحيانا وأنّ ما يُعرض أمامنا لا يعدو كونه شريحة بالغة الرقة من شريط طويل جدا.

يعود فليفل لهوايته بالفيلم الروائي بعد انقطاع أبدع فيه بالعمل الوثائقي واقتنص فيه عددا مميزا من الجوائز العالمية، ومع ذلك فإن المتابع لآخر إنتاجاته يعرف تماما من أين أتى فليفل بفكرة فيلمه هذا خصوصا بعد صنعه لفيلم “XENOS” الذي يتناوله هذا التقرير أيضا بجوار أعمال أخرى لفليفل.

الشخصية المركزية هنا “تغرق” كما في عنوان الفيلم الممتد لحوالي 15 دقيقة، ولكنه غرق بلا أثر للماء، إن الغرق الذي يفهمه فليفل ويحاول منعه متعلّق بذات اللاجئ قبل أن تكون متمحورة حول جسده وإن كان الجسد موضع اهتمام الآخرين في هذا العمل. إن تفكيك الرؤية الغربية للاجئ عملية طويلة ومعقدة ومتضاربة أحيانا، لكن ما يراه فليفل حول تلك الرؤية هو “استغلال” للحاجة الإنسانية التي تحتل الحياة اليومية للعرب كمهاجرين “غير شرعيين” في أوروبا.

في الوصف المختصر للفيلم نجد رسما دقيقا لما يحدث عندما نقرأ “فتى تحيط به وحوش ضارية يُجبر على تقديم تنازلات من أجل الاستمرار بالعيش فقط” (6)، وهو وصف ذكي عندما نتحدث عن الساعين لإشباع لذاتهم الجسدية بأي وسيلة كانت مستغلين حاجة الآخرين للطعام. إن التحوّل الأساسي في “رجل يغرق” يكتمل بالمطلق عندما لا يعود التفريق ممكنا حول إذا ما كان هذا الفيلم القصير عن قسوة المنفى والحدود الأخلاقيّة التي يدفع الشباب نحو تجاوزها أم أنه حول جشع ووضاعة المُضيف الأوروبي؟

إعلان فيلم “رجل يغرق”

رغم حب فليفل وتقديره لأعمال المخرج التونسي عبد اللطيف كشيش الذي حصل على السعفة الذهبية في مهرجان “كان” عن فيلمه “حياة أديل” ولكنه لم يتأثر بأسلوبه في عرض قصّته وهي التي تتقاطع مع توجّه كشيش السينمائي في أحد خطوطها، لربما كان هذا توجيها خاصا من فليفل نحو خطّ معيّن في حكايته لا يتعلق بكل تأكيد بالمثلية الجنسية ولااليونان بل باليومي المُعاش بالنسبة لواحد فقط من اللاجئين الفلسطينيين القابعين في منفاهم.

استطاع هذا الفيلم أن يمنح فليفل ترشيحا لمهرجان “كان” الدولي بعد أن حاز قبله بعام على الدب الفضي من برلين عندما نافس بفيلمه “رجل عاد”. ولعل أكثر ما ميز هذا الفيلم الذي حضر أيضا في مهرجان تورنتو السينمائي (سبتمبر/أيلول) الماضي، هو التخفيف قدر الإمكان من الحوارات والاعتماد على اللغة السينمائية الخالصة في سرد حكايته، حكاية فتى كان كل ما أراده هو الحصول على لفافة تبغ يدخنها مع شطيرة خفيفة ليفطر عليها.

إكسينوس (XENOS)

بعد “عالم ليس لنا” بعامين، تجمع بين مهدي وأبو إياد (بطل فيلمه الطويل) مكالمة هاتفية مطولة يحاول فيها الأوّل استعراض آخر مستجدات صديقه اللاجئ في اليونان. كانت المكالمة أشبه بحلم مزعج بالنسبة لفليفل الذي نلاحظ مع تقدّم الشريط تغيّرا في نبرة صوته، بدا مبتهجا في البداية قبل أن يصاب بإحباط شديد قرب نهاية الاتصال.

لا يختلف ذلك كثيرا عما ينتاب المُشاهد أيضا، شعور بالتقزز ورغبة بعدم إصدار الأحكام في الوقت ذاته. يرجع السبب في ذلك كله إلى المصير الذي آل إليه أبو إياد متسكعا في أحد المتنزهات التي يرتادها الشباب في “أثينا”، ساعين إلى القليل من المال عبر وسيلة تنهدم معها مبادؤهم وتوجهاتهم، وبذلك يمهدون الطريق نحو فقدان كل شيء يملكونه.

مقابل 50 يورو وخلف إحدى الشجرات كان أبو إياد كجرذ تائه في مجارير بلد غريب، يمارس الجنس مع رجال ونساء يعرفون جيدا أن الجوع يدفع المرء أحيانا نحو أكثر من ذلك. مهما كان التبرير الذي يسوقه أبو إياد لن يكون كافيا، يعلم هو ومهدي الذي لم يفهم بعد كيف وصلت الأمور بصديقه إلى هذا الحد أنه فقد ذاته للأبد.

على مدار اثنتي عشرة دقيقة من الفيلم القصير “XENOS” (إنتاج 2014) وعبر مشاهد مصورة في مجملها في شوارع اليونان، دون تحديد زمان أو مكان معينين، كان فليفل يلقي بنا على ظهر مركب يجتاز بأقصى سرعته حدودا متنازعا عليها. عبّر اللاجئون الذين ظهروا في الفيلم عن مفاهيم لم يعد من السهل إظهارها أمام آلة تصوير وهم الذين يفتتحون فيلمهم بشراء المخدرات من أحد المتعاطين.

لن يكون هناك أفضل من فليفل كمخرج في معرفة كيف يتغيّر الناس بمجرّد توجيه عدسة الكاميرا نحو وجوههم، من الصعب استنطاق الشخصيات ودفعهم إلى التصرف على طبيعتهم واعتبار الكاميرا جزءا لا يتجزأ من المكان وكأنها كرسي مثلا لا تأثير له. استغل فليفل علاقة الصداقة بالتأكيد للولوج إلى أزقة منسية في الطريق نحو أوروبا، لكنه كان حريصا في الوقت ذاته على أن يكون على مسافة منها، زائرا مستطلعا وناقلا للحقيقة وخيوط المأساة.

عشرون سلاما للسلام

يبدو مشروع مهدي فليفل الأكثر شخصيّة هو السخرية من اتفاقيّة أوسلو ومَن كان قائما عليها، رغم ما تسببه له من أفكار مزعجة حول مصير القضية الفلسطينية والخط الذي رُسم لها بدقة كي تموت وتندثر وتتحول إلى مجرد معلّبات في مرفأ صهيوني، لكنه لم يتوان في التعبير عن ذلك بالسخرية وحسب.

سخر منها ومن نتائجها في “عالم ليس لنا” عام 2012، وقبلها في فيلمه الروائي القصير “عرفات وأنا” عام 2008، ثم عاد للسخرية منها مجددا في فيلم “عشرون سلاما للسلام” عام 2014، والذي حمل اسما مكافئا “زمن معلّق” باللغة الإنجليزية. ورغم الدلالة التقنية والسياسية للاسم الثاني ولكن الاسم الأول يحمل عدّاد السنين التي مرت منذ توقيع الاتفاق وحتى وقت صناعة الفيلم، عشرون سنة بالضبط.

العطب الزمني هنا واضح على الشاشة، فالفيلم يستعرض صورة واحدة تتكرر بشكل لا نهائي يرافقها صوت المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. كانت الصورة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وهو يصافح رئيس وزراء دولة الاحتلال إسحق رابين ويتوسطهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في باحة البيت الأبيض الخلفية في الثالث عشر من (سبتمبر/أيلول) عام 1993.

تكرر المشهد عشرات المرات وكأن الزمن قد توقف هناك أو أن شللا أصاب الشريط فصار عاجزا عن تجاوز تلك اللحظة. يصير التكرار كابوسيا كلما زاد إدوارد سعيد في تفصيل أسباب رفضه للاتفاقية وقت توقيعها. وفيما كان يستغرق سعيد في شرحه كانت الصورة تكشف المزيد من قبحها حين يبدأ المُشاهد في اكتشاف تفصيلات أخرى تعلقت بتلك اللحظة. لن يكون آخرها أن ياسر عرفات هو الذي بادر بحماسة للمصافحة بينما قبِلها رابين مُتأخرا وبتحفّظ واضح.

رجل عاد

بعد ثلاث سنوات قضاها رضا في أثينا محاولا العثور على اعتراف ما بوجوده، يفشل بذلك وتقوم السلطات اليونانية بترحيله عائدا نحو المخيم الذي انطلق منه أول مرة “عين الحلوة”. عاد رضا في فيلم “رجل عاد”، إنتاج عام 2016 ومدته نصف ساعة، ورجع معه مهدي فليفل لتسجيل فيلمه الثالث بعد الزيارة الأولى إلى “عين الحلوة” في “عالم ليس لنا”.

ولأن تجربة الاغتراب غنيّة دائما كان لا بد لرضا أن يعود بشيء ما، لكنه هذه المرة عاد بإدمانه على المخدرات التي كانت ملاذهم الأوحد في أثينا عندما كان برفقة أبي إياد والآخرين. في أحد المشاهد المبكرة في الفيلم يظهر رضا، الشاب المقبل على الزواج، وهو منهمك في تحضير جرعة جديدة بينما في النصف الأيمن من الشاشة يظهر والده وهو يصلّي بعيدا عنه بأمتار قليلة، هذا النوع من اللقطات الذكية هو ما يجعل مهدي فليفل زائرا دائما لدى المهرجانات العالمية الكبرى.

في مشهد آخر مثلا يتحدّث رضا عن حبيبته التي ينوي زواجها ويقوم بتحضير كافة الإجراءات اللازمة لإتمام العرس والشقة التي يعيشان فيها، ولأنه الموضوع الأهم فإنه يتفق معها على ترك المخدرات بمجرد الزواج. يعلم الجميع مدى هشاشة هذا الوعد، ولأننا قد نستغرب عدم تشكيك فليفل من وراء كاميرته لهذا الادعاء فإنه يلحق به بمشهد لرضا وهو يغني كلمات تختصر كل شيء “سمرا أوعي تحبيني.. أنا عصفور طيّارِ”.

الحديث عن اللاجئين يعطي دوما أحاسيس متناقضة حول امتلاك أي فرد الحق لإطلاق الأحكام عليهم، وهذه حقيقة من الصعب إدراكها لمن لم يعش حياة اللجوء من قبل، ولهذا يُساء معاملة اللاجئ في كل مكان لأنه غالبا يجد نفسه في أماكن لا تعرف فعلا ماهيّة اللجوء. وفي فيلم فليفل هذا، كما في مشروعه الطويل عن التغريبة الفلسطينية المستمرة، نرى حقـنة المخدرات معلقة إلى وريد رضا طيلة الوقت وبعد أن نرفضها نبدأ رويدا رويدا استيعاب ما يجري أمامنا ثم نصل إلى نتيجة واحدة: إن كانت هذه حقنة من مخدرات في ذراع شاب فإن الحقنة الأكثر سموميّة هي تلك التي تركته في حالة اللجوء في المقام الأول!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s