“mother!”..أرونوفسكي يوجز تاريخ العالم في ساعتين

يعود المخرج الأميركي دارين أرونوفسكي إلى الواجهة بعد توقّف طويل منذ صنع فيلم نوح (Noah) عام 2014، العمل الذي توقف بعده عن إخراج الأفلام الطويلة حتى صدمنا بفيلمه الأخير هذا؛ عمل يختلف عليه الكثيرون فهو إما بالغ السوء وإما أكثر أفلامه نضجًا واكتمالًا.

نُضجٌ كان محبي الرجل قد اشتاقوا إليه منذ زهاء 6 سنوات وتحديدًا منذ خرج إلى النور فيلم “بلاك سوان” (Black Swan). أمّا جينيفر لورانس فإنها تعلن بشكل أوضح هذه المرة خروجها من تحت عباءة “ألعاب الجوع” (Hunger Games) السلسلة التي استهدفت مشاهدين يمكن أن يُصنفوا عمريًا باليافعين (Young-Adult) بحسب عشاق الأفلام، وتتجه بخطى واثقة نحو أحد أكبر تحولاتها، أن تلعب دور الأم.

من شاهد الفيلم، يعلم يقينًا أن الحيل “الأرونوفسكية” المشوشة لغويًا والمتلاعبة بصريًا تحتل النصف الأول منه، الكثير من الحوارات المبهمة والتصرفات المستفزة والصور المضطربة، مع ذلك، يعلم الجميع بأن أمرًا ما سوف يحدث، يمكن التنبؤ بذلك من خلال الحركة المرتبكة لكاميرا ماثيو ليبيتيك، المُصوّر التاريخي لأهم أفلام أرنوفسكي، فالكاميرا ملتبسة في النصف الأول من الفيلم ضمن حدود لا تتجاوزها؛ تارة تلاحق الأم من وراءها وتارة تبدو كأنها معلّقة على كتفها تراقبها من الجانب وأحيانا تدور حولها لا تدري طريقها. وفي لقطة أو اثنتين، بدا وكأن الأُم تمسك بها بكلتا يديها وكأنها هي من تصوّر نفسها بنفسها!

إعلان فيلم “أُم!” (آي إم دي بي)

يتناسب هذا مع المنهج التعبيري الذي يحسب أرونوفسكي نفسه عليه، تسيطر اللقطات المقرّبة (Close-up) على أكثر من نصف الفيلم، يشعر المشاهد معها بأن لورانس “الأم” مقيّدة تمامًا ولا تستطيع الفكاك منّا نحن المشاهدين! مع ذلك فإنها استطاعت أن تقحمنا في حالتها النفسية المغايرة لما اعتدنا رؤيتها عليه في مسبق أعمالها، فالأم هنا تزداد وتيرة ذعرها ببطء شديد حتى لحظة الانفجار قرب نهاية الفيلم؛ ذعر تتعامل فيه غالبًا مع أفعال وأحداث لا منطقية يغيب فيها العقل ويفقد الجميع قدرته على الفهم.

مسرح الحياة

لا يمكن تجاوز طبيعة “المكان” عندما نتحدث عن حركة الكاميرا في هذا العمل، فالأحداث كلها تجري داخل أحد المنازل الذي يبدو كمتاهة (الطريق الذي تسلكه ينتهي بك إلى البداية نفسها) أو كموقع تصوير مناسب لفيلم رعب مثلًا، منزل عتيق من طراز مميز لا بد وأنه صمم خصيصًا لعائلة أرستقراطية في قديم الزمان، ولكن يكتسب هذا المعنى فقط من ناحية تاريخية، فالمنزل -وكما كل شخصيات الفيلم- يمر هو أيضًا بتغيرات تطرأ على شكله وبُنيته وطريقة استقباله للأحداث و”الزوّار”، ورغم أن غالبية تلك التغييرات تحدث على يد الأُم نفسها (التي تُصر على محاولة امتلاك روح المنزل من خلال السيطرة على شكله) ولكنه لا ينفي عنه أنه أحد اللاعبين الرئيسيين في حكاية الفيلم.

غرفة النوم، الردهة، المطبخ، غرفة الكتابة، مدخل المنزل والقبو. كانت هذه الأماكن الأكثر ظهورًا في الفيلم إلا أن كلًّا منها امتلك معنى مختلف. المطبخ المفترض به أن يمتلك وظيفة واحدة صار متعدد المهام بطاولته التي اتسعت للجميع ومن داخله بدأ أوّل تحوّل للأم من امرأة في منطقة راحتها (Comfort Zone) إلى غريبة كليًا عن المكان، وغرفة النوم التي تحولت طبيعتها من مكان شديد الخصوصية إلى مكان لمن “هبّ ودب” أمّا مدخل المنزل فلا رقيب عليه ولا حسيب. كان المنزل بالمجمل يسرق الحياة بمعناها العادي من تحت أرجل الأم دون أن تملك الأخيرة حولًا ولا قوّة.

كان “مسرحَة” المنزل، أي تحويل موقع التصوير من مجرد “لوكيشن” إلى “خشبة مسرح”، متناقضًا مع طبيعة المشاهد الملتقطة. أغلب اللقطات مقرّبة، وغالبًا، لا نرى لقطة واسعة إلا من خلال عيون الأم.(1) أمّا في المسرح فإننا أمام لقطة واسعة (Wide-shot) طوال الوقت من موقعنا كجمهور، وكلما زادت اللقطات الواسعة في فيلم أرونوفسكي زادت معه حدّة المشاهد المعروضة، أي التحول من مراقبتنا للأم في النصف الأول إلى ما تُراقبه الأم بعينها في النصف الثاني الذي ينقلب لمجزرة حقيقية من ناحية أحداث ومن ناحية تصويرية، يبدو فيه أرونوفسكي ممسكًا بمطرقة ضخمة وينهال بها على رؤوسنا بلا هوادة.(2)

من هي الأُم؟


ذهبت العديد من التفسيرات إلى اعتبار أن الأم في الفيلم تُشير إلى “الأرض” وتفسيرات أخرى رأت فيها إشارة إلى “العذراء”، أما مُرتكب أوّل الحماقات: الأميركي إد هاريس وزوجته ميشيل فايفر فهما “آدم وحوّاء”، اللذين يُطردان من الجنة بعد اتهامهما بأكل التفاحة (الجوهرة في الفيلم) وولديهما الذي يقتل واحد منهما الآخر هما هابيل وقابيل، وهي تفسيرات جاءت من إحدى مقابلات أرونوفسكي الذي صرّح بنفسه أنه أراد إنجاز فيلم عن الحياة من وجهة نظر الطبيعة الأُم/الأرض، وما يفعله بها البشر، كما ذكرت جينفير لورنس بعض هذه التفاصيل مثل حمل الفيلم اسمًا مُغايرًا أثناء التصوير: “اليوم السادس”، كإشارة إلى عملية خلق الكون.(3)

ولكن بالنسبة للأم، فإن كل تلك الشخصيات كانت في جانب وهي في الجانب المعاكس تماما. بينما كان الجميع منخرطًا في ممارسة الفعل، كانت هي الوحيدة القادرة على مراقبة كل ما يحدث من موقعها. كانت بكل بساطة تُشاهد بداية نشوء فكرة الدين.

كان الزوج الذي يمر بفترة ركود إبداعي قاتلة، غير قادر فيها على كتابة جملة مكتملة، على موعد مع تغيّير شامل عندما يأتيه أحد المُريدين المحبين لكتاباته، تلحق به زوجته في اليوم التالي وابنهما في اليوم الثالث. مع مقتل الفتى الأول يقوم باستقبالهم في بيته لإتمام المأتم. الزوجة “الأُم” غير راضية بالطبع عن تهميش رأيها في كل ما يحدث، ولكن مسعى الزوج يتكشف في اليوم التالي عندما يكتب رائعته التي سيأتي من بعدها طوفان بشري ليطلب توقيعه، كان وقتها قد كتب “العهد الجديد” ومصدر إلهامه هم البشر أنفسهم.

العلاقة الخافتة في حميميتها.. كانت تعوض عنها “الأُم” بلحظات استمتاع بسيط عندما تضع يديها على الحائط فترى قلبًا ينبض، هو قلبها إذا اعتبرنا أن المنزل هو روحها الحقيقية

آي إم دي بي

حاولت اللجوء إلى الزوج (الإله)، من أجل التصرّف وإنقاذها من حماقات الزوّار الذين بدأوا باقتحام منزلها، ولكنه بدا غير مهتم بما تريده هي، كل ما يُحب فعله هو مكافأة هؤلاء (عبّاده المخلصين ومصدر إلهامه) الذين يقدسونه للغاية ويأتون إليه من كلّ فجٍ عميق.

إن المتابع لأعمال أرونوفسكي سيجد اهتمامه بالشخصيات التي تمتلك هوسًا معينًا أو هاجسًا من شيء ما أو حتى طموحًا نحو خلاص أخير، ورغم أن شخصياته في أفلامه السابقة تعددت بين الرياضي والمُصارع والجرّاح ومدمني المخدرات وراقصة الباليه أو حتى نبي مُرسل، إلا أن جميعهم كانوا يطمحون نحو “الكمال” بطريقة أو أخرى، والمفاجأة الصادمة أن طريقهم نحو الكمال ينتهي بهم إلى فخ يهوي بهم بعيدًا عن كل شيء أرادوا الوصول إليه. (4)

الأُم هنا لا تختلف عنهم كثيرًا، تسعى نحو الحفاظ على المسار الطبيعي للحياة، الهدوء والحب المتبادل، وفي نفس الوقت تكون مستعدة لفعل أي شيء من أجل إرضاء “زوجها”، رغم أنهما يعانيان من فتور في العلاقة غير مفهوم الملامح عُبر عنه بمشاهد بسيطة بين الاثنين في النصف الأول من الفيلم. هذه العلاقة الخافتة في حميميتها كانت تعوض عنها بلحظات استمتاع بسيط عندما تضع يديها على الحائط فترى قلبًا ينبض، هو قلبها إذا اعتبرنا أن المنزل هو روحها الحقيقية.

الأم التي سعت لإرضاء الرجل بكل ما أوتيت من قوة -حتى إنها أعطته الابن الذي أراد- تكتشف في نهاية المطاف أنها لم تكن إلا جزءا من مسلسل كُتب لها، استيقظت لتجد نفسها تهتم بمنزل الرجل وهي مؤمنة تمام الإيمان بأنها تفعل ذلك من تلقاء نفسها، بإرادتها المحضة، قبل أن نكتشف جميعا أنه سيتم استبدالها بأخرى في “الدورة” المقبلة للحياة، وأن الرجل الذي يمثّل “الإله” يحبها ولكنه غير مستعد لإنقاذها فحبه للآخرين، الذين يعبدونه، أكبر من حبه لها.

أبطال الفيلم بجوار المخرج دارين أرونوفيسكي (يسار الصورة) (آي إم دي بي)

يبدو الفيلم متعدد الطبقات، ففي بعض المشاهد يمكن فهم أن الأُم هنا رمز للعذراء مريم، وفي طبقة أخرى ستكون هي الأرض وفي طبقة ثالثة قد تكون هي مجرّد أم تمر بهلاوس وظروف غير منطقية في سبيل حماية وليدها، إضافة إلى عدد آخر من طرق فهم دور الأُم هنا، ولكن التسليم بحقيقة امتلاء الفيلم بكمية ضخمة من الاستعارات والإشارات والقابلية الواسعة لعدد لا نهائي من التأويلات هو ما ينقله من مجرد فيلم عادي، إلى فيلم جدلي، يعلق طويلًا في الأذهان، أو كما يقول الناقد جيرمي يانز “إذا كنت تفضّل الأفلام البسيطة غير المعقدة، فهذا الفيلم حتمًا ليس لك”.(5)

حماقات البشر.. وغضب أرونوفسكي

كان من الصعب تفسير بعض الأمور في الفيلم مثل الدواء الأصفر الذي اعتادت الأم تناوله أو بقعة الدم التي تجيء وتذهب بحسب كمية حضور الناس في المنزل أو الباب الصغير في القبو وغيرها من الأمور لذا، من الأجدر بنا قراءة الكتاب من عنوانه، أي بحسب أسلوب أرونوفسكي السينمائي فإنه لطالما كرر مشاهد بعض الهلاوس والأفعال الغريبة التي يراها أبطاله معدومي الحيلة.

يخلق عالما موازيا في عقل المُضيف ويدعونا للدخول إليه، تماما كما يحدث في بداية “أُم!” مع كل هذه الألغاز التي تختفي تمامًا ما إن تصطدم الأم بحدّة الواقع -لم يعد للخيالات أي ضرورة طالما أنّ الواقع بحدّته أكثر جموحًا من الخيال نفسه وكأنها دعوة من أرونوفسكي للتخلي بدورنا عن نزوعنا نحو تفسير الأشياء في ظل أسئلة أكثر شمولية.

في أحد المشاهد ترى الأم قلبًا داخل المرحاض، وفي نهاية الفيلم تسلّم قلبها للزوج الذي قيل في أحد التفسيرات أنه رمزية الإله المعبود. وكما كان المُخ الملقى في أحد مشاهد فيلم “باي” (Pi) دلالة على هاجس البطل من الإصابة بالجنون، فهنا لا يمكن أن نفهم مشهدا كهذا إلا كتخوّف حقيقي من الأم من أن تفقد الحب من حياتها إلى الأبد، وهو ما يحدث نهاية الفيلم عندما تكتشف أنها لم تمتلك الحب في يوم من الأيام.

يبدو هذا أحد المحاور التي يتناولها الفيلم، فمن زاوية هو غضب تجاه البشر أنفسهم الذين لم يستطيعوا فهم رسالة الأرض “الأم” وسعيها نحو الحب، ومن جانب آخر هو سخرية من “وهم الاختيار”، وما يتبعه من أمور يجدها البعض أكثر تلاعبًا مثل “الإيمان” و”الحرية” في ظل “عالم” رأت فيه حضارات قديمة أنه مجرد “فكرة” في عقل الله، نطق بها فصارت حقيقة.

كانت الإشارات الرمزية المبهمة علامة من علامات أرونوفسكي على طول الخط وهو ما لم يخل منه فيلمه الأخير هذا، ولكن المختلف هذه المرة أنها علامات لا يمكن تفسيرها من وجهة نظر واحدة بل تعددت التحليلات التي قد لا تمس لبعضها البعض بأي شكل من الأشكال.

فجشع البشر وتقديسهم المبالغ للأشخاص كان تحت مقصلة أرونوفسكي أيضًا عندما اقتحموا منزل “الشاعر” وبدأوا بسرقة الأشياء منه بحجة الاحتفاظ بشيء “استخدمه” هذا الشاعر العظيم، وفي مشهد لاحق يبدأ من لم يجد شيئًا يسرقه بتدمير المنزل والسبب جاء على لسان أحدهم عندما قال “نفعل ذلك لإثبات أننا كنا هنا”، وعندما تلد الأم ولدها ويبدأ الجميع بتمريره بين الأيدي بحب شديد، فهو ابن الشاعر العظيم، يسقط منهم وتنكسر رقبته، يموت ويبدأ الجميع بأكل قطعة منه، الكل يريد الحصول لنفسه على شيء من هذا المقدّس الذي بدا أنه يفسّر له أسباب وجوده. الكل يفكّر في أناه.

نقد لاذع للإنسانية يضع فيه أرونوفسكي الجميع أمام مرآة كبيرة، يشاهدون فيها سلسلة من الأحداث، التي وإن خضعت لمعايير تقييم مجردة، ستبدو ليست أكثر من مجرد نكتة، أكثر من كونها دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحياة على الأرض، والأدهى من ذلك أنه من الممكن أن تكون تعبيرًا عن رؤية دينية خاصة بالمُخرج مفادها أن الله موجود بالفعل، ولكنه لا يتصرّف إزاء الأشياء، وهو -إن صحّ- سيكون طبقة أخرى من الغضب.

   

حمل الفيلم فلسفة كبيرة عندما ترك النهاية مفتوحة للقصة التالية، هل سوف تجري الأحداث مع الأم الجديدة كما جرت مع سابقتها أم أن الأمور ستختلف، هل العالم بصورته التي نعرفها هو الشكل الأمثل أم هناك احتمالية لعالم بسيناريوهات أفضل؟

إن كان أرونوفسكي قد عبّر عن الحياة الإنسانية التي عاشها هو ونعرفها نحن تمام المعرفة، فربما من الأجدر أن يكون التساؤل حول “تلك الحيوات التي لم نعشها”، ولن نعرف عن وجودها شيئا سوى أنها متعددة التأويلات وملتبسة الفهم، تمامًا مثل ألغاز فيلمه هذا.

في إحدى الجلسات يتعرض مخرج الفيلم أرونوفسكي لسؤال وجهه أحد الصحفيين حول المدى المفترض به للضحك أن يكون رد فعل طبيعي على فيلم كهذا، خصوصًا وأن الجمهور، رغم إرباك الأحداث وغرابتها، لم يجد بُدًا من الضحك في بعض الأحيان. يجيب أرونوفسكي بأنّ “الضحك والبكاء هما نفس الشيء، المهم بالنسبة للمخرج أن يحصل على ردّ فعل”. (6)

في الحقيقة يبدو أن الضحك هنا أحد ردود الفعل الإجبارية التي يدفعك الفيلم لإخراجها، وهو ما يدلل على عبقرية هذا الإنجاز، فالفيلم حاول في إطار زمني لا يتجاوز الساعتين وضع موجز لتاريخ العالم، وهو الأمر الذي يبدو أن المشاهدين يواجهونه نادرًا، أي أن يكون الإنسان أمام مرآة لأفعاله وطريقة تفكيره، وهو ما يدعو لتخيّل، ماذا لو نظر إلينا “آخرون” من زاوية بعيدة جدًا، هل كانوا سيتضامنون معنا أم ليضحكوا علينا؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s