غزة مونامور.. ظهور مُربك للحب في غزّة

غزة مونامور هو الفيلم الجديد للأخوين عرب وطرزان ناصر بعد فيلمهم الأول ديجراديه عام 2015 والذي استند على حدث حقيقي كما في الفيلم الجديد. يستعين التوأمان بسليم الضو وهيام عباس في أدوار البطولة، ويشاركهم كل من ميساء عبد الهادي ومنال عوض وغيرهم. مدة الفيلم 87 دقيقة وهو مُرشح فلسطين للمنافسة على جوائز أوسكار أفضل فيلم عالمي بعد مواجهة مع “200 متر” لأمين نايفة و “بين الجنة والأرض” لنجوى النجار، حسمها الفيلم لصالحه بأغلبية خمسة أصوات من أصل ستة.

يمكن إعتبار الفيلم الذي كُتب في نهايته “إهداءٌ إلى أبي” اختبارًا جديدًا حقيقيًا لأسلوبية الأخوين ناصر في بناء فيلم متكامل ينجح في الإفلات من عقدة أفلام المكان الواحد والتي صرنا نراها في أفلام تتحدث عن غزّة مثل ديجراديه أو الفيلم الأخير لرشيد مشهراوي كتابة على الثلج. 

إلى جانب كتابتهم وإخراجهم للفيلم ينفّذ الأخوان مهام التصميم كما فعلا في فيلم ديجراديه، ليخرج الفيلم بأقرب صورة ممكنة تُحاكي شكل الحياة في غزّة – نظرًا لاستحالة تصوير الفيلم داخلها. سينبهر المُشاهد الغزّي من دقة تصوير المكان، وسيضحك بالتأكيد عندما يقرأ “خليل شعت عالم ذرّة” المكتوبة على أحد الجدران التي ظهرت في مشهد تأسيسي في الفيلم، وهو يعلم أنه الوحيد الذي سيضحك عليها.

يحكي غزة مونامور قصة حب غزاوية تجد لنفسها تربة ملائمة كي تنمو وتتفرّع وسط حالة من اليأس والإحباط، سرعان ما تتداخل الأحداث ويكتشف العاشق عيسى، صياد السمك الستيني الأعزب، تمثالًا أثريًا ثقيلًا عاريًا ومُنتصب القضيب، غارقًا في مياه غزة، فيقرر الاحتفاظ به. باتخاذه القرار يضع نفسه هدفًا لمضايقات رجال جهاز الأمن الداخلي في غزّة التابع لسلطة حماس، الذين ينزعجون ليس فقط من عُري التمثال أو من كونه إلهًا بل أيضًا لأنهم ينوون بيعه والاستفادة من ثمنه.

كان صيّادًا من غزّة عثر بالفعل على تمثال برونزي للإله الإغريقي أبولو قبالة شواطئ دير البلح يلوّح له بيده المرفوعة من تحت الماء في صيف عام 2013. حمّس ظُهور أبولو الكثيرين من أجل الكلام عن “رسالة ما” تلقفتها غزّة من البحر بعد أعوام مريرة من الحصار أو كما قالها أحد المراسلين الإخباريين أن التمثال “جاء يخاطب غزّة ويعطيها الأمل”. المفارقة أن التمثال اختفى دون معرفتنا لحقيقة قيمته التاريخية، كما لم تزد الأوضاع إلا تعاسة في غزّة.

في الفيلم نرى نسخة تأويلية للحدث مبنية بإيقاع تصاعدي دقيق قبل أن تبدأ بالتشعّب حتى يفلت الفيلم من إيقاعه وتتبعثر بعض أفكاره في ثلثه الأخير ما يُذكّرنا بنهاية فيلم ديجراديه الذي يتكلم عن مجموعة من النساء في صالون للتجميل وسط اشتباك داخلي في غزّة. حاولت الكوميديا في غزة مونامور تعويض ذلك ولكنها في أحيان كثيرة بدت لي وكأنها تعمل في غير مصلحة الفيلم كبنية متكاملة.

لا يُمكن بالطبع إغفال حجم الأفكار التي كان على الأخوين ناصر التعامل معها من أجل إنجاز فيلم عن الحب في غزة. هُم مُطالبون بشرح كل صغيرة وكبيرة فيه فقط لأن الجمهور العالمي يجهلها تمامًا. كان عليهم مثلًا إيضاح علاقة الناس بالتيار الكهربائي وانقطاعه، وشرح بعض مظاهر الثقافة الشعبية الرائجة هناك، والتأكيد على شكل العلاقة المضطرب بين المواطن وحكومة حماس حصرًا.

 ورغم ارتكاز الفيلم على قصّة الحب التي جمعت سهام بعيسى، ولكنه يتبرع كذلك بتقديم إجابة عن سؤال “ما مصير التمثال؟” بشكل قاطع وبتعمّق أكثر من اللازم أحيانًا. وأثناء ذلك تتطور بشكل ثانوي قصة جانبية عن الصديق الوحيد لعيسى الذي يحاول الهرب عبر قارب هجرة، كما نشاهد مناقشةً بين عيسى وصديقه سمير سلّطت الضوء على الفوارق الطبقية  في المجتمع الغزي.

استفاد الفيلم كثيرًا من ذاكرة صانعيه عن غزّة بواقعها وعمقها الاجتماعي المختلف، ولكن كثافة الموضوعات التي تعامل معها صبّت في غير مصلحته الطموحة بأن يكون فيلمًا ذي طابع كلاسيكي. مع ذلك، يحتفظ الفيلم برونقه كفيلمٍ جميلٍ خفيف الظل، رغم سيطرة المشاهد المعتمة عليه.

يتضح الأثر السلبي في التعمق الزائد للإجابة عن سؤال “أين ذهب أبولو؟” في اللحظة التي يبدأ فيها الفيلم بمتابعة مصير التمثال عبر مشاهد متتابعة للخبير الذي فحصه والمسؤول الأمني الذي يريد بيعه، فبدت وكأنها مشاهد تلفزيونية متمردة على روح الفيلم وعن لغته البصرية.

يُمكن فهم جميع قرارات هذا الفيلم إذا قلنا أنه يسعى طيلة الوقت للبحث عن النكتة (تمثال منتصب القضيب؟) ينجح الفيلم في النكتة حقًا، ولكنها كوميديا مثقلة بالضرائب. مثلًا، في البداية يعثر عيسى على التمثال. ثم ينكسر قضيبه قبل أن يكتشف الأمن التمثال ويتحفظ عليه. يُسجن عيسى و ينسى الأمن القضيب مع عيسى. يُفرج عن عيسى بتعهّد مالي و يقرر الأمن بيع التمثال. يرى خبير الآثار أن قيمة التمثال تكمن في قضيبه، ليعود رجال الأمن لمنزل عيسى بحثُا عن “قضيبهم” المفقود. وهناك يُلقي عيسى نكتته “القوية” والتي سينفجر المشاهدين ضحكًا على إثرها.

إذا استثنينا أي عنصر من عناصر هذه الحكاية فلن ينتهي المطاف بعيسى مُلقيًا نكتته القوية تلك. فمثلًا لو أراد الجهاز الأمني لحماس تحويل ما يزيد عن نصف طن من البرونز هو وزن تمثال أبولو إلى أوعية صاروخية تستخدمها في حروبها مع إسرائيل لما استطاع عيسى قول نكتته بكل تأكيد. وهو ما وقع فعلا في حادث منفصل كُشف عنه مؤخرا عندما حوّل الذراع العسكري لحماس مجموعة كبيرة من المعادن التي وجدها في سفينة غارقة في قاع بحر غزة إلى صواريخ هجومية.

لربما اختلف مسار الفيلم حينها، ولربما صار هناك معنىً حقيقيًا للمشهد العَرَضِي الذي يمر مرور الكرام في الفيلم عندما يرى عيسى مهرجانًا لحماس يحاولون فيه رفع صاروخ محلي الصنع ويكاد يسقط منهم. أي لكان حينها هناك ما يمكننا الحديث عنه.

هناك بالتأكيد رغبة بالضحك على منظومة حكم حماس التي تفشى فيها الغباء ومظاهر الفساد والقمع والتسلّط والهوس بالسيطرة. وهذا ضروري لنزع النقاء المفتعل حول حماس والذي دفع ضريبته أهالي غزة الذين يتعرضون لتكميم الأفواه بحجة الدفاع عن المقاومة.

 ولكن هذه الرغبة بالسخرية من رجل الأمن الحمساوي، على طريقة إيليا سليمان أحيانًا، أثّرت على شكل الفيلم بوضوح. فوصف موظفي حماس والمتعاونين مع حكومتها و المتبنين لأفكارها بالبلاهة والجهل فحسب يجعل منهم شخصيات كرتونية. يظهرون في الفيلم إما يشاهدون أفلامًا حربية أو يُعدّون الطعام أو نائمين. والواقع يقول أن تلك الشخصيات ببلاهتها قادرة على تحويل حياة أي فرد إلى جحيم حقيقي. وأن السخرية من حماس يدفع ثمنها الناس غاليًا أغلب الوقت. وأن برود وفظاظة عيسى قد لا تخدمه كثيرًا على أرض الواقع المزروعة بالهموم. هنا يظهر الفيلم وكأنه صرخة انتقام، بل رسالة شخصية للغاية عن معنى الحياة تحت حكم أولئك الأشخاص وفي ظل حصار خانق. صرخة أثرت على نهاية الفيلم ولكنها لم تنزع حالته الشعورية تمامًا.

ينجو الفيلم لا بالكوميديا فحسب بل وفي التركيز على هزلية العيش في غزة كالتأكيد المستمر على أن السمك الذي يصطاده عيسى يخرج ميتًا أصلًا. سيعرف الغزيون أن بحرهم الملوث هو السبب. فغزة مدينة ساحلية ولكنها لا تُشبه المدن الساحلية في شيء.

وبالفصل بين خطوط الفيلم الدرامية التي لا تتقاطع إلا قليلًا، تقل احتمالات وجود نهاية ملحمية. يمكن مثلًا اعتبار مشاهد الأحلام “الحمراء” التي يراها عيسى هي حلقة الوصل الوحيدة بين رغبته بالزواج من سهام و صدفة اكتشافه للتمثال. وكأن إله النور والأمل أعاد له فحولته فجأة وفي “سنّه هذا”، كما قالها المحقق الساخر الذي يعود لاحقًا للبحث عن القضيب الحديدي.

ينتهي الفيلم بمشهد حميمي يجمع عيسى بسهام على مركب الصيد وقد وصلا إلى أبعد نقطة ممكنة عن رجال الأمن الذين يكرهون “الإنفلات” وهي حدود الميل البحري الثالث والأخير من المنطقة المسموح للصيادين الفلسطينيين التواجد فيها. حاول الزوجان الجديدان “الإنفلات” من أعين حكومة حماس التي لا تعرف الحب كما نرى، فصاروا عرضة لنار الاحتلال الذي يحذرهم من تجاوز الحد المسموح بحريًا. وهذه كانت الإشارة الثانية والأخيرة للإحتلال في فيلم غزة مونامور بعد مشهد لقصف صاروخي دام ثوان على الشاشة. وهو ما اعتدنا عليه في أفلام عرب و طرزان؛ أقل القليل من وجود الاحتلال الاسرائيلي في المشهد.

ليس هذا الفيلم الأول عن غزة، ولكنه الأول الذي يرصد شكلًا من أشكال الحياة الاجتماعية في غزة بدقة ويتجرأ للخروج إلى شوارعها والغرق في حكاياتها وكأنك هناك في قلب مخيم الشاطئ. يُحسب للفيلم تركيزه على فترة تاريخية احتاجت الكثير من الشجاعة والوقت للعمل عليها وتوثيقها. يمكننا أن نتخيّل صعوبة العمل على أرض غير ممسوسة سينمائيًا من قبل وهو ما يجعل من هذا الفيلم إنجازًا و يسمح بانتقاد المعيشة تحت الحكم الحمساوي دون التعرّض للاتهام الساذج بالخيانة.

في غزة مونامور، تتطور اللغة السينمائية للأخوين ناصر. ورغم استحضارهم الكثير من العلامات من فيلمهم الأول ولكنهم لا يزالون يجربون أنماطًا جديدة للكلام عن غزّة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.