كوميديا “آكي كوريسماكي” في مواجهة تفاهة العالم

“لا أحد يمتلك لغة مثل تلك التي لديه، إنها الكوميديا والتهكّم والتراجيديا.. جميعها في آن واحد” بهذه الكلمات الرائعة كانت جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي بدورته السابعة والستون في طريقها نحو المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي للمرة الأولى في تاريخه. كان المخرج ذو الستين عاماً قد أخرج أكثر من سبعة عشر فيلماً طويلاً حظيت جميعها باهتمام عالمي وكانت بالنسبة له كطائرة شراعيّة هبطت ببطء شديد على أرض غريبة فتفاجأ بأنها تعرفه تماماً كما كان يعرفها هو أيضاً.

في حالات كهذه كان من المتوقّع أن يقف المخرج المخضرم وأن يصعد نحو المنصة لاستلام جائزته وإلقاء كلمة عن شعوره أو أي شيء يريده، يمكن بسهولة أن نتخيّلهُ مُهاجماً السينما الهوليوودية فيقول “هوليوود هي السبب في هذه الجائزة. أنا أكره هوليوود وهي من تدفعني لصنع الأفلام” لتضج القاعة بالضحك قبل أن تصمت صمتاً مُربكاً عندما ينتبهون إلى أنه لم يقصدها كمزحة. (1)

لعله سيقلل أيضاً من قيمة الجائزة باستخفاف شديد كما يتعامل مع كل الأشياء من حوله فيقول “هذه الجائزة لا قيمة لها فأنا أصنع الأفلام لأنني لا أجد عملاًَ آخر لأقوم به”.(2) ولكنه وعلى عكس المتوقع، يجلس مدة طويلة نسبياً غير مُصدّق لما رآه وسمعه للتو. يقف كوريسماكي ضخم الجثة ويثبت مكانه دون حراك سوى تحية يلقيها بيديه نحو الجمهور، ولكنه يبقى مكانه فحسب وكأنها أسعد لحظة في حياته، أن يكون محط التقدير الذي يجب أن يكون عليه.

 المخرج آكي كوريسماكي يستلم جائزة الدب الفضي عن فيلم “الجانب الآخر من الأمل”

لا يمكن فهم حجم السعادة التي حظي بها كوريسماكي إلا من خلال فهم التزامه الأساسي في أعماله السينمائية، فالرجل الذي قدّم ثلاثيّتان في مسبق أعماله، كانت الأولى عن البروليتاريا والثانية بعنوان فنلندا، كان قد صرّح بأن تقديمه للثلاثيات جاء بلا هدف سوى دفع ذاته للاستمرار في صنع الأفلام، أي تقديم سبب وجيه لصنع الفيلم التالي. (3)

يمكن قراءة هذا الموقف بجديّة عندما نسمع بقراره الاعتزال بعد فيلمه الأخير هذا. ليست المرة الأولى التي يعلن فيها عن نيته الاعتزال ولكنه هذه المرة يبدو عازماً حقاً على اتخاذ تلك الخطوة حيث قال “سبق أن أعلنت هذا الأمر لكن لحظة الوداع حانت حقاً. سنرى قريباً أن هذا الفيلم هو آخر أعمالي”.(4). مع ذلك لا يمكننا تصديق هذا التصريح ببساطة، لأن ثلاثيته الأخيرة عن اللاجئين لم تكتمل بعد وستبقى مُحتاجة على الدوام لضلعها الثالث وهو ما سيدعوه ربما لإخراج عمل آخر في الفترة القريبة.

كلنا بشر وقصصنا متشابهة

إن الحديث عن نوع من “الالتزام” لدى كوريسماكي يحيلنا بالضرورة إلى الطريقة التي يصنع بها أعماله. إذ يحاول كوريسماكي صنع أفلام تشبه تلك التي ظهرت في فرنسا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبذلك يُعلن انتماؤه نظرياً لسينما المؤلّف قبل أن يُثبت ذلك عملياً. (5)

في أفلام كوريسماكي تظهر أوروبا مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي نعرفها اليوم، يبدو “ملتزماً” بصورة واحدة عنها لم يعد لها وجود في الحاضر، وهو ما منعه ربما من التوجه نحو هوليوود والعمل من هناك. رجل في العقد الثاني من الألفية الجديدة يُقّدم أفلاماً عن أوروبا بأجوائها التي كانت في السبعينيات، أوروبا بعيداً عن الحداثة بصورتها الفجة وتخلوا من القسوة التي تسببها تلك الحداثة على الإنسان البسيط مع حضور قسوة من نوع آخر أكثر مادية.

المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي (رويترز)

كان هذا ربما ما دفع بعض جمهوره بأن يصف افلامه بأنها “فنلندية” فحسب؛ يمكن ملاحظة ثلاثة أمور حاضرة فيها دوماً وهي: الشُرب، الرقص والشعور بالوحدة، وهو الأمر الذي وإن رآه الفنلنديون خاصاً بهم سيبقى قابلاً للانسحاب على أوروبا بالمُجمل. ولكنّ التزام كوريسماكي الأكبر يأتي في سياق مؤازرته للإنسان، ويخص منه نوعاً محبباً إلى قلبه “الفرد الذي يحاول النجاة في العالم الذي وجد نفسه فيه” كما يصف الأمر بكلماته الخاصة. فكوريسماكي وعلى غير عادة المخرجين الآخرين في أوروبا، لا يصل بشخصياته من قمة مجدهم واستقرارهم إلى الحضيض، بل إنه يبدأ بهم من الحضيض نفسه! (6)

البطل لديه هو فرد فقد وظيفته، أو فنان لا يجد تقديره أو لاجئ لا يجد مكاناً للنوم فيه تماماً مثل بطل فيلم “الجانب الآخر من الأمل”؛ الشاب السوري “خالد” الذي وصل فنلندا عبر باخرة لنقل الفحم اختبأ بداخله حتى تلوّن بلونه. شخصيات مهزومة، منغمسة في خسارتها، تعيش عالماً لا أمل منه، وكلّما اعتقدوا بأن الأمور لن تكون أسوأ مما هي عليه، تُفاجئهم الحياة بانتقالها لمستوى أكثر سوءا بلمح البصر. كوريسماكي نفسه يرفض تسمية ثلاثية البروليتاريا بهذا الاسم، هو يدعوها ثلاثية المهزومين، وهي درجة أدنى من البروليتاريا كما يقول. (7)

الشخصية الثانية في “الجانب الآخر من الأمل” كانت ل”فيكستروم” وهو مواطن فنلندي في العقد السادس من عمره انفصل لتوه عن زوجته التي تبدو أنها تصغره بقليل. في مشهد الانفصال لا يجري أي حوار بين الزوجين، يضع فيكستروم خاتم الزواج على الطاولة أمام زوجته التي لا تنطق بحرف واحد. يغادر المنزل ويبدأ حياة جديدة.

إن نزوع كوريسماكي نحو المشاهد التي تخلو من الحوار واضح في كافة أعماله، فلا سبب للكلام، كما يرى كوريسماكي، طالما أن الناس يتكلمون بكثرة في الحياة الواقعية. يحاول كوريسماكي الوصول لأدنى حالة من بذل المجهود تجاه الأشياء، حتى أنه بالكاد يُحرّك كاميرته في أي مشهد من الفيلم.

وعند سؤاله عن السر وراء القدرة العالية للممثلين في أفلامه على أداء أدوارهم رغم أنهم غالباً لا يعملون في مجال التمثيل وكثير منهم كانت تلك أولى تجاربه قال “السر يكمن في أنني لا أطلب من أبطالي التمثيل”. (8) لا يكتفي كوريسماكي بذلك بل إنه يمنعهم أحياناً من الكلام أساساً بدءاً من مرحلة الكتابة، حيث يتعمّد عدم كتابة أكثر من صفحة واحدة لكل مشهد، وبذلك فإنه يقلل قدر المستطاع من الكلام الذي لا طائل منه وهو ما ظهر بجلاء داخل فيلم “الجانب الآخر من الأمل”.

في هذا الفيلم يكون اللاجئ السوري “خالد” في سعي مستمر نحو هدفين لا يقل أحدهم اهميّة عن الآخر، الأول هو الوصول لشقيقته التي تاهت عنه وهو يحاول الوصول إلى أوروبا، وفقدها في مكان ما على الحدود الهنغاريّة. أما الهدف الثاني فيتمثل بحصوله على القبول الحكومي للبقاء كلاجئ داخل فنلندا بعد أن وصل إلى عاصمتها هلسنكي.

يتقاطع طريق خالد مع الفنلندي سيكتروم الذي بدت ثقته في محلها عندما يغامر بأمواله في الرهان على لعب الورق فربح أضعاف ما لديه فقرر بعدها شراء أحد المطاعم في المدينة وبدء إدارة جديدة فيه تعيد إحياء المطعم.

على أبواب المحل في اليوم التالي للافتتاح يجد “خالد” مستلقياً إلى جوار صندوق القمامة الخاص بمطعمه الجديد، تحدث مشادة كلامية بينهما ويعتديان بالضرب على بعضهم البعض. في المشهد التالي مباشرة نرى خالد وهو يتناول الطعام في المطعم، وحينها نبدأ بالتعرف على بقية طاقم المكان عن قرب أكثر خصوصاً بعد أن يعرض الفنلندي فرصة عمل على خالد مع مكان للمبيت.

يدعونا كوريسماكي دوماً لتقدير فشل الإنسان تماماً كما نُقّدر نجاحه، فالشخصيّة التي تُصر على إكمال دربها مهما كانت العقبات تستحق منا هذا التبجيل، مهما كانت العواقب أكبر من قدرتهم على الاستمرار ومهما كان المستقبل الجيد والإيمان بغد مُشرق أبعد ما يكون عن المنال.

شخصيات كوريسماكي لديها عدم اكتراث كبير حيال انهيار العالم من حولهم، فمثلاً عندما يتلقى خالد قرار المحكمة برفض منحه الجنسية، لا يبدو عليه الهلع، ولكنه يقرر بكل هدوء الهروب من المخيّم وإكمال الطريق وإن تغيّر الدرب.

بالنسبة لكوريسماكي لن تكون بشاعة الحياة وقسوتها مبرراً لعدم إيجاد السعادة في أروقتها، ولكنه مفهوم آخر للسعادة، حيث السعادة تكمن في التفاصيل الصغيرة واللحظات العابرة التي قد يعيشها أي مهزوم في الحياة، أي تلك التي يكون فيها الإنسان على سجيته رغم كل الحدود المطبقة عليه من كل الجوانب. فالسعادة التي يُمكن تحصيلها من عالم سوداوي أهم بكثير من تلك التي تأتي على طبق من فضّة.

في أحد المؤتمرات التي ظهر بها كوريسماكي سأل “”أين ذهبت إنسانيتنا؟” قبل أن يكشف عن نيته من وراء هذا الفيلم وهي تغيير العالم والمناخ السائد أوروبيا من معاداة اللاجئين، وهو مصمّم على هذا “حتى لو شاهد فيلمه ثلاثة أشخاص”. (9)

بطولة نادرة في زمن التهافت على شباك التذاكر، وكل دقيقة من الفيلم تؤكد ذلك. فمثلاً هناك المشاهد الساكنة من حياة خالد عندما تم وضعه في أحد المخيمات وسط المدينة، وهو مركز مجهز بكافة الأشياء اللازمة وفيه ينتظر قرار المحكمة إما بمنح الإذن بالمكوث أو مغادرة البلاد. يبدأ خالد بالعزف على آلة البزق الكردية أمام اللاجئين متعددي الجنسيات في نفس الغرفة، وكأن السعادة حملت مفهوماً مختلفاً في تلك الدقائق فقط.

بعض التفاصيل ظهرت وكأنها تنتمي إلى عمل وثائقي، كانت النافذة التي فتحها كوريسماكي على قضيّة اللجوء مغرية جداً رغم بطئها، نافذة صادقة جعلت معها حدود التفريق بين الواقع والخيال واهية للغاية. كان أحد اللاجئين العراقيين هو الصديق الوحيد لخالد، يمكث معه في نفس المركز وهو من استمر بمتابعة أخبار أخته التي اختفت آثارها. لذا فإن اللغة العربية حاضرة في معظم مشاهد الفيلم مع بعض الإنجليزية التي يستخدمها خالد للحديث مع السكان المحليين.

 

الكوميديا في مواجهة تفاهة العالم

إن المعتاد على مشاهدة أفلام كوريسماكي سيكتشف أن الكوميديا حاضرة في كلّ شيء، لذا يصعب أخذ أي مشهد مؤثر في أيّ من أعماله على محمل الجد، فالنكتة سوف تنبثق منه عاجلاً أم آجلا. يريد بذلك كوريسماكي أن يقنعنا بأن أي حدث جلل في الحياة مهما بلغت صعوبته فإنه يبقى قابلاً للسخرية منه، لكن كيف؟

إن المثير للضحك في أفلامه ليست الأمور السيئة التي تحدث لأبطاله الذين لم يسعوا لشيء سوى محاولة “النجاة” بأنفسهم من عالم متقلّب. ولكن الضحك هنا نوع من التضامن الحقيقي مع رؤية الأمور تسير من سيئ لأسوأ طيلة الوقت، وهو ما قد يتقاطع مع العديد من تجارب المشاهدين اليومية. أي مهما كانت الظروف فإنها من الممكن أن تكون أكثر سوءاً.

لهذا فإن الكوميديا في “الجانب الآخر من الأمل” وليدة لحظات الفشل والقسوة والإحباط، رسالة مفادها أن الحياة لا بد وأن تستمر حتى من موقعك في قاع الأشياء ومزرابها. الضحك هنا يفكك المأساة ويحدّ من وطأتها ويترك حيّزاً من الأمل يشق طريقه نحو الحميمية التي تولّد نوعاً من التضامن “الإنساني” مع “خالد” اللاجئ السوري، الذي كان من سوء حظه أن كان لاجئاً اليوم، بينما من الممكن غداّ أن يكون الفنلنديون والأوروبيون هم اللاجئون. “عالم واحد وبشر متشابهون” كما يقول كوريسماكي.(10)

يتضح أن مصائر كل من خالد وسيكتروم متحدة على هدف واحد وهو محاولة قلب الواقع والتصرف إزاءه بذكاء، خالد الذي ترفض السلطات منحه لجوءا في بلادها يساعده سيكتروم على تحصيل تصريح مزور للبقاء، أما الأخير الذي لا يعتمد بالمطلق على موظفيه الحاليين يجد في خالد الحل لبدء مشروع مطعم جديد.

لا ينفصل هذا الفيلم عن التوجه الأساسي و”الالتزام” الذي يراه لنفسه في كافة أعماله السابقة، وهو الحديث عن المهزومين في الحياة، لذا فإن الفيلمين الأخيرين لكوريسماكي كانوا عن اللاجئين، أي إن اللاجئ بالنسبة لكوريسماكي هو الصورة الحديثة للمهزوم.

يوجه كوريسماكي بالتوازي نقداً لاذعاً للمجتمع الأوروبي الذي يحتوي على بعض العنصريين الأغبياء (في أحد المشاهد يتعرض خالد للطعن لاعتقادهم بأنه يهودي!) ولكنه في الوقت ذاته يرفق به حين يعرض نماذجاً مشرفة من المجتمع ذاته – تلك التي تدافع عن خالد وتحاول مساعدته حتى فيما يتعلق بمعارضة أوامر السلطات.

الممثل السوري الشاب “شيروان حاجي” (يسار)  (آي أم دي بي)

عندما تخرّج الممثل السوري الشاب شيروان حاجي من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق كممثل لم يكن يعلم أي قدر ينتظره. عمل في بعض الأعمال التلفزيونية مع ممثلين مثل أيمن زيدان ورامي حنا قبل أن يقرر السفر إلى أوروبا لاستكمال دراسته في جامعة كامبريدج التي حصل منها على شهادة في الإخراج والإنتاج السينمائي.

يبدو ما حصل بعدها أشبه بقصة لفيلم بحد ذاتها وهو الذي أدرك في مرحلة هامة أن طريق العودة إلى سوريا صار مستحيلاً مع اندلاع الحرب هناك، لم يعش شيروان الثورة ولا الحرب في سوريا ولم يخرج منها مهاجراً ولهذا شعر بوجود مسافة بينه وبين أولئك الذين عانوا من كلا الأمرين.

كان شيروان على موعد مع كتابة ذاكرة موازية أو بديلة(11) عندما تلقى عبر الإيميل إعلاناً لجهة إنتاجية عن حاجتها لممثل من أصل عربي يعيش في فنلندا لأداء دور تمثيلي في أحد الأفلام، تقدّم بلا تردد معتقداً بأن دوره لن يكون أكثر من بائع مثلاً في خلفية أحد المشاهد ليتفاجأ بأنه سيكون الشخصيّة الرئيسية في أحد أفلام أكثر المخرجين الفنلنديين تقديراً، الفنلندي الذي لا يمل من نصرة المسحوقين آكي كوريسماكي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s