قراءة في تجربة كويبي القصيرة جدًا

رياح الإحباط تجول في أروقة الشركة الأمريكية (كويبي) التي تكمل بشقّ الأنفس شهرها السادس منذ إطلاقها في إبريل الماضي. طمحت المنصة للمنافسة في سوق مختلف وبعيد عن سيطرة نتفلكس إذ استهدفت الهواتف الذكية فقط وبمحتوى ترفيهي قصير لا يتجاوز طول “الشريحة” منه عشر دقائق يمكن مشاهدتها “on the go” و مدعومة بميّزات تقنية تمثّل ذروة التعاون بين هوليوود و وادي السيليكون.
رغم تفرّد خدمة كويبي ولكن ذلك لم يكن كافيًا كي تحقق الشركة نجاحًا يضمن استمرارها، بل إنها باتت الآن مُعرّضة للبيع بعد ضخ قرابة 2 مليار دولار من أجل إطلاقها. إذ تؤكد “وول ستريت جورنال” أن خدمة البث الوليدة ستكمل عامها الأوّل بأقل من 30% من إجمالي الإشتراكات التي توقعها رجل الأعمال والمنتج الأمريكي جيفري كاتزنبرغ، مؤسس المشروع صاحب التسعة وستين عامًا – قضى عقدًا منها كرئيس لمجلس إدارة استوديوهات والت ديزني.
روّج كاتزنبرغ كثيرًا لمشروعه هذا قُبيل إطلاقه وأقنع شركات مثل بيبسي و والمارت بالاستثمار فيه كمُعلنين كما استقطب أسماءًا ثقيلة في أكثر من خمسين عملًا ترفيهيًا أصليًا مثل ستيڤن سبيلبرغ ودل تورو وإدريس ألبا وجينيڤر لوبيز، مع ذلك وبمجرد انتهاء فترة التسعين يومًا المجانية لم يبق لدى الشركة سوى 2 مليون مشترك لا يزيدون إلا قليلا.
بشكل ما تحوّلت نقاط القوة التي تمتع بها هذا المشروع الطموح لنقاط ضعف أدت لهذا الانهيار التدريجي. فالرجل الذي قاد المشروع يواجه الآن عدة أصابع تتهمه بالتقصير والسرقة وسوء الإدارة. يبدو أبرز الذين صرّحوا بذلك هي ميغ وايتمان، 64 عامًا، والتي شغلت منصب المدير التنفيذي لعدد من الشركات التقنية العالمية وصولًا إلى كويبي.
قالت وايتمان أن كاتزنبرغ منعها من ممارسة عملها كمديرة تنفيذية وأنه مارس ديكتاتوريته عليها وكبّل يديها. لربما كان هذا سبب الاستقالات الكثيرة التي مُني بها المشروع منذ بدايته فرحل عنه رؤساء أهم أقسامه.
ورغم التصريحات الثورية لكاتزنبرغ والتي سبقت إطلاق المشروع جاء المحتوى أقل ثورية. عجّت المنصة بالمشاهير كما تعج بهم منصات مجانية مثل انستغرام ويوتيوب وتيك-توك، ولكن دون عمق يكفي لحث المستخدمين على دفع الأموال ( 5 – 8 دولارات شهريًا) من أجل مشاهدة هؤلاء النجوم كما ورد في مراجعات عدة نُشرت من داخل الولايات المتحدة خلال الشهور الماضية.
في الوقت ذاته تواجه كويبي دعوة قضائية تتهمها بسرقة إبتكار تقني سمّته “الباب الدوار”، سمح لها بعرض أعمالها على الهواتف بأبعاد متغيرة اعتمادًا على الطريقة التي يُمسك بها المستخدم بهاتفه، طوليًا او عرضيُا.
برأيي، إن تخصيص منصة للهواتف المحمولة كان يمكن له أن يكون أكثر عملية لو جاء في زمن حققت فيه هواتف الشاشات المزدوجة انتشارًا اوسع، فيمكن تخيّل نجاح هذه الخدمة مع هاتف LG WING الجديد مثلًا إذ يمكن للمستخدم حينها مشاهدة ما يحلو له والاستمرار بالمراسلة والتصفح أو أيًا كان ما يود فعله، خاصة أن كل تلك الخواص منعها تطبيق كويبي منعًا مطلقًا.
كما جاء الاصرار على اطلاق الخدمة في ابريل وبعد بدء أزمة كوڤيد-19 العالمية في غير صالح المنصة وانتشارها و هي التي هدفت لملء فجوات الزمن التي يمر فيها المستخدم في يومه العادي بين محطات المترو و وسائل النقل الأخرى أو انتظار صديق في المقهى مثلًا. كانت كلها مفقودة مع التزام الأميركيون والكنديون منازلهم منذ تفشي الوباء.(التطبيق متاح في أميركا وكندا فقط) إذ تضاعف ارتباط الأميركيين بخدمات يمكن مشاهدتها في المنزل وعلى التلفاز الكبير مثل نتفلكس وHBOmax و ديزني-بلس وغيرها من المنصات الجديدة.
وبينما تُرجمت الحرب الأمريكية على تيك-توك بإجراءات عملية على أرض الواقع إلا أن التطبيق الصيني نجح بالتفوق على كويبي (كما نجح بالتفوق على غيرها) بأن منح للمستخدم حريّة كاملة في تحديد متى وأين وكيف يشاهد ما يود مشاهدته، هذه الحريّة سلبتها كويبي ب”رَسمنة” المحتوى القصير وتخصيص اوقات لعرض بعضه ضمن ساعات الليل مثلًا دون غيرها.
بعد ستة أشهر مرّ فيها العالم بتقلبات غير متوقعة خاصة على صعيد أشكال الانتاج الترفيهي وشكل المحتوى وطريقة انتشاره، يبدو أن الجماهير الآن غير مستعدة للتعامل مع منصة مخصصة للأعمال القصيرة للغاية كتلك التي قدمتها كويبي، خاصة وأن نتفلكس باشرت بتقديم مسلسلات لا يتجاوز طول الحلقة فيها 15 دقيقة، وهي المنصة الأضخم في العالم بأكثر من 192 مليون مشترك.
لا يبدو أن كويبي تتمتع بخيارات كثيرة الآن، فهي إما ستتنازل عن ثوريتها وتتجه تدريجيًا للتحول لمنصة أشمل، مما يضعها في مواجهة خطيرة مع نتفلكس حاولت تجنبها منذ البدء. أو أنها ستتلاشى بشكل تدريجي وتغرق في بحر من الديون والدعاوى القضائية التي ستجفف منابعها المادية حتمًا، حينها لن يذكرها التاريخ سوى كمحاولة جريئة في زمن غير عادي.

House Of Cards المسلسل الذي أدمنه أوباما

—————-

 

1) كيفن، نيتفليكس و المسلسل.

منذ رأيت “كيفن سبايسي” في فيلم The Usual Suspects الصادر عام 1995 والذي حاز عليه أول أوسكار له عن دور مُساعد كان من الواضح أنه ممثل ذو نكهة خاصّة. أثبت ذلك الاختلاف الدائم حول أدواره وقدراته.

في فبراير من العام الماضي (2013) طُرح مسلسل جديد يؤدي الدور الرئيسي فيه “كيفن سبايسي” اسمهHouse of Cards . المسلسل بدأ بمفاجأة. فمن يعرف شبكة Netflix يعلم أنّها شبكة “تأجير” أفلام، حيث تعرض الافلام التي يطلبها كل زبون وفي الوقت الذي يناسبه وهكذا. لكن هذه المرة الامر اختلف، الشبكة حصلت على رخصة لإعادة انتاجمسلسل بريطاني يحمل نفس الاسم. لكن ليس هكذا الامر فحسب. الشبكة قامت بطرح الموسم الأول من المسلسل كلّه دفعة واحدة على الموقع الخاص بها، 13 حلقة كل حلقة مدتها ساعة أُتيحت للزبائن في ليلة وضحاها!

لم تعتمد الشبكة على عنصر المفاجأة فقط، لكنها استعانت بطاقم تمثيل من الكبار أمثال (كيفن سبايسي) و(روبن رايت). ليس هذا كلّ شيء، تم ايكال مهمة اخراج أول حلقتين لأحد اهم المخرجين البارعين في هذا المجال: (ديفيد فينشر).

(كيفن سبايسي) لم يقتصر عمله على بطولة المسلسل لكنه كان منتجاً له أيضاً حيث ظهر في احدى المؤتمرات متحدّثاً عن المسلسل ومجيباً عن أسئلة عديدة طُرحت حوله (و هنا اللقاء الكامل) حيث قال: “نجاح ما قامت به شبكة نتفليكس يدلل على أن الجمهور يريد ان يكون هو المُتحكّم، أعط الجمهور مايريد، عندما يريد وبالطريقة التي يريد بسعر معقول. أعطهم شيء احتمالية دفعهم النقود مقابله تكون أعلى من فرص قرصنته. الفيلم ان قمت بمشاهدته على جهاز اللابتوب سيبقى فيلماً ولن يتغير محتواه ان شاهدته في السينما! الجمهو يريد قصصاً للتحدّث عنها وكل ما علينا فعله هو اعطائها لهم”.

الشبكة كانت قد أعلنت أنها قد حصلت بالفعل على الـ100 مليون دولار التي استثمرتها في المسلسل في أقل من ثلاث شهور بعد طرح المسلسل. هنا نتحدث عن ناحية استثمارية بحت قامت بها الشركة بذكاء قد تسبب تغيّراً كبيراً في عالم الانتاج التلفزيوني خاصة وأنّ الشبكة قامت بترخيص المسلسل لعرضه على قنوات البث ذات الكابل فيما بعد. حقيقةً ما أتت به نيتفليكس ليس جديداً علينا، فنحن اليوم أصبحنا نعيش في عالم الانتاج المستقل على اليوتيوب، وبتنا نشاهد برامج وحلقات غاية في الاتقان والروعة بلا أي مُقابل يُذكر.

الآن لو تحدثنا بطريقة أكثر قرباً فالمسلسل أنهى موسمه الثاني (الذي طُرح كاملاً في 14 فبراير الماضي) وتم الاعلان عن موسم ثالث سيكون متوفراً في فبراير من العام المقبل (2015). فإن كنت ممن لم يشاهد المسلسل بعد فبإمكانك الاستمتاع بإجمالي 26 حلقة للموسمين الأوّلين دفعةً واحدة بإجمالي 26 ساعة!

2) القصّة، البناء والرأي.

في سنة 2013 (حسب المسلسل) تتم انتخابات امريكية ويفوز رئيس جديد للولايات المتحدة من الحزب الديموقراطي ويكون بطل المسلسل (فرانسيس أندروود) موعوداً بمنصب وزير الخارجية إلا أنه سرعان ما يكتشف أنه تم استبعاده عن المنصب لصالح شخص آخر بحجّة أن الرئيس ومستشاريه يحتاجون له داخل (الكونجرس) لتمرير بعض القوانين بسبب تميّزه في جمع أصوات الناخبين كلّ مرة.

يقرر “فرانك” أن يقلب الطاولة باتجاه الجميع، لكنه طبعاً لا يفعلها بشكل مفضوح. المسلسل يدور حول كيف سوف يتسلق “فرانك” سلّم (البيت الابيض) وكيف سيطيح بكل من يقف في طريقه وكيف أنّه يفعل الأمور في سره وأمام زوجته (كلير أندروود) التي هي مديرة لمنظمة أعمال خيرية.

ومن هنا تبدأ قصة المسلسل مع عضو الكونغرس الامريكي (أندروود). ان كنت من محبي السياسة وتريد أن تعرف كيف تجري الامور في (البيت الابيض) فعليك البدء بمشاهدته الآن. الطريق الطويل للوصول إلى القوة والإستخدام الأمثل لمفهوم “الغاية تبرر الوسيلة” و “البراغماتية المطلقة” في التعامل مع كل شيء في الحياة من عمل وسياسة وإلخ.

الشخصيات ليست معقّدة. والعلاقة بينها منطقية جدا ومفهومة. تم استغلال ميزات كل شخصية لخلق دراما عالية في الحوارات المصنوعة، حوارات جيدة جداً تعطيك انطباعاً كبير عن الحياة السياسية وعن طريقة ادارة الأمور هناك.

من ناحية أخرى يتميز المسلسل بشخصية البطل حيث يتحدّث الى الكاميرا (الجمهور) كل فترة مما يُعطي مشاهد ممتازة توضح لك تفاصيل مهمة حول آرائه وحول ما يفعله وهو تفسيرات لماذا يفعل ذلك بالضبط، ويعطيك أيضاً تفسيرات جيدة جداً عن طريقة سير الأحداث وعن تفكير البطل وعن كيفية ادارة الامور بطريقته الخاصة.
هنا كل الجمل التي تحدّث بها مخاطبا الجمهور في الموسم الثاني مُجمّعة:هنا

إخراجياً كانت مشاهد التحدث الى الكاميرا مبدعة للغاية. و بشكل عام فإن المخرجين خلقوا أجواء سياسية ذات طابع ومستوى عالي كان واضحاً امامك بحيث لا تعتقد لوهلة أنك كمُشاهد “يتمّ خداعك”.

حسب رأيي الشخصي المسلسل لا يُعتبر هو “قنبلة الموسم” لكنه مسلسل ممتاز ينتمي للصف الأول بكل بجدارة واحترام. خاصّة أنه لا ينفك ويفاجأك بأحداث غريبة تثبت أن نص المسلسل بُذل عليه جهد كبير ليخرج للنور. الصدمات لا تقتصر فقط على الامور السياسية ولكنها تنتقل الى الحياة الشخصية كما نلاحظ في احدى حلقات الربع الاخير من المسلسل حيث تظهر مفاجاة صادمة لها علاقة بالحارس الشخصي ل”فرانك” و … لا لن أحرق الأحداث!

3) تحذير لمن لم يشاهد المسلسل: هذه الفقرة قد تحرق بعض الامور الهامة.

على الرغم من ذلك لا يخلوا المسلسل من بعض الفجوات الغير مقنعة البتة والتي نتجاوزها لعدم افساد المتعة. فبعض المواقف السياسية لا يمكنها ان تكون بهذه البساطة. وبعض الخطابات لا تتم بهذه الصورة فكلّنا نشاهد سياسة ونعلم كيف تجري الامور بشكلها العام على الاقل. و من أجل التخصيص نذكر علاقة البطل بالصحفية (زوي) في الموسم الاول وكيف أنه كان يذهب لبيتها علناً.
في الموسم الثاني نرى كيف أنه انزعج من علاقة رجل المارينز بزوجته على الرغم من الانفتاح الجنسي الذي تعيشه علاقتهما الزوجية. الا لو كان الامر ليس حول الجنس بقدر ما هو حول الاهانة والتدمير النفسي.
كما نلاحظ في الموسم الثاني يظهر “فرانك” وكانه يتلاعب بالرئيس بكل سهولة وسلاسة وكأنه رجل أحمق وليس رئيس أهم وأقوى دولة في العالم!

4) أوباما.

قال الرئيس (أوباما) في اجتماع له في (وادي السيليكون): “كنت أتمنى لو أن الامور تسير في البيت الابيض كما هي في المسلسل” و أضاف حول “فرانك اندروود “هذا الرجل يعرف كيف ينهي الأمور”.

الرئيس (أوباما) كانت له احتكاكات عدة مع المسلسل فجّرتهاتغريدة على على موقع تويتر كتب فيها “غدا هاوس أوف كاردز. لا تحرقوا الأحداث رجاءاً”. وكانت هذه التغريدة قبل صدور الموسم الثاني مباشرة

لاحقاً ردّ عليه نُشطاء قائلين: عندما تمارس السياسة كما يفعل كيفن سبايسي يمكنك حينا الحديث عن البيت الابيض”.

5) فرانك سبايسي.

في حفل الاوسكارز ظهر (كيفن سبايسي)  لتقديم احدى الجوائز فأصاب الحاضرين ببعض التشويش. اعتادوا عليه بلعب دور (فرانك أندروود) في المسلسل لكن لم يعتادوا عليه في الحياة الطبيعية. أكمل (سبايسي) الفقرة كلها وهو متقمّص لشخصيته في المسلسل بشكل بارع.

6) إقتباسات فرانك.

– “اليدمُقراطية مُبالغ بها بشكل كبير”. لعل هذا أشهر اقتباس له في كلا الموسمين الماضيين لكنه ليس الوحيد أبداً.

– ” الأصدقاء هم أسوء الأعداء”.
من أسوء من صديق يعرف كل أسرارك ونقاط ضعفك وتاتمنه على كل شيء فجاة ينشب شجار بينكم فيبدأ باستخدام كل هذه الميزات ضدك أنت!
لا تستهين بتقدير علاقتك بالاخرين وتحجيمها. ولا تحرق الجسور بينك وبين اأصدقائك مهما حصل، لأنك حينها ستكون قد سقطت بالفعل دون أن تدري.

– ” التردد يصيبني بالملل”.
الثقة. الثقة بنفسك وحدها طريقك نحو تحقيق مصالحك. لا أحد يريد أن يحيط نفسه بأشخاص منغمسون بالشك بذاتهم. الكئيبون لن يفيدوك. المتفائلون هم من تحتاج حقّاً.

المزيد من الاقتباسات .

تقييم المسلسل 9/10 على موقع IMDb العالمي.

 فيديو ذو علاقة: